قنبلة الجنوب الموقوتة: لماذا يجب على العواصم ألا تغمض أعينها عن السويداء؟

– بهاء الشايب –

لم يعد المشهد في محافظة السويداء، الواقعة في أقصى الجنوب السوري، مجرد تفصيلٍ زائد في جغرافيا الأزمة السورية الممتدة، بل تحول المتغير ميدانياً وسياسياً إلى معادلة استراتيجية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها أوراق الأمن الإقليمي، والسيادة الوطنية، والمسؤولية الأخلاقية الدولية. إن قراءة الواقع الراهن في السويداء بعين الاختزال الخدمي أو الاقتصادي التقليدي هي خطأ استراتيجي فادح؛ فالمنطقة اليوم تعيش مخاضاً معقداً يضعها بوضوح بين مطرقة “الانفجار” المعيشي” وسندان “التسويات الأمنية القاسية”، في مربع جغرافي لا يحتمل أي مغامرة غير محسوبة العواقب.

الرهائن الصغار :عندما يتحول التعليم إلى ورقة ضغط سياسي

تبدأ أولى ملامح الأزمة المقلقة من الصدمة الإنسانية والاجتماعية الأكبر التي تضرب عصب المجتمع في السويداء؛ حيث يواجه أكثر من 14 ألف طالب وطالبة في المحافظة خطر الحرمان من تقديم امتحانات الشهادتين الثانوية والأساسية )البكالوريا والتاسع( للعام الثاني على التوالي. هذا الشلل القسري في قطاع التعليم ليس مجرد خلاف فني أو إداري، بل هو انعكاس مأساوي لمعركة “كسر إرادة” سياسية وإدارية تدور رحاها بين المرجعيات المحلية الأهلية والروحية (الرئاسة الروحية للمسلمين الموحدين والفصائل المحلية) من جهة، وبين السلطات المركزية في دمشق ووزارة التربية من جهة أخرى، حول آليات ودخول اللجان الإشرافية الوزارية إلى المحافظة.

إن تحويل مصير جيل كامل إلى رهينة للانسداد السياسي يمثل سابقة شديدة الخطورة. هذا الاحتقان ولّد حالة عارمة من الإحباط والغضب بين العائلات، وبدأ يدفع مئات الطلاب إلى هجر مقاعد الدراسة قسراً والارتماء في سوق عمل غير منظم أو الهجرة، مما يفرغ المنطقة من نخبتها الشابة ويؤسس لبيئة خصبة للاستقطاب والتوتر الفكري والاجتماعي.

الحصار المعيشي الصامت: سياسة “حافة الهاوية” الاقتصادية

بالتوازي مع الاختناق التعليمي، تخضع السويداء لما يمكن وصفه بـ “الحصار الاقتصادي غير المعلن”؛ أسواق المحافظة تشهد شحاً حاداً وغير مسبوق في المواد التموينية الأساسية، مع تراجع حاد ومستمر في كميات المحروقات الواردة إليها. الأخطر من ذلك هو “معركة الرغيف”، حيث تشتكي الفعاليات الأهلية من تراجع مخصصات الطحين للمخابز، مما جعل السكان يواجهون أزمة خبز خانقة دفعتهم للاعتماد شبه الكلي على طحين المساعدات الخارجية والإغاثية الأممية لسد الرمق، وسط دوامة معقدة يواجهها الموظفون والمتقاعدون في تحصيل رواتبهم التي التهمها التضخم وغلاء المعيشة.

هذه البيئة المعيشية القاسية لا يمكن فصلها عن التجاذب السياسي؛ إذ يُنظر إليها محلياً على أنها سياسة ضغط ناعم لإجبار الفعاليات المحلية على تقديم تنازلات جوهرية في ملفات الإدارة والأمن، وهو ما تراه النخب المحلية محاولة لإخضاع المحافظة عبر بوابة التجويع والإنهاك الخدمي.

الجغرافيا الحرجة: حدود ملتهبة وشبكات عابرة للقارات

إن ما يمنع سقوط السويداء من حسابات صناع القرار الإقليمي والدولي هو موقعها الجيوسياسي؛ فالأزمة في المحافظة ليست شأناً داخلياً محضاً، بل هي متصلة مباشرة بأمن الإقليم .تعيش المحافظة على صفيح ساخن من التوترات الأمنية الداخلية والاشتباكات الفصائلية أو العشائرية التي تندلع في البادية والبلدات بين الحين والآخر، مغذية حالة الفلتان وفوضى السلاح.

لكن الملف الأبرز الذي يقلق العواصم الإقليمية، وعلى رأسها عمان والدول الخليجية، هو “أمن الحدود الجنوبية” وشبكات تهريب المخدرات والأسلحة العابرة عبر بادية السويداء والشريط الحدودي. تواجه الفعاليات المحلية والفصائل ضغوطاً ومطالب مستمرة بضرورة الانخراط الفعال في مكافحة هذه الشبكات المنظمة، في وقت تتداخل فيه خيوط هذا الملف بين أطراف محلية، وقوى أمر واقع، وأجهزة أمنية، مما يجعل الحدود الجنوبية السورية برميلاً من البارود قابل للانفجار في أي لحظة، مهدداً دول الجوار مباشرة.

ولم تقف الأعباء عند هذا الحد، بل تحولت مدن المحافظة (مثل شهبا وغيرها) إلى مراكز استقطاب ديموغرافي هائل، بعد استقبالها آلاف الوافدين والنازحين من المحافظات الأخرى نتيجة التحولات الميدانية الأخيرة في البلاد، مما شكّل ضغطاً يفوق طاقة البنية التحتية والمنظومة الصحية والبلدية الشحيحة أصلاً.

سيناريوهات المستقبل: التفاوض المرن أم الفوضى الشاملة؟

أمام هذا المشهد المتشابك، تقف السويداء اليوم في عين العاصفة، وتتأرجح الخيارات المستقبلية أمام صناع القرار بين ثلاثة مسارات لا رابع لها:

  • سيناريو “التسوية الشاملة والمرنة”: وهو الممر الإجباري العقلاني الوحيد؛ ويتطلب جلوس المرجعيات الروحية والفصائل المحلية مع السلطة المركزية، برعاية أو وساطة إقليمية/عربية، لصياغة تفاهمات واضحة تضمن عودة السيادة الإدارية والخدمية للدولة (فتح ملف الامتحانات، تدفق المحروقات والطحين، وصرف الرواتب) مقابل ترتيبات أمنية تحفظ خصوصية المنطقة وتضمن انخراطاً حقيقياً في ضبط الحدود ومكافحة التهريب.
  • سيناريو “الحصار وتكريس الأمر الواقع”: استمرار المماطلة والتعنت من الأطراف كافة سيؤدي إلى ترسيخ “الإدارة الذاتية القسرية بحكم الأمر الواقع”، حيث ستنفصل المحافظة خدمياً وتعليمياً بالكامل، معتمدة بالكامل على أموال المغتربين والمساعدات الخارجية، مما يعمّق الفجوة مع المركز ويحولها إلى منطقة “رمادية” هشة ومستنزفة.
  • سيناريو “الانفجار الكبير والانفلات الأمني الشامل”: في حال تزايد الضغط المعيشي لدرجة الانفجار، أو انهيار لغة الحوار وتصاعد المواجهات المسلحة الداخلية، قد تنزلق السويداء نحو فوضى عارمة واقتتال محلي وعشائري، ما سيتيح لشبكات التهريب والتنظيمات المتطرفة استغلال الفراغ، ليتحول الجنوب السوري برمتّه إلى بؤرة تهديد إقليمي يستحيل احتواؤها.

رسالة إلى صناع القرار:

إن السويداء اليوم ليست مجرد بقعة جغرافية تعاني أزمة عابرة، بل هي حجر الدومينو الذي إن سقط، فستتساقط معه تفاهمات التهدئة والاستقرار الهش في عموم سوريا والمنطقة. إن إنقاذ مستقبل آلاف الطلاب، وتأمين لقمة عيش المواطن، وضبط السلاح المنفلت، والتعامل بجدية مع ملف الحدود هي حزمة واحدة لا تقبل التجزئة. على الوزراء والرؤساء، محلياً وإقليمياً، أن يدركوا أن سياسة “تأجيل الأزمات” أو “تصفير المشاكل عبر الحصار” قد انتهت صلاحيتها، وأن التدخل السياسي العاجل لصياغة تسوية واقعية هو الخيار الوحيد لمنع اشتعال عاصفة جديدة في الجنوب، لن ترحم أحداً.