الافتتاحية : عندما يكرر الأميركان القول إنهم من أسقط نظام بشار الأسد

استندت عملية نشوء ديكتاتورية حافظ الأسد عام 1970 إلى عامل دولي هو الموافقة السوفياتية–الأميركية على إزاحة نظام يرفض القرار 242 الذي رسم ملامح ومسار الصراع العربي-الإسرائيلي بعد حرب 1967، وإلى عامل إقليمي لدى الرئيس المصري الجديد أنور السادات الذي حمل مشروعاً مخالفاً لليسارية العروبية الناصرية، وإلى عامل داخلي هو نقمة اجتماعية عند الفئات الغنية والوسطى في المدن الكبرى من إجراءات نظام 23 شباط/ فبراير 1966 ذات الطابع اليساري في الاقتصاد والاجتماع والثقافة والسياسة. من هنا، لاقى حافظ الأسد أرضية دولية–إقليمية– داخلية أتاحت له، برضا هذه الفضاءات الثلاث، أن ينفرد بحكم سوريا، وساعد ديكتاتوريته على القيام وجود وضع اقتصادي مريح، إضافة لما ذكر أعلاه.

لا يُتوفر للرئيس السوري الجديد أحمد الشرع هذه العوامل الأربعة إن أراد أن يؤسس ديكتاتورية سورية جديدة، هذا إن أراد، ومن المحتمل أنه لا يريد. فما جرى من إسقاط للنظام السوري يوم 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، وهو إسقاط قاد إلى سقوط، كان بقرار دولي أميركي وليس إقليمي من دولة في الإقليم مثل تركيا، وليس بسيرورة داخلية هي انتصار في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024 لثورة انطلقت في 15 أو 18 آذار/ مارس 2011. وكان هدف هذا القرار الدولي الأميركي إنشاء توازن دولي جديد على الصعيد العالمي عبر البوابة الدمشقية تضعف روسيا قبل مفاوضات واشنطن معها حول أوكرانيا وتضعف إيران (عبر ضرب وكسر وإغلاق الجسر السوري للمحور الإيراني الإقليمي الممتد من قم حتى بيروت وغزة) قبل مفاوضات دونالد ترامب معها حول اتفاق نووي جديد (بدأت المفاوضات في نيسان/ أبريل 2025) أو تجعلها في وضع عاجز، إن لم تستجب للشروط التفاوضية الأميركية تكون غير قادرة من خلاله على مواجهة ضربة إسرائيلية قاصمة لبرنامجها النووي (حرب حزيران 2025 الإسرائيلية على إيران التي اختتمتها الولايات المتحدة بضرب المنشآت النووية الايرانية، ثم حرب 2026 الأميركية-الإسرائيلية على ايران).

ما قامت به هيئة تحرير الشام هو انتفاضة عسكرية ضد نظام كان آيلاً للسقوط في فترة 2011-2015، ولكن منع سقوطه آنذاك توافقات أميركية-روسية-إيرانية. ولكن في 2024، كانت روسيا تغوص في الوحل الأوكراني وإيران تجر أذيال هزيمة ذراعيها في غزة ولبنان، وهو ما سمح لهيئة تحرير الشام أن تنجح في 2024 وبغطاء أميركي أن تُنجز ما مُنعت من قبل واشنطن من تحقيقه عام 2015 عندما دفعت واشنطن باراك أوباما بموسكو فلاديمير بوتين للتدخل العسكري أمام تقدم الفصائل الإسلامية في منطقة الوسط السوري انطلاقاً من إدلب، وبالتوازي من الغوطة باتجاه قطع طريق دمشق-حمص.

ما تم في دمشق يوم 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024 كان في هذه الحدود، وليس بإمكان أحد القول إنه تغيير سوري، حتى وإن لاقى سقوط النظام تأييداً شعبياً كبيراً. ومفارق للوقائع القول إنه تغيير طبخه رجب طيب أردوغان. فدمشق على ما يبدو أهم من أن يقرر مصيرها السوريون للأسف أو أن يحددها الإقليم. ويجب علينا أن نعترف أن البريطانيين هم صانعو جلاء الفرنسيين عن سوريا عام 1946، وأن انقلابات حسني الزعيم وسامي الحناوي وأديب الشيشكلي كانت مدفوعة من الخارج، هذا من دون أن نتحدث عن فصول مرحلة 1954-1970.

من خلال زيارات الأميركيين والبريطانيين والألمان والفرنسيين لدمشق، وما يتكلم به السعوديون والإماراتيون، من الواضح والمعلن أنه من غير المرغوب قيام حكم إسلامي في دمشق عند كل هذه الجهات.

وبعد أيام من سقوط حكم بشار الأسد، قالت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية إن «حكماً إسلامياً في دمشق برعاية أردوغان هو أخطر على إسرائيل من حكم إسلامي في غزة يرعاه خامنئي». ومن الواضح أن الاعتراف بالحاكمين الجدد ورفع العقوبات وإعادة الاعمار هي شروط من أجل «انتقال سوري جامع وشامل»، وهو أمر أكده القرار الدولي 2799 الصادر في 6\11\2025 من خلال تأكيده على “المبادئ والأهداف الرئيسية الواردة في قراره 2254 (لعام 2015)” ،وهو أمر يعني أن الخارج الدولي-الإقليمي لا يريد ديكتاتورية كما أرادها مع حافظ الأسد ولا حكماً إسلامياً في عالم ما بعد هجمات سبتمبر 2001 وأكتوبر 2023، حتى ولو كان الذي قام بعملية 27 تشرين الثاني/ نوفمبر – 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024 فصيل إسلامي لم ير المجتمع الدولي بديلاً له للقيام بتلك العملية أو أن غيره من السوريين لم يكن مؤهلاً لها.

على الأرجح أن أطرافاً إقليمية مثل تركيا ،تريد حكماً إسلامياً أو جعل دمشق تابعة لأنقرة كما بغداد تابعة لطهران في ظل حكم الأحزاب الشيعية العراقية، لن تنجح في مسعاها بسبب حائط الصد الدولي في واشنطن وبسبب موانع الرياض والقاهرة وتل أبيب. ولا يسمح الوضع السوري لحاكمي دمشق الجدد أن يقرروا المستقبل وفق رؤاهم الأيديولوجية الإسلامية، بل على الأرجح سيتكيفون مع دفتر الشروط غير السوري. وهم أثبتوا منذ حكمهم في إدلب بأنهم براغماتيون ويقرأون الوقائع والتوازنات جيداً، وإلا لما وجدنا العبارة التالية في دراسة قدمت عام 2021 في معهد الجامعة الأوروبية بروما: «تظهر هيئة تحرير الشام وكأنها هي القوة الوحيدة القادرة على تطوير وتطبيق استراتيجية عملياتية مضادة لقوى الجهاد العالمي بما فيها بقايا تنظيم القاعدة وتجاه شبكات داعش.. هيئة تحرير الشام، ومع سعيها لتحقيق أهدافها، أصبحت تطابق المصالح الغربية في أشكال عديدة» ( ص31، من دراسة جيروم دريفون وباتريك هايني: «كيف تتم عملية تبيئة الجهاد العالمي وإلى أين تقود: حالة هيئة تحرير الشام، الفرع السابق لتنظيم القاعدة في سوريا»، ورقة بحث، نسخة بي دي إف، 36 صفحة، معهد الجامعة الأوروبية – مركز روبرت شومان للدراسات المتقدمة لبرنامج توجهات الشرق الأوسط، النص باللغة الانكليزية).

من الواضح، أنه لن تُرسم اللوحة السورية الجديدة من خلال البعد الداخلي بل أساساً عبر البعد الخارجي. والأرجح، أن عوامل ديكتاتورية حافظ الأسد لا تتوافر من جديد. كما أن وجود مشاريع اقتصادية دولية (أنابيب نفط وغاز وطرق ترانزيت وسكك حديد) تريد الالتفاف على مضيقي هرمز وباب المندب، تكون الجغرافية السورية محورها وممرها إلى أوروبا أو مصبها عند الساحل السوري، تتطلّب استقراراً داخلياً لن يوفره استئثار الإسلاميين بالسلطة أو سيطرة فرد واحد على البلد .