برنامجنا السياسي

البرنامج السياسي

تموز/يوليو ٢٠١٧

الاسم: الحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي

تعريف:

هو حزب يتبنى الماركسية منهجاً في التحليل، وهو شيوعي في السياسة والتنظيم، مع قطعه مع الكثير من المفاهيم والممارسات التي مارسها الشيوعيون، وهو يعبر الآن عن إرادة للانفتاح على البنى المحلية لتفعيل وتبيئة الماركسية، منهجاً وفكراً، مع العروبة والإسلام، الذي هو كثقافة في مجتمع متعدد الثقافات تاريخياً يشكل المكون الأساس للهوية الحضارية والثقافية للأمة العربية، كما يعبر أعضاء الحزب عن رؤية جديدة للماركسية يرونها من خلال هذه الرؤية بوصفها منهجا تحليلياً لجوانب الاقتصاد والاجتماع والثقافة من أجل تكوين رؤية سياسية، تشمل الأبعاد العالمية–الإقليمية–الداخلية، لاستنباط برنامج سياسي منها من أجل مكان وزمان محددين، وهم لا يرون الماركسية عقيدةً، ولا رؤية فلسفية للنظام الكوني-الطبيعي، بل يرون حرية الماركسي في أن يعتقد ما يراه من معتقدات دينية أو غير دينية تجاه هذا النظام، وأن يمارس ما يراه وفقاً لذلك من شعائر وطقوس – أو لا يمارس – وفقاً لما يعتقده لتكون الماركسية بناءً على ذلك محصورة في إطار اقتصادي–اجتماعي–ثقافي–سياسي، في حالة من الفصل بين العقيدة الشخصية والاتجاه السياسي الحزبي.

الحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي يتبنى الماركسية منهجاً في التحليل بتطبيقها على زمان ومكان معينين وفقاً لجدل العام-الخاص والداخل-الخارج، من أجل إنشاء رؤية سياسية للواقع القائم وتوليد برنامج سياسي-اقتصادي-اجتماعي-ثقافي للمرحلة المحددة.

ونحن إذ نتقدم بهذا البرنامج من المفيد القول إنه ليس خط استراتيجياً لنعمل عليه في إطار طويل المدى، بل هو برنامج مرحلي يركز على رؤية مرحلية من حيث الإستراتيجية والتكتيك.


مدخل إلى البرنامج

الحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي يعمل على ثلاثة خطوط:

1- خط وطني عام: يتلاقى من خلاله الحزب في السياسة مع من يتلاقى معه بغض النظر عن موقعه الأيديولوجي من الأطراف السياسية الأخرى.

2- خط يساري عام: يتلاقى فيه الحزب مع قوى يسارية عروبية وكردية وماركسية على خط وطني ديمقراطي.

3- خط يساري ماركسي: يسعى من خلاله الحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي، بالتعاون مع القوى الأخرى، إلى تجميع الماركسيين السوريين في تجمع يجمع أحزابهم وحركاتهم على أساس قيادة مركزية سياسية مع بقاء تنظيماتهم كمدخل إلى التوحد في حزب يجمعهم في تنظيم واحد، وبرنامج سياسي واحد.


تحديد المرحلة

نحن في الحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي نرى أن المرحلة الراهنة سورياً هي مرحلة ذات طابع وطني ديمقراطي. المرحلة الوطنية الديمقراطية تعني اجتماعياً أنها مرحلة برجوازية وذات طابع رأسمالي من حيث البنية الاقتصادية–الاجتماعية، وهي تعني كذلك من حيث البنية الدستورية-القانونية.

نحن نؤمن بأهداف مرحلية “وطنية – ديموقراطية – اقتصادية اجتماعية – تحديثية”، ونحن نرى بأن المرحلة السورية في ظل الهيمنة الخارجية على سوريا عبر مسار أزمة 2011-2017، تدفع إلى إعطاء الأولوية للوطني، أي للحفاظ على سورية موحدة ولإخراجها عبر التسوية من أزمتها، ثم بعد إنجاز التسوية الدخول في كفاح وطني للخروج من هيمنة الخارج على الداخل، وبالتالي فنحن ننظر للمهمات المرحلية الثلاث الأخرى من خلال نظارة الوطني، ونتلاقى مع القوى السياسية الأخرى من خلال ذلك.


الوضع الدولي

تشكل الوضع العالمي الراهن من خلال سقوط وتفكك الاتحاد السوفياتي عام 1991 وما ترافق معه من نشوء القطب الواحد الأميركي للعالم.

الوضع الدولي القائم الآن أهم خصائصه التحديدية هي القطبية الأحادية. ما زالت الأحادية القطبية الأمريكية تحكم العالم، وما نراه من ظهور للنفوذ الروسي في بعض المناطق من العالم ومنها سورية ما هو سوى محاولة روسية للخروج من حالة الضعف وموسكو ليست بعيدة في دخولها العسكري لسورية عام 2015 عن الغطاء الأميركي.

ما نراه من محاولات من دول كبرى عديدة ليست هي في اتجاه تحدي الأحادية القطبية بقدر ما أنها في اتجاه الاستيقاظ من الضعف والبحث عن أدوار في هذا المكان أو ذاك من العالم، وقد كانت محاولة تأسيس مجموعة دول البريكس عام 2009 هي المحاولة الأكبر لتحدي القطبية الأميركية الأحادية والبحث عن عالم متعدد الأقطاب ولكن كل المؤشرات تدل على أن مشروع البريكس قد فشل.

الاتجاه الأميركي في عهد أوباما، والمؤشرات على أن دونالد ترامب في هذا الخط، ينظر إلى الصين بوصفها هي المهدد الحقيقي للقطبية الأميركية الأحادية للعالم. لا يتم ذلك من خلال السلاح بل من خلال منظار الاقتصاد حيث تحتل الصين المركز الثاني عالميا بترتيب الاقتصاد العالمي بعد الولايات المتحدة وفق مقياس البنك الدولي الصادر في 11 تشرين الأول/أكتوبر 2016 برقم 10,866,444 تريليون دولار أميركي من مجموع 73,502,341 تريليون دولار أميركي وهو مجموع الاقتصاد العالمي وفق مقياس الناتج المحلي الإجمالي لعام 2015 فيما الولايات المتحدة الأميركية هي الأولى عالمياً برقم 17,946,996 تريليون دولار أميركي.

بينما روسيا في المرتبة 13 برقم 1,199,057 تريليون دولار أميركي وهي وراء استراليا وكوريا الجنوبية وكندا والبرازيل وايطاليا والهند فيما فرنسا في المركز السادس وبريطانيا الخامسة وألمانيا في المركز الرابع واليابان الثالث. ومن الواضح عبر هذا الجدول أن ثقل الاقتصاد العالمي يتحول في القرن الحادي والعشرين نحو شرق آسيا بدلاً من المحيط الأطلسي بضفتيه الأميركية والأوروبية وهذا تطور مفصلي على مستوى خمس قرون هو الذي حدد في السنوات الأخيرة الانزياح الأميركي نحو الشرق الأقصى وهو الذي يحدد تقاربات واشنطن مع موسكو من اجل أبعادها عن بكين والتقاربات الأميركية مع الهند واليابان من أجل تطويق الصين وفي هذا الاتجاه تأتي القواعد العسكرية الأميركية في شمال أستراليا وفي فيتنام. الدولة الكبرى أو العظمى لا تتحدد من خلال السلاح بما فيها السلاح النووي بل من خلال الاقتصاد.

يؤكد التطور العالمي في القرن الجديد على أن تركز الاقتصاد العالمي في أيدي دول قليلة وفي أيدي أفراد قلائل هو دليل على صحة نظرية لينين عام 1916 حول الإمبريالية. بالتأكيد هناك حلقات قوية وحلقات ضعيفة من الإمبريالية ولكن من الواضح أن تركز القوة موجود في واشنطن والى حد أقل في بلاد أخرى من العالم. الولايات المتحدة الأميركية ليست هي فقط القوى الاقتصادية الأكبر في العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي عندما تشكل ربع الاقتصاد العالمي بل الواقع أكبر من ذلك عندما تشكل مداخيل الشركات الأميركية في العالم ثلث الاقتصاد الأميركي من حيث الحجم. أيضاً تسع جامعات من أصل الجامعات العشر الأولى في العالم هي أميركية ونظام التعليم ما قبل الجامعي هو الأفضل في العالم كما أن الولايات المتحدة هي صاحبة ثلاثة أرباع المنتوجات العلمية والتقنية في العالم، وهناك ميل عالمي نحو نمط الحياة الأميركية اجتماعياً.

أن الهيمنة الإمبريالية العالمية للولايات المتحدة الأميركية هي التي تحدد الكثير من التطورات الإقليمية وفي أحيان كثيرة تحدد التطورات الداخلية والمحلية في أكثر من بلد في العالم. القطب الواحد للعالم يستند الى شركات متعددة الجنسية وتداخل اقتصادي عالمي. بالمقابل إن نمو الانعزالية في أميركا وفرنسا وألمانيا ليس ناتجاً عن فشل العولمة بل عن مشاكل لها علاقة أو هي ردود فعل على الإرهاب والهجرة ومشاكل الولادة الصعبة للاتحاد الأوروبي.

تجربة اليسار في أميركا اللاتينية لم تنشأ سوى من اجل فك التبعية عن واشنطن، وبعد عقدين من بداية تجربة فنزويلا مع شافيز عام 1998 والبرازيل 2003 تظهر أنها كانت تجربة غير ناجحة.

كمجمل عام: لا يتجه الوضع الدولي، في المدى المنظور القريب والمتوسط الى تعدد الأقطاب.

هناك ملامح على أن النمو الاقتصادي الصيني، بترجماته المحتملة عسكرياً وسياسياُ، سيتجه نحو قلقلة الوضع العالمي وربما ينتج توترات وحروب كما كان النمو الاقتصادي الألماني بعد وحدة 1871 مؤدياً لنمو توسعية ألمانية عسكرية قادت للحربين العالميتين الأولى والثانية.

الاتحاد الأوروبي بتركيبته الحالية لا يتجه نحو تشكل قطب موازي للأمريكان بل تدل مؤشرات كثيرة بأنه لم يتجاوز دور الرديف والملحق بواشنطن.

روسيا في عهد بوتين واستيقاظ دورها لا تتجه باقتصادها الضعيف نحو استعادة الدور العالمي الذي كان لموسكو في عهد ستالين وخروتشوف وبريجنيف، بل إلى أدوار الدولة الكبرى في مناطق محددة من العالم: مثلاً سوريا ما بعد 30 أيلول 2015، كما فرنسا في ليبيا 2011، ولكن تحت أشراف أميركي.

كخلاصة استنتاجية: نبتعد في هذه الرؤية للوضع الدولي عن الاتجاه الرغبوي ونتمسك بالتحليل الماركسي للواقع الملموس من أجل بناء رؤية سياسية وبرنامج سياسي.

نحن نرى أن الإمبريالية الأمريكية بهيمنتها على العالم تطرح ضرورة وجود برنامج وطني في كل بلد لمقاومة الهيمنة الامبريالية ومكافحة التبعية المحلية والبحث عن الاستقلال وفك التبعية ليس فقط في الاقتصاد بل في السياسة والثقافة، وهذه مهمة اليساريين الماركسيين في كل بلد مع البحث عن تحالفات محلية وإقليمية وعالمية من أجل المساعدة على تحقيق ذلك.


الوضع الإقليمي والعربي

ما إن انتهت الحرب العالمية الأولى حتى كانت تقريباً كل الدول العربية والإقليمية تخضع لانتداب ووصاية وهيمنة الدول الرأسمالية الإمبريالية مثل بريطانيا وفرنسا ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية بدأت الدول العربية والإقليمية تحصل على ما سمي باستقلالها السياسي والخروج من تحت الهيمنة البريطانية والفرنسية حيث كانت سطوة لندن وباريس قد بدأت بالأفول مع منتصف خمسينيات القرن العشرين وليبدأ عندها التدخل الأميركي في المنطقة لملء فراغ القوى الاستعمارية التقليدية في المنطقة مع مبدأ أيزنهاور الذي طرح بعد أشهر قليلة من حرب السويس عام 1956 ولمواجهة السوفييت في المنطقة التي كانوا دخلوها من خلال دعم موسكو للرئيس جمال عبد الناصر من خلال صفقات السلاح التي بدأت عام 1955 ثم باتفاقية بناء السد العالي ومن خلال صفقات السلاح والدعم السياسي للسلطة السورية وخاصة في فترة ما بعد 23 شباط 1966.

كان الدخول الأميركي للمنطقة قد بدأت خطواته قبل طرح “مبدأ أيزنهاور” عام 1957 لما شكل اللقاء بين الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت مع الملك عبد العزيز آل سعود عام 1945 بداية علاقات جعلت الرياض وكيلاً أساسياً للقوة الأميركية في المنطقة ثم كان الانقلاب الأميركي على رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق عام 1953 وإرجاع شاه إيران بداية عملية الخلافة الأميركية للبريطانيين في منطقة الشرق الأوسط.

استخدمت مناخات الحرب الباردة من قبل الأمريكان لتحجيم النفوذ السوفياتي في المنطقة ومن أجل فرض النفوذ الأميركي على الشرق الأوسط وهو ما نجحت فيه واشنطن عبر إبعاد القاهرة عن موسكو منذ عام 1974 ثم في عقد اتفاقية كامب ديفيد عام 1978 المصرية مع إسرائيل لإخراج مصر من الصراع العربي الإسرائيلي من أجل الاستفراد الأميركي- الإسرائيلي بباقي العرب بعد تحييد (الرأس المصري) ثم بتحطيم العراق في حرب 1991 تمهيداً لاحتلاله عام 2003 من “أجل إعادة صياغة المنطقة” وفق تعبير وزير الخارجية الأميركي كولن باول قبل أسابيع من بدء الغزو الأميركي للعراق.

قاد فراغ القوة عند العرب إلى صعود قوة دول الجوار الإقليمي في إيران وتركيا وأثيوبيا، وبدأ ذلك مع ضعف الدور المصري في عهد السادات بالقياس الى الدور المصري الإقليمي في عهد عبد الناصر، وقد انتهى الدور الإقليمي وقوة العراق مع حرب 1991 وأيضا انتهى الدور الإقليمي السوري مع نشوب الأزمة السورية عام 2011.

السعودية التي برز دورها الإقليمي أيضاً مع الفورة النفطية بعد حرب 1973 وبدأ دورها الإقليمي بالتلاشي في مرحلة ما بعد 2015 وقد برز ذلك بوضوح في ملفات العراق وسوريا ولبنان بالتوازي مع غوصها في أوحال اليمن ولو أن هناك عودة عند الأميركان نحو إعادة تعويم الدور السعودي ضد إيران بدءاً من قمة الرياض في أيار 2017 التي ترافقت مع توترات غير مسبوقة في العلاقات الأميركية – التركية.

لم يقتصر ذلك على صعود أدوار دول الجوار العربي في الإقليم بل يمتد ذلك الى لعبها بالدواخل العربية المحلية، كما أن دولة مثل إيران قد أصبح لها تأثير كبير في الصراع العربي الإسرائيلي عبر نفوذها على حزب الله وحركتي حماس والجهاد. وكان لعب دول الجوار الإقليمي بالدواخل العربية، من خلال الطوائف الشيعية في العراق ولبنان والبحرين والحوثيين في اليمن ولعب تركيا على الأحزاب الإسلامية والحركات المسلحة في سوريا وأيضاً تأثير إثيوبيا على الجبهة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون غارانغ ثم سيلفا كير، مؤشرا على امتدادات لتلك الدول للعب في الحركات المحلية بالدول العربية  ليس فقط لممارسة النفوذ وإنما حتى لإيصال قوى موالية لتلك الدول الى سدة السلطة المحلية مثل حزب الدعوة في العراق أو إنشاء ميليشيات عسكرية تلعب دورا كبيرا في لعبة السلطة المحلية مثل الحشد الشعبي في العراق أو الحوثيين في اليمن أو لتغيير الخرائط مثلما قادت حركة جون غارانغ في جنوب السودان الى انفصال الجنوب عام 2011. يشير ذلك أيضاً الى مدى تفكك واضطراب بنية الدول العربية التي تمت وراثتها من الاستعمار التقليدي في الخمسينات والستينات للقرن العشرين.

يعطي مثال العراق عام 2003 وما بعد صورة تظهيرية عن ذلك: حيث لم يختلف العراقيون فقط ضمن اصطفافي المعارضة والموالاة على الحاكم المحلي الذي اسمه صدام حسين وإنما اختلفوا أيضا بين مؤيد للغزو الأمريكي ومعارض له وهذا ما شمل لاحقا الموقف عند العراقيين من سلطة الاحتلال بقيادة الحاكم الأمريكي بول بريمر.

في سوريا أيضا يشترك الجميع في الموالاة والمعارضة (ما عدا قلة قليلة نحن منها) في الاتجاه نحو نزعة الاستعانة بالخارج: الموالاة نحو الاستعانة بالمحور الروسي – الإيراني وأغلب المعارضون نحو الاستعانة بالمحور الأمريكي – التركي – الخليجي بحيث كانت “كل (أو معظم) البقرات سوداء في الليل” كما يقول الفيلسوف الألماني هيغل. بتأثير كل ذلك دخل العراق تحت الوصاية الخارجية ثم لحقته سورية ويبدو أن الوضع في اليمن ليس بعيدا عن ذلك.

من هذا المنطلق يلاحظ أن المشاريع التي تقدم للمنطقة كلها على طراز نظام المحاصصة الذي هو موجود بلبنان منذ ميثاق 1943 وميثاق الطائف عام 1989 حيث من الواضح أن هذا النظام يتيح للخارج مجالا أكبر للسيطرة على الداخل العربي أو للتلاعب في هذا الداخل وذلك من قبل دول في واشنطن ولندن وباريس وموسكو تقوم على ديمقراطية المواطن وليس ديمقراطية المكونات كما يراد فرضها من قبلها على المنطقة العربية.

يؤكد ذلك على أن العرب ومنهم سورية لم يتجاوزوا مهمات المرحلة الوطنية من حيث أن التناقض الرئيسي أمام القوى السياسية في العراق وسورية ولبنان واليمن هو نضال من أجل رفع وصاية الخارج عن الداخل والاستقلال بعيدا عن حكم السفارات في تلك الدول وإن المهمات الأخرى، مثل الديمقراطية والاقتصادية الاجتماعية والتحديثية، يجب أن تكون بالترادف مع المهمة الوطنية تلك وليس بالتعاكس معها، كما أن مهمات التحالف السياسي بين القوى السياسية العربية المحلية يجب أن تكون مبنية أولا على الموقف تجاه الأوصياء الخارجيين على الدواخل العربية.


الوضع السوري

كان انفجار الأزمة السورية بدأً من درعا 18اْذار 2011 تعبيراً عن انفجار البنية السياسية-الاقتصادية-الاجتماعية-الثقافية لسوريا ما بعد 8 آذار 1963: ساهمت “رياح الربيع العربي” في إشعال عود الثقاب الذي حصل في حوران في يوم الجمعة ذاك وقد كان هناك حطب سوري جاف كثير جاهزاً للاشتعال. لم يكن هناك من مؤامرة خارجية بل بنية داخلية انفجرت ذاتياً وعملياً كان مستغلو الأزمة السورية كلهم من المتقاربين مع النظام السوري في فترة 2004-2010: تركيا 2004، قطر 2006، فرنسا 2007، السعودية 2009، الولايات المتحدة 2009.

من الضروري هنا البحث عن البذور الأولى لهذه الأزمة هل كانت في 17 نيسان 1946 أم في 22 شباط 1958 [الوحدة السورية المصرية] أم في 8 آذار 1963 عندما بدأت سيطرة حزب البعث على السلطة في سوريا أم في 16 تشرين الثاني 1970؟

نحن نقول بمصطلح الأزمة السورية من خلال واقع سوري حصل منذ يوم 18 آذار 2011 أنتج استعصاء توازني لم تستطع فيه السلطة التغلب على المعارضة، ولا المعارضة التغلب على السلطة، ولم يستطيعا إنتاج تسوية ثنائية بينهما، وهذا ما ولد أزمة سورية عامة هي الأكبر منذ يوم الجلاء الفرنسي عام 1946، وقد استغل الخارج الإقليمي هذه الأزمة السورية، ثم الخارج الدولي منذ عام 2012 ، لكي تتحول الأزمة السورية الى أزمة دولية-إقليمية-محلية.

نحن لا نقول إنه كانت هناك ثورة بل كان هناك حراكاً اجتماعياً معارضاً واسعاً، ولكنه لم يمثل أغلبية مجتمعية، وإذا أردنا الدقة فقد كان هناك ثلاث أثلاث متساوية في الموالاة والمعارضة والتردد وهذا وضع مستمر حتى بعد أكثر من  ست سنوات من الأزمة السورية، وبالتأكيد هذا التوازن الذي أنتج ذلك الاستعصاء هو الذي منع أن يحصل في دمشق عام 2011 ما حصل في القاهرة مع حسني مبارك في يوم 11 فبراير من ذلك العام، ثم منع التوازن الإقليمي والدولي ذلك فيما بعد.

من هذا المنطلق ما كان ممكناً سقوط النظام السوري لا عبر آليات داخلية ولا إقليمية ولا دولية.

ومن هذا المنطلق يأتي منطق التسوية الذي ننادي به والذي يجب أن يكون بحكم طبيعة الأزمة السورية المركبة في طوابق ثلاث: دولية وإقليمية ومحلية، لكي تكون التسوية ذات طابع دولي – إقليمي – محلي، وإلا لن يكتب لها الاستمرار، والمؤشرات كلها تدل على أن بيان جنيف 1 لعام 2012 والقرار الدولي 2254 لعام 2015 سيكونان عماد هذه التسوية.

من الواضح عبر مسار الأزمة السورية ومآلاتها أنه قد أصبح هناك هيمنة للخارج الدولي والإقليمي على الداخل السوري وتحكماً بمسارات الأزمة ومفاتيح الحل، وأن هناك هيمنة للخارج على الداخل السوري، وأن هذا سيحدد الكثير من مسارات الأزمة السورية مستقبلاً ومسار التسوية السورية والوضع السوري ما بعد التسوية. هذا يعني أن التوازنات المحلية ليست هي المقررة في التسوية السورية وهناك مؤشرات من أكثر من  ستة سنوات من الأزمة على أن العامل الدولي، أي واشنطن وموسكو، هو الأقوى في تقرير مسارات الأزمة السورية من العامل الإقليمي الذي كانت أنقرة والرياض وطهران وإلى حد” ما” الدوحة هي عناصر الفعل فيه.

يبدو في هذا الصدد أن عناصر التوافق الأمريكي الروسي ليست متوافرة في جنيف4 وأيضا لم تكن متوفرة في جنيف3 وأيضا في جنيف2.

في جنيف3 كان الإقليمي قادراً على العرقلة ولكنه لا يملك من دون الدولي القدرة على تنجيح المفاوضات ولكنه يستطيع عرقلتها.

من المحتمل في ظل هذه اللوحة أن يكون جنيف4 مثل جنيف3 من حيث مآلات الفشل، وخاصة من خلال تداخل الموضوع الأوكراني مع الموضوع السوري في الصفقة الأمريكية الروسية التي يبدو أن عناصرها لم تكتمل بعد. على الأرجح أن الأزمة السورية ستطول ولن يكون هناك حل قريب في المدى المنظور.

أظهرت الأزمة السورية ظواهر عديدة :بنية سورية متماسكة اجتماعياً أكثر من دول جوار مرت بانفجارات عديدة سابقة: لبنان 1975-1990، عراق 2003-2016، تركيا 1984-2016، حيث وقعت هذه الدول في تفتت اجتماعي طائفي (لبنان) وطائفي – اثني (العراق بين السنة والشيعة وبين العرب والأكراد) واثني (تركية بين الترك والأكراد منذ تمرد حزب العمال الكردستاني المسلح بيوم 15 آب 1984)، فيما سوريا لم تظهر انقساماً اجتماعياً على أكثر من تخوم :موالاة –معارضة –تردد، وكانت هذه التخوم الثلاثة عابرة للطوائف والأديان وإن كان غالبية كاسحة من الطوائف الإسلامية غير السنية مع السلطة وكذلك عند المسيحيين، فيما يلاحظ أن هناك انقساماً واضحاً منذ بداية الأزمة وعلى أسس اقتصادية-اجتماعية-ثقافية-سياسية، بين السنة العرب السوريين يجعلهم يصطفون في مواقع مختلفة في (الموالاة) و (المعارضة) و (التردد).

كان الأكراد السوريون في موقع وسطي بين الموالاة والمعارضة بكل أحزابهم وفي الجسم الاجتماعي، وكانوا أقرب إلى استغلال ضعف السلطة في الشمال الشرقي وفي الشمال من أجل تنفيذ مشاريع خاصة جغرافية – سياسية أخذت شكل (الإدارة الذاتية) عام 2014 و (الفيدرالية) عام 2016. كان انقسام السنة العرب السوريين على أسس اقتصادية-اجتماعية-ثقافية-سياسية وانقسامهم في التخوم الثلاثة وبينها: موالاة – معارضة – تردد، وعدم تصرفهم كطائفة وهو ما تكرر أيضاً في أحداث 1979-1982، هو الذي منع انجرار سوريا إلى الحرب الأهلية وإلى اقتصار الصراع السوري في حدود سلطة – معارضة، وإلى عدم انتصار المعارضة، وإلى عدم سقوط السلطة، حيث بالتأكيد كان (تجار دمشق وحلب) أقوى وأهم للسلطة كسند ومعين من (الفرقة الرابعة) في أزمة وصراع 2011-2017.

هناك ظاهرة بانت في 2011-2017 وهي ضعف المعارضة السورية ليس فقط في التنظيم وإنما في عدم قدرتها على القبض على الوقائع السياسية وتحويلها إلى رؤية وبرنامج سياسيين، لتظهر المعارضة بحالة أقرب إلى حالة (الفوات السياسي) تجاه الوقائع وهو ما يلمس كثيراً في مسار (المجلس الوطني) و (الائتلاف الوطني)، وهما خلال خمس سنوات لم تصب كراتهما أبداً ليس فقط شباك المرمى بل حتى لم تلامس أخشاب المرمى الثلاث، إذا لم نقل بأنها كانت تصيب المدرجات أو تتجه إلى خارج نطاق الملعب.

كانت (هيئة التنسيق الوطنية) استثناءً ضمن ذلك. كانت المعارضة السورية مثالاً على عدم قدرة معارضة منظمة في أحزاب، ولو خارجة بحالة جرح عميق بسبب القمع والسجون، على القبض على قيادة حراك عفوي جماهيري قوي وتقديم برنامج له، وهو ما يخالف حالة مماثلة رأيناها في ثورة شباط 1917 الروسية التي قادت إلى إسقاط حكم القيصر. أظهر الأفراد السوريين خلال الأزمة مدى استقطاباتهم في مواقع موالاة – معارضة – تردد وعدم وجود جسور بين هذه المواقع الثلاث وكان الحوار بينهم أقرب إلى حوار الطرشان ولكل واحد منهم له “أبطاله” و “شياطينه” وقناته التلفزيونية أو قنواته التي لا يشاهد غيرها ويمارس عبرها نزعة تصديقية امتثالية لكل ما يقدم له.

لم يكن عند السوريين في أزمة 2011-2017 مرونة الشامي وقدرته على تدوير الزوايا والتقريب بين الآراء المتضادة، وهي أمور كانت معتادة عند السوريين بشكل عام اجتماعياً بالقياس للعراقيين وتعود للتجارة في جذورها، وكانت تلمس أيضاً في الحياة السياسية السورية بفترة 1946-1958 فيما كشفت أزمة 2011-2017 غيابها عند السوريين ضمن المجتمع وعند السياسيين. أظهرت سوريا ما بعد 18 آذار 2011 مدى قوة (نزعة الاستعانة بالخارج من أجل حسم صراع داخلي) ليس فقط عند الكثير من المعارضين وقاعدتهم الاجتماعية منذ خريف 2011، وهو ما يعود إلى الفشل في تكرار ما حصل ضد حسني مبارك عندما تم إسقاطه بقوة الشارع المصري الداخلية وحياد الجيش، وإنما وجدت أيضاً هذه النزعة عند الموالين الذين لم يتملكهم الوسواس من الاستعانة بإيران وحزب الله والمليشيات الشيعية العراقية – الأفغانية ثم القوات الروسية من أجل مجابهة المعارضة السورية المسلحة. يظهر ذلك مدى تهزهز الرابطة الوطنية الداخلية السورية حتى يتم الاستعانة بالخارج عند طرفي صراع داخلي من أجل حسم هذا الصراع لصالح أحدهما، كما يظهر ضعف منطق التسوية عندهما، وهو ما ظهر فعلاً خلال السنوات السابقة عندما أتت قوة دفع التسوية السورية من قبل الخارج الدولي منذ بيان جنيف في 30 حزيران 2012، وإن كان هنا من الضروري تسجيل أن أول من طرح التسوية كان مؤتمر حلبون الذي عقدته (هيئة التنسيق الوطنية) يوم 17 أيلول 2011 في حالة عانت بسببها الهيئة الكثير من الهجمات السياسية والاستنكارات والاتهامات من معارضين كثيرين كانوا يريدون إسقاط النظام بوسيلتي (العنف المعارض) و (الاستعانة بالخارج)، وكانا مثل التوأم المولودان بوقت واحد في خريف 2011.

أظهر الكثير من السوريين، في الموالاة والمعارضة، ميولاً قوية نحو العنف  والمجازر من خلال يدهم ولسانهم وقلبهم، ولتبرير ذلك من خلال أدلجة سياسية عقائدية ولم يكن هذا مقتصراً على الإسلاميين بل شمل علمانيين في المعارضة وفي الموالاة، وقد كان هذا النزوع الجديد عند السوريين مفاجئاً حيث كانت الصورة النمطية عن السوري مختلفة عن صورتي العراقي والجزائري. أظهرت سوريا 2011-2017 أنها أرضاً رخوة ،مثل اليمن والصومال والجزائر، يمكن لتنظيمات مثل (النصرة-الفرع الشامي لتنظيم القاعدة) و (داعش) من خلالها أن تلاقي بيئة خصبة للنمو والتمدد والانتشار، ولم يكن هذا بسبب (النص الديني)، حيث كانت (الموحسن) في محافظة دير الزور و(سلقين) في محافظة إدلب تسميان في السبعينيات بـ(موسكو الصغرى) بسبب انتشار الشيوعيين القوي فيهما، فيما لاقت (النصرة) و (داعش) انتشاراً قوياً فيهما، وهو ما يجب استخدام التحليل الماركسي حيث تعزى وتربط الاتجاهات الأيديولوجية السياسية وتحولاتها وتبدلاتها بعوامل اقتصادية – اجتماعية وليس ب(الثقافة)، وهو ما يمكن تطبيقه على حزب البعث حيث كان أغلب نوابه في عام 1954 قد أتوا للمجلس النيابي من خلال أصوات محافظتي حماة وحلب التي كانت تضم الأخيرة بضمنها محافظة إدلب بالخمسينيات، فيما كانت هذه المحافظات الثلاث في أحداث 1979-1982 القاعدة الاجتماعية الأساسية لـ(الإخوان المسلمون) في معارضتهم المسلحة ضد سلطة حزب البعث.


الحزب الشيوعي السوري (1924 – 2017)

عبرت ولادة الحزب الشيوعي السوري يوم 28 تشرين الأول 1924 عن اتجاه كامن في البنية الاجتماعية السورية – اللبنانية (انفصل الحزبان عام 1964) وإن كانت عملية التحريض على الولادة قد ساهم فيها نشوب ثورة أكتوبر الروسية عام 1917، وهو ما ينطبق على الحركة الشيوعية العربية وخاصة أحزابها القوية في العراق وسوريا والسودان. من دون هذا ما كان للحركة الشيوعية السورية أن تستمر قوية رغم انشقاقات ما بعد 3 نيسان 1972 التي أفرزت أربعة أحزاب شيوعية من رحم حزب 1924.

عانى الحزب الشيوعي السوري خلال مساره من أربعة أمراض:

1- التبعية للسوفيات.

2- عدم إدراك أهمية القضية القومية العربية.

3- عدم التفاعل كاتجاه ماركسي مع البيئة المحلية بخصائصها الاقتصادية-الاجتماعية-الثقافية، كما فعل لينين وغرامشي وماوتسي تونغ وهوشي مينه.

4- عدم إدراك أهمية المسألة الزراعية.

كانت التبعية للسوفيات هي السبب في الأمراض الثلاثة الأخرى بينما صعد حزب البعث ونمى اجتماعياً بسبب تلمسه لهذه القضايا الثلاث: القومية العربية-الخصائص المحلية-المسألة الزراعية. كان الملاحظ في التاريخ العربي الحديث بأن الحركات السياسية التي تفاعلت مع هذه القضايا الثلاث (البعث وعبد الناصر) أو إحداها (الإسلاميون) هي التي كانت الأقوى في التربة العربية بينما الاتجاهات السياسية التي لم تفعل ذلك مثل الليبرالية والماركسية والقومية العربية بطبعتها العلمانية عند ساطع الحصري وقسطنطين زريق، كانت أضعف تأثيراً وفعالية في المجتمعات العربية.

عاش الحزب الشيوعي السوري فترات نمو: 1945-1947، 1957-1958، 1968-1972، حيث كانت الفترتين الأوليتين بفعل العامل السوفياتي: الانتصار على النازية وتحول موسكو إلى أحد قطبي العالم ثم مساعدة السوفيات للعرب في حرب السويس عام 1956، بينما كان النمو بالفترة الثالثة بفعل عامل محلي عندما قادت هزيمة حرب 1967 إلى نمو للتيار الماركسي وللابتعاد عن القومية العروبية بطبعتيها البعثية والناصرية وليتوقف التيار الماركسي عن النمو بالنصف الثاني من السبعينيات مُفسحاً الطريق لنمو التيار الإسلامي بطبعتيه: الأصولية الإخوانية (حتى 1982) والسلفية الدعوية بالثمانينيات ثم السلفية الجهادية التي نمت بقوة في فترة ما بعد احتلال العراق عام 2003 وحظيت بتشجيع السلطة حتى عام 2007 ثم دخلت بمواجهة مسلحة معها في فترة الأزمة السورية ما بعد يوم 18 آذار 2011.

كان الحزب الشيوعي يصاب بتراجعات تنظيمية نتيجة مواقف سياسية كانت تأتي بحكم التبعية لموسكو: تأييده لقرار تقسيم فلسطين عام 1947 الصادر عن الأمم المتحدة بموافقة أميركية- سوفياتية. وقوفه ضد الوحدة السورية – المصرية عام 1958 وماقاد إليه ذلك من صدام مع عبد الناصر، وخاصة بعد بدء خلاف الشيوعيين والعروبيين في العراق عقب ثورة 14 تموز 1958وابعاد الشيوعيين المتحالفين مع عبد الكريم قاسم وبتأييد سوفياتي للعروبيين المدعومين من عبد الناصر عن السلطة، وخاصة بعد أن طرح خالد بكداش (البنود 13) كشروط لقبول الشيوعيين بالوحدة مستقوياً بقوة الشيوعيين النامية في بغداد، وما قاد إليه هذا الطرح من حملة اعتقالات الشيوعيين السوريين والمصريين منذ ليلة رأس سنة 1959. تأييده لحركة 16 تشرين الثاني 1970رغم الانقسام الذي ظهر بقوة في اجتماع اللجنة المركزية للحزب بيومي 17 و 18 تشرين الثاني قبل أن يتدخل السفير السوفياتي بدمشق من أجل حسم مسألة تأييد الحركة والاشتراك بالوزارة وهو ما تم بأغلبية صوت واحد: 8 من 15 من مجموع أعضاء اللجنة المركزية. تكرر هذا المشهد في الموقف من الدخول في (الجبهة الوطنية التقدمية) يوم7 آذار 1972 وهو ما كان سبباً مباشراً لانشقاق الحزب الشيوعي السوري بعد أربعة أسابيع يوم 3 نيسان 1972 عندما كان موضوع (الموقف من السلطة) أحد العوامل الكبرى في انشقاق الحزب.

كان هناك أيضاً عوامل نمو ساهمت في قوة الشيوعيين السوريين: قضايا عمالية-اتجاه كبير عند المثقفين والمتعلمين نحو الماركسية-اتجاهات كبيرة عند أقليات قومية وخاصة الأكراد، قبل نمو أحزابهم القومية منذ الثمانينيات على حساب الشيوعيين، نحو تبني الفكر الماركسي الشيوعي. قبل 8 آذار 1963 وبالذات قبل 22 شباط 1958 كان الشيوعيون هم الأبرز قوة وتأثيراً في الحركة النقابية العمالية السورية. كان هناك الكثير من الكتاب والأدباء والفنانون ومخرجي السينما والمسرح من الشيوعيين، وعندما افتتح (المعهد العالي للفنون المسرحية) عام 1978 بجامعة دمشق كانت الغالبية العظمى من المدرسين شيوعيين.

بسبب هذا المسار انفجرت أزمة الحزب الشيوعي السوري عام1969في المؤتمر الثالث للحزب: كان هناك ثلاثة عناوين للأزمة: مراجعة الموقف من (العروبة) و (قضية فلسطين) + إنهاء هيمنة الأمين العام للحزب خالد بكداش المرتبط بموسكو على الحزب + ضرورة وجود برنامج سياسي للحزب وهو ما كان مفتقداً منذ المؤتمر الثاني عام 1944. نجح المؤتمر الثالث في تسكين الأزمة عبر قبول بكداش بمأسسة الحزب ومؤسساته القيادية المركزية والمنطقية من خلال الانتخاب ولكن عندما تمت كتابة (مشروع البرنامج السياسي) وتدخل السوفيات من خلال (الملاحظات السوفياتية على مشروع البرنامج السياسي) في أيار 1971 فإن أزمة الحزب قد انتقلت إلى (الخلاف) ثم إلى (انشقاق 3 نيسان 1972). كانت قضايا الخلاف عديدة وجوهرية: الموقف من السلطة والمرحلة-العروبة- فلسطين- ضرورة استقلال الحزب عن التبعية فكريا وسياسياً وتنظيمياً للسوفيات. كان بيان 3 نيسان 1972، وهو بتوقيع سبعة من أعضاء المركزية الخمسة عشر واثنين من سبعة في المكتب السياسي هما خالد بكداش ويوسف فيصل، قد جاء بتأييد من موسكو والسلطة السورية. أخذ (جناح المكتب السياسي) أكثر قليلاً من 60% من جسم المنظمات الحزبية. في المؤتمر الرابع بكانون أول1973تمت بلورة (الحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي) من الناحية التنظيمية وفي المؤتمر الخامس (كانون أول 1978) جرى تبني (موضوعات) جرى فيها لأول مرة منذ 8 آذار 1963 من حزب يساري سوري تبني (الديموقراطية) بعيداً عن مفاهيم (الديمقراطية الشعبية) و (الديمقراطية الثورية) مع بلورة (برنامج تغيير وطني ديمقراطي) كان هو عملياً برنامج (التجمع الوطني الديمقراطي) /كانون أول 1979/ و (هيئة التنسيق الوطنية)  /حزيران2011/.

في أحداث ما بعد 16 حزيران 1979 مع مجزرة مدرسة المدفعية بحلب التي ارتكبها (تنظيم الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين)، وما تبعها من صدامات مسلحة أخذ الحزب الشيوعي (المكتب السياسي) موقفاً سكوتياً عن ممارسات (الإخوان المسلمون) العُنفية، مركزاً على “التناقض الرئيسي” الذي اعتبره مع (السلطة)، طارحاً برنامج التغيير الوطني الديمقراطي: (إنهاء حالة الطوارئ والأحكام العرفية – إنهاء احتكار حزب البعث للسلطة – السماح بحرية تشكيل الأحزاب والجمعيات – انتخابات ديمقراطية لإعادة تشكيل السلطة…إلخ) الذي هو متناقض مع السلطة ومتفارق مع ما يطرحه (الإخوان المسلمون)، هذا البرنامج الذي أصبح مع ولادة (التجمع) ثم بيانه المنشور والموزع بكثافة يوم 18 آذار 1980 برنامجاً لخمسة أحزاب متجمعة في هذا التجمع: الحزب الشيوعي (المكتب السياسي) – حزب الاتحاد الاشتراكي – تنظيم 23 شباط – حركة الاشتراكيين العرب (أكرم الحوراني) – حزب العمال الثوري العربي. نجح (التجمع) في طرح (خط ثالث) متفارق عن خطي (السلطة) و (الإخوان المسلمون). ولكن كان المأزق منذ نيسان 1980 في بدء ميلان ميزان القوى لصالح السلطة وهو ما قاد إلى طروحات في (التجمع)، من قبل الدكتور جمال الأتاسي أمين عام حزب الاتحاد الاشتراكي وفي الحزب من قبل عضو المكتب السياسي الدكتور أحمد فايز الفواز، تقول بأن ميل ميزان القوى الأمني-العسكري لصالح السلطة يتطلب تنزيل وتيرة الخط المتشدد المعارض والتخلي عن التكتيك السكوتي عن ممارسات (الإخوان المسلمون) لتفادي ضربات السلطة. كان الأمين الأول للحزب رياض الترك معارضاً لتلك الطروحات التي بدأت بالظهور منذ حزيران 1980 ثم برزت بقوة في اجتماع اللجنة المركزية للحزب في أيلول 1980 الذي قرر عقد مؤتمر تداولي للحزب في كانون أول 1980 لحسم الخلاف وقد جرى عقب اجتماع المركزية استفتاء لكل أعضاء اللجان المنطقية وقيادة منظمات الجامعة وقيادة منظمة الخارج لوضع آرائهم المكتوبة حول الخلاف وهو ما استغرق النصف الثاني من أيلول 1980.

تفادى (حزب الاتحاد الاشتراكي) الضربة الأمنية، وهو الذي عملياً جمد نشاطه في (التجمع) منذ صيف 1980، فيما بدأت السلطة حملات اعتقالات شاملة للقيادة والكوادر والأعضاء (للحزب الشيوعي – المكتب السياسي) بدءاً من يوم 7 تشرين أول 1980 وهو ما استمر حتى آذار 1990التي كانت حملة الاعتقالات الثامنة على الحزب طوال عشر سنوات إذا حسبنا حملة الاعتقالات الجزئية الأولى في آذار 1980 لمنظمة الحزب في جامعة دمشق ولمنطقية دمشق للحزب عقب توزيع بيان (التجمع). نجحت قيادة الحزب في أن ترمم نفسها رغم اعتقال أغلب أعضاء المركزية ومنهم أربعة من خمسة من أعضاء المكتب السياسي وبينهم الأمين الأول للحزب وقد ظلت قيادة الحزب تقود الحزب من دمشق طوال فترة العمل السري التي استمرت حتى عام 2001، وهو ما لم يحصل عند كل الأحزاب السورية التي انتقلت للخارج بعد الضربات الأمنية وانتهت تنظيمياً كهيكل في الداخل مثل حزب العمل الشيوعي بعد اعتقالات عام 1992 حتى أعيد إحيائه عام 2001.

يظل هناك أسئلة بعد ستة وثلاثين عاماً يجب درسها ومراجعتها والإجابة عليها: هل كانت سياسة الحزب في أحداث 1979-1982 صائبة وذات حصيلة ايجابية؟ هل كان من الممكن بشيء من التكتيك السياسي التراجعي، الذي لا يضر بجوهر الخط السياسي، تفادي حملة اعتقالات تشرين أول 1980 وماتلاها؟…..هل أخطأت قيادة الحزب الشيوعي (المكتب السياسي) عندما لم تقتدي بجمال الأتاسي منذ شهر نيسان 1980، لما قرأ ميلان الكفة لصالح السلطة السورية وهو ما دفعه إلى سياسات في اتجاه غير تصعيدي ضد السلطة من أجل تجنيب (الاتحاد الاشتراكي) الضربات التي نالها (المكتب السياسي)؟

حافظت قيادة الحزب، التي رممت مرتين في كانون أول 1980 وفي أيلول 1987 بشكل جذري بسبب الاعتقالات، على التنظيم مستمراً كهيكل وكجسم طوال عشرين عاماً رغم ظروف العمل السري القاسية ورغم الحملات الأمنية المستمرة، إلا أنها لم تستطع تطوير حضوره السياسي وقد شاب فترة التسعينيات، حتى خروج الأمين الأول للحزب من السجن عام 1998، نوع من التبعية الفكرية-السياسية عند قيادة الحزب الشيوعي(المكتب السياسي) للدكتور جمال الأتاسي الذي انقادت وراءه في نيسان 1998 نحو مشروع تحويل (التجمع) من (تحالف) إلى (حركة سياسية – تنظيمية واحدة بألوان أيديولوجية متعددة)، وهو ما أفشلته معارضة أغلبية كوادر وأعضاء الحزب، تلك المعارضة التي تعززت بخروج الأمين الأول  للحزب من السجن يوم 30 أيار 1998 وهو ما جعل ذلك المشروع يتجه للتلاشي. في فترة العهد الجديد إثر وفاة الرئيس حافظ الأسد بيوم 10 حزيران 2000 سادت قيادة الحزب ماعدا الأمين الأول للحزب وبعض القياديين اتجاهات نحو “المراهنة على الاتجاه الإصلاحي في القصر عند الرئيس الجديد بمواجهة الحرس القديم “وهو ما تشارك في هذا الرأي حزب الاتحاد الاشتراكي والمراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين على البيانوني و(لجان إحياء المجتمع المدني)، وقد ظهرت قوة هذا التيار في الحزب الشيوعي (المكتب السياسي) أثناء نقاشات المؤتمر التداولي للحزب المنعقد في آذار2001 ببلدة التل بريف دمشق. جعلت اعتقالات أيلول 2001 هذا التيار يرتطم بالحائط وقد شملت الأمين الأول للحزب حتى خروجه من السجن في تشرين ثاني 2002، ورغم هذه الاعتقالات ظل هذا التيار مستمراً في الحزب وفي المعارضة حتى غزو العراق عام 2003.

بتأثير سقوط بغداد بيد المحتل الأميركي يوم 9 نيسان 2003 نشأ اتجاه جديد عند الأمين الأول للحزب رياض الترك يرى الاقتداء بتجربة المعارضة العراقية نحو (الاستعانة بالخارج من أجل إحداث تغيير داخلي)، متشجعاً بنشوب الخلاف الأميركي-السوري منذ زيارة وزير الخارجية الأميركي كولن باول لدمشق بعد ثلاثة أسابيع من سقوط بغداد. تطور هذا عنده إلى طرح (نظرية الصفر الاستعماري: الأمريكان نقلوا العراق من تحت الصفر إلى الصفر) في مقابلة مع جريدة “النهار” يوم 28 أيلول 2003. عندما عاد من زيارته لأوروبا وكندا، وسراً الولايات المتحدة الأميركية، بدأ يطرح أن “هناك رياح غربية ستهب على دمشق وعلينا أن نلاقيها ببرنامج سياسي جديد وبثوب جديد “طارحاً منذ كانون أول 2003 التخلي عن الماركسية وتغيير اسم الحزب. بدأ الخلاف منذ بداية عام 2004 وحتى انعقاد المؤتمر التأسيسي لـ (حزب الشعب) 28 نيسان-30نيسان 2005 حول نقطتين:

1- ماركسية أم ليبرالية؟

2- استعانة بالخارج من أجل تغيير داخلي أم الحفاظ على الخط الوطني الديمقراطي الذي يربط بين حدي (الوطنية) و (الديموقراطية)؟

من قالوا ب(الاستعانة بالخارج) و (التخلي عن الماركسية) ذهبوا إلى مؤتمر (حزب الشعب)، ومن ظل متمسكاً بـ (الخط الوطني الديمقراطي ورفض الاستعانة بالخارج من أجل إحداث تغيير داخلي) و (التمسك بالماركسية) ذهب إلى دير الزور حيث انعقد يوم 20 أيار 2005 كونفرانس  أعلن فيه استمرار الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي) مع انتخاب قيادة له وكما تم الإعلان أن مؤتمر حزب الشعب هو مؤتمر تأسيسي لحزب جديد من قبل من غادروا الحزب الشيوعي (المكتب السياسي) وليس مؤتمراً سادساً للحزب وهو ما تم تكريسه في كونفرانس ثاني للحزب في دمشق انعقد يوم 25 تشرين أول 2007 انتخب قيادة للحزب ورسم ملامح لخط  فكري – سياسي: التمسك بالماركسية – خط وطني ديمقراطي يربط بين الحدين ويرفض الاستبداد المدرع بالوطنية واستجلاب الديموقراطية عبر دبابات الأجنبي- الاتجاه للتحالفات من أجل تعويم دور الحزب السياسي .

خلال اثنا عشرة سنة ونصف حافظ الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي) على نفسه ولو بصعوبة بالغة وسط أجواء من العداء والتشكيك من الكثيرين: كان للحزب مساهمة رئيسية في تشكيل (تجمع اليسار الماركسي-تيم) /20 نيسان 2007/ و (الخط الثالث: الوطني الديمقراطي) /كانون ثاني 2008 – تموز 2010)، كخط ثالث بين خطي السلطة و”إعلان دمشق”، ثم (هيئة التنسيق الوطنية) /25 حزيران 2011/.

من خلال (تيم) أريد الإعلان عن خط ماركسي معارض وسط حالات كثيرة من تخلي الماركسيين عن ماركسيتهم باتجاه (الليبرالية الجديدة) ووسط أحزاب شيوعية موالية للسلطة. عبر (الخط الثالث الوطني الديمقراطي)، الذي ضم (الاتحاد الاشتراكي) و(تيم) وقوى أخرى، أريد تثبيت وجود خط مفترق عن خط استبداد السلطة المتدرع بالوطنية وعن خط “إعلان دمشق” الذي يريد استجلاب الديمقراطية عبر (الاستعانة بالخارج). عبر (هيئة التنسيق) كان يراد الاستمرار بـ (خط وطني ديمقراطي) ضد (نزعة الاستعانة بالخارج) و (خط سلمي) ضّد (عنفي السلطة والمعارضة) ومع (خط التسوية للأزمة السورية).

كان للحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي) دور كبير في هذه المحطات الثلاث أثبت من خلاله أنه ما زال رقماً مهماً في الساحة السياسية السورية ويملك القدرة على لعب أدوار سياسية تتجاوز ضعفه التنظيمي وتتخطاه وانه لم يختف ويزول ويغرق كما توقع الكثيرون بعد ذهاب الكثيرين من أعضاء الحزب إلى (حزب الشعب) أو إلى (البيت).

الآن وبعد ما يقارب القرن من الزمان من عمر الحزب الشيوعي السوري هناك حاجة إلى مراجعة واستخلاص دروس التجربة ليس فقط السورية وإنما أيضاً العالمية بما فيها وأولها التجربة السوفياتية. يمكن لهذه المراجعة واستخلاص الدروس أن تتمثل في التالي:

  1. الماركسية ليست عقيدة جاهزة ومحكمة الإغلاق. بل هي في السياسة منهج تحليلي معرفي لبنية اقتصادية-اجتماعية-ثقافية في مكان وزمان معينين للوصول عبر هذا المنهج إلى رؤية سياسية وبرنامج سياسي خاص بحزب هو ماركسي في المنهج التحليلي وشيوعي في التنظيم.
  2. حسب التنظيم اللينيني هناك شروط ثلاث لعضوية الحزب: (يعتبر عضواً في الحزب كل من يعترف ببرنامجه ويؤيده مادياً ويشترك شخصياً في إحدى المنظمات الحزبية) وتعتبر الصلة الفردية موازية للعضوية في المنظمة الحزبية. هذا يعني بأن الماركسية في السياسة لا تشترط (العقيدة).
  3. حرية الماركسي المنخرط في السياسة في أن يعتقد ما يراه من معتقدات دينية أو غير دينية تجاه النظام الكوني-  الطبيعي وأن يمارس ما يراه من شعائر وطقوس – أو لا يمارس – وفقاً لما يعتقده، لتكون الماركسية بناء على ذلك محصورة في إطار اقتصادي- اجتماعي- ثقافي- سياسي وبحيث تكون الماركسية مفصولة عن عقيدة الماركسيين عبر عملية فصل بين تخومي(العقيدة) و(السياسة)داخل الحزب الشيوعي الماركسي.
  4. الحزب لا يتحدد، كهوية فكرية سياسية من خلال أهدافه بل من خلال منهجه: الحزب الشيوعي ماركسي المنهج وشيوعي (وفقاً لتصنيف الأممية الثالثة: الكومنترن 1919-1943) في النظرة التنظيمية. هناك حاجة لمراجعة تلك النظرة التنظيمية التي يتم من خلالها تحديد وظيفة الحزب: في كتاب “ما العمل؟” للينين عام 1902، الذي انبنت عليه النظرة الشيوعية للتنظيم، هناك رأي عند لينين بأن “وظيفة الحزب والطليعة تصدير الوعي للطبقات والفئات الاجتماعية التي لا تستطيع من دون الطليعة الحزبية الوصول لأبعد من الوعي العفوي فيما الوعي النظري والسياسي لا يأتي إلا من خلال الطليعة الحزبية”. يمكن التفكير هنا في رؤية غير طليعية للحزب باتجاه إعطائه دوراً وظيفياً: تقديم رؤية وبرنامج سياسيين للمجتمع بطبقاته وفئاته وبحيث أن أفراد تلك الطبقات والفئات هم من يختارون ويميلون وفق مصالحهم  لهذه (الرؤية والبرنامج)، أو ذاك، عبر الانتساب للحزب أو تأييده أو الاقتراع له عبر صندوق الانتخابات أو المشاركة في فعالياته. ليس هناك من(طليعة)بل (ساسة حزبيون) والكل متساوي في الوعي ولكن يمكن أن يكون هناك درجات في المعرفتين النظرية والسياسية.
  5. اسم الحزب يأتي من منهجه المعرفي التحليلي ومن نظرته التنظيمية: كارل ماركس في “البيان الشيوعي”عام 1848 قدم رؤية وبرنامجاً سياسيين من خلال منهج تحليلي هو ماركسي في الاتجاه الفكري المعرفي لمنظمة اسمها “عصبة الشيوعيين” ولكن هو ديمقراطي يرى مهمات الشيوعيين (بالبلدان التي لم تنجز فيها المرحلة الرأسمالية مثل ألمانية) في تحقيق مهمات ذات طابع رأسمالي تحديثي اقتصادياً وذات طابع برجوازي دستورياً وقانونياً ومؤسساتياً. احتج ماركس وفريدريك إنجلز على اسم (الاشتراكي الديمقراطي) الذي أطلق على الحزب المتبني للماركسية في ألمانيا عام 1875.عاد لينين إلى اسم (الشيوعي) عام 1917 مع الافتراق عن أحزاب الأممية الثانية ذات الاتجاه الاشتراكي الديمقراطي ثم تكرس هذا مع تأسيس (الأممية الثالثة: (الكومنترن). كل الماركسيين الشيوعيين الذين دعوا إلى تغيير اسم الحزب الشيوعي في فترة ما بعد سقوط وتفكك الاتحاد السوفياتي كانت هذه الدعوة مؤدية بهم وبأحزابهم إلى التخلي عن الماركسية. نحن متمسكون باسم (الحزب الشيوعي – المكتب السياسي) ولن نغير هذا الاسم إلا عبر الاندماج مع فصيل أو فصائل ماركسية شيوعية (آتية من رحم حزب 1924) أو فصائل ماركسية آتية من (اليسار الجديد) في السبعينيات مثل (حزب العمل الشيوعي في سوريا) وسيكون اندماجنا معهم، أو تجمعنا معهم في تجمع حاملين معنا تجربة حزب ما بعد 3 نيسان 1972، وهي أهم تجربة سياسية سورية بالنصف الثاني بالقرن العشرين من حيث توليد الأفكار السياسية الجديدة (تبيئة الماركسية في البيئة المحلية العربية السورية – دمج الماركسية مع العروبة والثقافة المحلية – الاستقلال عن المركز الشيوعي السوفياتي ورسم السياسة من خلال الموقع المستقل غير التابع- أول انفتاح في حزب يساري سوري بالسبعينيات على مفهوم الديموقراطية)، لنندمج أو نتجمع مع الآخرين ولنذوب في حزب ماركسي أو شيوعي جديد معهم .
  6. التجربة السوفياتية 1917 -1991 تثبت صحة تحليل ماركس وخطأ لينين بأنه لا يمكن الدخول في الاشتراكية وتحقيق مهمات اشتراكية من دون استنفاذ المرحلة الرأسمالية لذاتها. عملياً لم يستطع الشيوعيون في روسيا والصين أكثر من قيادة بلدانهم نحو المرحلة الرأسمالية المتطورة وتجاوز البنية الماقبل رأسمالية بشكل لا يتجاوز مهمات الثورتين الانكليزية والفرنسية في القرنين السابع عشر والثامن عشر. في فيتنام قاد الشيوعيون عملية التحرر الوطني ضد الفرنسيين وضد الاحتلال الياباني ثم ضد التدخل العسكري الأميركي وقادوا توحيد الوطن القومي عام1975وهم يقودون الآن عملية التحديث الرأسمالي.

آفاق ومهمات

سيقود التدويل للأزمة السورية إلى جعل سوريا، بعد التسوية التي ستكون مفروضة من الخارج ومتحددة بتوازنات دولية، تحت هيمنة سفارات معينة على الغالب ستكون بتسلسل القوة: الروسي-الأميركي-السعودي-الإيراني، ولكن سيكون هذا مترافقاً مع ديمقراطية حزبية وحريات سياسية تحت سقف الهيمنة الدولية على الوضع السوري. سينتهي نظام ما بعد 8 آذار 1963 وسيكون هناك مشهد سياسي سوري جديد سيكون متصدراً من تيارات سياسية أربعة وفق تسلسل القوة: الليبرالي-الإسلامي-الماركسي-القومي الكردي، فيما سيكون التيار القومي العروبي بطبعتيه البعثية والناصرية أقل قوة من التيارات الأربعة المذكورة.

ستكون التحالفات والتقاربات بين هذه التيارات وفقاً لاصطفافاتها مع تلك السفارة أو تلك، سواء كانت دولية أو إقليمية، أومن خلال تلاقيها على رفض الهيمنة الخارجية على المقدرات السورية ومن رفضها وتمايزها عن قوى سورية تابعة للخارج. إضافة إلى (البعد الوطني ورفض هيمنة الخارج) سيكون هناك (البعد الديموقراطي) محدداً ثانياً للمتلاقيات والمتباعدات بين التيارات والقوى السياسية السورية. سيكون هناك بعد ثالث هو (القضايا الاقتصادية والاجتماعية) في مجتمع أصبح 80%من سكانه تحت خط الفقر وأصبحت الفوارق الطبقية بين الأغنياء والفقراء واضحة وملموسة بالترافق مع تلاشي الفئات الوسطى. هناك بعد رابع في تحديد المتلاقيات والتفارقات فيما بين التيارات السياسية هو قضايا دستورية: علمانية الدولة للفصل بين الدين والدولة من دون حرمان الاتجاهات السياسية التي تشتق أيديولوجيتها من الدين من الحق في العمل السياسي تحت سقف دستور النظام العلماني- شكل النظام السياسي: رئاسي أم برلماني أم مختلط على الطراز الفرنسي؟..- النظام الانتخابي: البلد دائرة انتخابية واحدة وفق نظام النسبية على أساس القائمة الحزبية أو القائمة الائتلافية لأكثر من حزب أم المحافظة دائرة أم نظام الدائرة الفردية أم مختلط بين النسبية والدائرة الفردية؟….وقضايا تشريعية تتعلق بقانون الأحوال الشخصية وبالزواج المدني.

من المرجح أن يتلاقى الماركسيون مع الليبراليين والأكراد في (البعد الديمقراطي)، فيما سيتمايزون ويختلفوا مع الحركة السياسية الكردية في قضية (الفيدرالية) مفضلين عليها (اللامركزية الإدارية) والموقف من الوجود العسكري الأميركي في سورية المجلوب بواسطة حزب الاتحاد الديمقراطي، وأن يتلاقوا مع الليبراليين والأكراد في القضايا الدستورية والتشريعية، وأن يختلفوا مع الليبراليين في القضايا الاقتصادية والاجتماعية، فيما سيتلاقون مع (التيار القومي العروبي) في (البعد الوطني) وفي الهوية الثقافية الحضارية العربية لسوريا وفي موضوعي (الفيدرالية) و (الوجود الأميركي العسكري) من دون إغفال مساواة كافة السوريين في الحقوق والواجبات بغض النظر عن معتقدهم السياسي ودينهم وطائفتهم وقوميتهم وجنسهم.

في سوريا القادمة هناك تيارات ستعيش في المدى المنظور حالة صعود ومدّ: الليبراليون والماركسيون والقوميون الأكراد وهناك تيارات ستعيش حالة انحسار وجزر: الإسلاميون والقوميون العروبيون بطبعتيهم البعثية والناصرية. على الأرجح أن سوريا وهي تضمد جراحها ستعيش حالة اضطراب داخلي وعدم استقرار للفترة المباشرة في مرحلة ما بعد التسوية على طراز لبنان ما بعد اتفاق الطائف عام 1989 ولكن من دون الرجوع إلى العنف.

ما زال التيار الماركسي، بفرعيه الشيوعي (أي الآتون من حزب 1924 الشيوعي) واليساري الجديد: حزب العمل الشيوعي والحزب اليساري الكردي، قويا في سوريا رغم التشتت التنظيمي والخلاف السياسي الذي جعل الماركسيين في خندقي الموالاة والمعارضة طوال فترة 1972-2017. على الأرجح أن الماركسيون هم الذين سيستفيدون أكثر من غيرهم من بدء انحسار تيار الإسلام السياسي في عموم المنطقة العربية منذ سقوط حكم (الإخوان المسلمون) في مصر بيوم 3 يوليو 2013 وهناك علامات كثيرة على أن هناك موجة يسارية جديدة في الوطن العربي، ملامحها واضحة في سوريا ومصر وتونس وبالذات بين الشباب من الجنسين، كما أن الفوارق الطبقية وقضايا التحديث في الدساتير والقوانين التشريعية ستكون وقوداً قوياً محركاً لعربة الماركسيين.


هناك مهمات أمام الماركسيين السوريين:

  1. الاتجاه نحو توحيد أنفسهم في حزب واحد جديد خاصة وأن مرحلة ما بعد التسوية ستقود إلى تهزهز أو انفراط التحالفات والتجمعات السياسية للموالاة والمعارضة. إن لم يكن ذلك ممكناً في المدى المنظور لما بعد التسوية فمن الممكن أن يكون عبر هيكل تجمعي ماركسي للأحزاب والتنظيمات والأفراد كفترة انتقالية نحو حزب واحد.
  2. ستكون مهمات الماركسيين رباعية: وطنية- ديمقراطية- اقتصادية اجتماعية – تحديثية. وستكون تحالفاتهم وتلاقياتهم مع الآخرين وفقاً لهذا الرباعي ومتحددة بأولوية (الوطني) وتلون المهام المرحلية الثلاث الأخرى به، وهو ما سيحدد التحالفات.
  3. يجب أن تكون من مهمات الماركسيين إضافة إلى مكافحة هيمنة الخارج الدولي-الإقليمي على سوريا ما بعد التسوية هو التفكير باستعادة الجولان في ظل ضعف سوريا داخلياً بعد الأزمة وفي ظل تلاشي دور سوريا الإقليمي هي وباقي الأراضي السورية المحتلة.
  4. ليست المرحلة القادمة أمام الماركسيين ذات مهمات اشتراكية بل ضمن الرباعي المذكور وفي أفق رأسمالي مع التأكيد على الحفاظ على وظائف الدولة في التعليم والصحة والنقل والاتصالات الثابتة والخليوية وفي قطاعات الصناعة الإستراتيجية وفي النفط والغاز. مهمة الماركسيين في إطار القضايا الاقتصادية-الاجتماعية هي الدفاع عن مصالح الطبقات والفئات الفقيرة في وجه رأسمالية متوحشة ولدها النظام السوري في فترة (1974-2017)، وليس حرق المراحل باتجاه “الاشتراكية” متعلمين من دروس التجربة السوفياتية.
  5. الماركسيون سيكونون في مرحلة ما بعد التسوية لاصقاً وطنياً في الجسد السوري المتعب.
  6. رفض الحل التسووي للصراع العربي -الإسرائيلي في طريق استمرار الكفاح العربي والفلسطيني من أجل التخلص من الكيان الصهيوني باتجاه دولة ديموقراطية علمانية في أرض فلسطين التاريخية.
  7. سوريا جزء من الوطن العربي المجزئ بفعل الهيمنة الامبريالية على المنطقة العربية. الوحدة العربية لا تتحدد فقط باللغة والهوية الحضارية- الثقافية بل تتحدد كضرورة للخلاص من الهيمنة الامبريالية وكطريق للوصول إلى دولة عربية قوية .في بلد مثل سوريا سكانه العرب يشكلون 90%من قاطنيه لا يمكن القول عنه بأنه غير عربي أوانه متعدد الانتماء والهوية القوميتين وإن كان هناك حاجة ملحة أبرزتها مؤخراً الأزمة السورية إلى إعطاء القوميات الأخرى الحقوق الثقافية واللغوية وإزالة المظالم اللاحقة بها مع ضرورة تساوي المواطنين السوريين جميعاً في الحقوق والواجبات بمعزل عن قوميتهم ودينهم وطائفتهم وانتمائهم السياسي وجنسهم مع ضرورة (اللامركزية الإدارية الواسعة)ورفض (الفيدرالية). (العروبة) أيضاً هي لاصق ضروري للسوريين عابر للأديان والطوائف في مرحلة ما بعد الأزمة ولا يوجد غيرها الآن لتحقيق ذلك.
  8. الماركسيون علمانيون بالضرورة من حيث أن العلمانية هي (حيادية الدولة تجاه الأديان والطوائف والعقائد السياسية)، ويسعى الحزب الشيوعي السوري-المكتب السياسي إلى صياغة دستور سوري جديد على أساس ذلك ويجب أن يكون باب الحياة السياسية مفتوحاً أمام كل القوى السياسية القابلة بالدستور والتعدد الفكري-السياسي ونبذ العنف وبتداول السلطة.
  9. مفتاح التغيير في الوضع السوري الراهن هو التسوية السياسية على أساس بيان جنيف1 الصادر يوم 30 حزيران 2012 والقرار الدولي 2254 عام 2015 لتشكيل هيئة حكم انتقالية تتشارك فيها المعارضة والسلطة نحو الوصول إلى انتخابات لجمعية تأسيسية تصوغ دستوراً جديداً. يجب فتح المجال أمام كل التعبيرات الفكرية-السياسية لكي تنتظم في العملية الديمقراطية. لا يوجد طريق آخر لعملية التغيير الديمقراطي ولا طريق آخر لتجاوز الأزمة السورية.
  10. التلاقيات السياسية للحزب الشيوعي السوري-المكتب السياسي ستكون محددة حسب ما يراه من متطلبات في كل مرحلة من المراحل الثلاث التالية : مرحلة الأزمة السورية الراهنة- مرحلة الانتقال السياسي إلى وضع ما بعد الأزمة نحو نظام ديمقراطي يتجاوز وضعية نظام مابعد يوم 8 آذار 1963- مرحلة ما بعد الانتقال السياسي.

الحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي


يمكن قراءة برنامجنا السياسي بصيغة pdf عبر الرابط أدناه:

البرنامج السياسي تموز/يوليو ٢٠١٧