بعد أن وضع أوغست كونت (1798-1857) أسس الفلسفة الوضعية اتجه في أواخر حياته إلى وضع (الدين الوضعي) والذي فيه “الانسانية تحتل تحديداً مكان الله”، وقد أقام له طقوساً وتقويماً وقديسين، محاولاً استبدال الأديان بدين جديد يكون فيه الانسان هو “الكائن الأسمى”، مما أوصله إلى الخاتمة المنطقية لفلسفته التي ترى أن العلم قد جبّ المرحلتين السابقتين من تطور الفكر والعقل الانسانيين، أي الدين والميتافيزيقا.
بدوره، أعطى مسار الحركة الماركسية شكلاً عقيدياً، ولو تنوعت ألوانه، جعلها تتجاوز إطار الحزب السياسي الذي ينظم أفراداً معينين في سبيل أهداف اقتصادية-اجتماعية–ثقافية-سياسية محددة، لتصل إلى ربط تلك الأهداف باعتقادات تتعلق بالكون والطبيعة، انطلاقاً من مقولة (المادية الجدلية) ذات الطابع الفلسفي وتطبيقاتها على المجال الاقتصادي-الاجتماعي-الثقافي-السياسي عبر مقولة (المادية التاريخية)، وهما مقولتان لم يقل بهما كارل ماركس 1818-1883، بل فريدريك إنجلز ولينين.
عند الوضعيين، لم يتابع أحد المعتقدية الدينية التي قدمها أوغست كونت، وقد رأيناهم، سواء من انتظم في الأحزاب الراديكالية أو الليبرالية أو الاشتراكية-الديمقراطية، لا يقحمون معتقداتهم في العمل السياسي، حيث تركت عقائدهم لتكون في مجال حرية الفرد الشخصية، سواء من كان منهم متديناً أو لاأدرياً أو ملحداً، أو كان منهم من يجمع الايمان بدين ماورائي الاعتقاد بالكون والطبيعة مع رؤية وضعية تشمل مجالات العلم والاقتصاد والسياسة، وهو ما جعل الاعتقاد تجاه الطبيعة والكون مفصول عندهم عن العمل السياسي.
إلا أن هذا لا يعني بأنه لم يكن للوضعيين منهجاً فلسفياً جاء به الوضعيون إلى أحزابهم السياسية، حيث رأينا أن تأثرات مؤسس الحركة الاشتراكية-الديمقراطية إدوارد برنشتين (1850-1932) بالفلسفة الوضعية في رؤيتها للتاريخ هي التي جعلته يقطع مع الرؤية الهيغلية-الماركسية للهدفية التاريخية، وهو ما أدى به إلى رفض فكرة (الثورة) لصالح فكرة (الإصلاح)، معتبراً أن “الهدف لا شيء والحركة كل شيء”، فيما ظل ماركسياً في مجال التحليل الاقتصادي- الاجتماعي وعلى صعيد الظواهر الثقافية، وقد أدى رفضه للهيغلية-الماركسية في مجال التاريخ إلى رفضه للديالكتيك، فيما ظلّ ماركسياً في الجوانب الأخرى، بل وبزً الآخرين في الحرفية والدوغمائية، ولهذا رأينا أن محاججات خصومه، مثل كاوتسكي وروزا لوكسمبورغ ولينين، قد اقتصرت على مفهومه الرافض لمقولة (الثورة).
إلا أن هذا الخلاف مع برنشتين قد قاد إلى طريقين في السياسة والتنظيم ، فيما بقي خصومه متوحدين معه في الرؤية الفلسفية لمجالات (الكون) و(الطبيعة)، وهو وإن بقي ملحداً إلا أنه لم يقحم هذا في عمله السياسي- التنظيمي، كما فعل لينين في كتابه :”المادية والمذهب النقدي التجريبي” (1908) ضد ماركسيين رفضوا (المادية الجدلية) مثل (لوناتشارسكي وبوغدانوف وبرمان وغيرهم)، حيث انطلق لينين من اعتبار هذه المسألة بوصفها محددة للسياسة والرؤية عند السياسي الماركسي المنتظم ضمن حزب سياسي، مما دفعه إلى بذل ذلك المجهود الضخم الذي تطلبه منه هذا الكتاب الفلسفي الطابع.
هنا، تابعت الأحزاب الشيوعية، التي افترقت منذ تأسيس (الأممية الثالثة) عام 1919 عن الأحزاب الاشتراكية-الديمقراطية، التقاليد اللينينية الموضوعة في كتاب 1908، بما فيها الأحزاب الشيوعية العربية (ما عدا الحزب الشيوعي السوداني)، فيما رأينا عند الأحزاب القومية العربية عدم وجود اتجاه إلى توحيد المجال الاعتقادي بالكون والطبيعة مع السياسة، وما تتطلبه الأخيرة من رؤية للاقتصاد والمجتمع والفرد، فيما قدمت الحركة الإسلامية شيئاً شبيهاً بما قدمه الشيوعيون من حيث أن النظرة الاعتقادية لمجال (أصول الدين)، الشاملة عند الأصولي الاسلامي أو السلفي-الجهادي لاعتقاداته تجاه الكون والطبيعة، هي التي تحكم رؤيته لمجالي السياسة والتنظيم، مثل مقولة (الحاكمية) التي تحكم مجال الرؤية السياسية عند المودودي وسيد قطب وتحددها. بينما نجد الأحزاب الليبرالية العربية (حزب الوفد في مصر، حزب الشعب في سوريا وغيرهما) تقدم طيفاً من الآراء الاعتقادية المتعددة، حيث نجد المتدين مع العلماني ضمن التنظيم السياسي الواحد الذي تتحدد العضوية فيه على أساس الانتظام لتحقيق أهداف اقتصادية-اجتماعية-سياسية محددة، فقط، وليس على أساس شيء آخر يتجاوز هذه الأهداف، أو يختلط معها، أو يحددها، كما نرى عند الشيوعيين أو الإسلاميين.
إذاً ما الذي يحدّد الاتجاه السياسي؟
لا يؤمن البشر، أو يميلون إلى أفكار سياسية معينة نتيجة لقوتها المنطقية، أو بناها المعتقدية، بقدر ما لأنها يرونها تعبّر عن مصالحهم، أو يعتقدون أنها تؤمّن إطاراً سياسياً مناسباً لتحقيق هذه المصالح في شكلها الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي، ويمكن أن يأخذ هذا التحقيق شكلاً ايجابياً، أي يُحوَّل إلى هدف يُنجز ويحقق، أو شكلاً سلبياً عبر منع الطرف الآخر المضاد من تحقيق أهدافه التي يراها الأول سلبية، أو إفقاده مكاسبه التي يراها الأول مضرة بمصالحه أو معيقة لها.
من أجل ذلك يتجه الناس إلى السياسة، سواء من ينتظم في حزب سياسي، أو يكون نصيراً له، أو يتلاقى على صعيد الميول مع برنامجه وممارسته السياسيتين ليصوّت له في الانتخابات، إلا أن الأمر في الأحزاب العقائدية يتحول إلى شيء آخر هو أقرب إلى التكريس الايماني، ربما يصل في بعض الحالات إلى التضحية بالنفس في سبيل تحقيق الهدف، وفي بعض الحالات إلى الطموح للوصول إلى نمط حياة جديد ومختلف عبر الثورة على الوضع القائم.
الحالة الأخيرة تدفع الكثيرين للاعتقاد بأن ذلك خارج إطار المصالح، مع أن تدقيقاً متمحصاً يوضّح أن الأمر لا يخرج عن غلاف المصالح، وليس مهماً إذا كان السياسي واعياً لذلك أم لا، مادام المآل الموضوعي لممارسته يؤدي إلى ذلك، ولا نعني هنا بالمصلحة المفهوم المادي المباشر بل المعنى العام الذي يتجاوز إطار الفرد إلى إطار الوطن والجماعة أو الطبقة أو الفئة.
بعد مسألة مُحَدِد الاتجاه السياسي تبقى الأمور الأخرى في إطار الاختلاف حول تقنية السياسة، والتي من ضمنها يدخل موضوع العلاقة بين (العقيدة) و(السياسة)، بين من يرى أن السياسة هي مُكًثِف لرؤية كونية ولمفهوم الطبيعة، مع إضافتها للجوانب الاقتصادية–الاجتماعية-الثقافية، فيما نجد من يقصر السياسة على الجوانب الاقتصادية-الاجتماعية-الثقافية.
على هذا الصعيد رأينا برنشتين لم يحتج، لتشكيل رؤيته السياسية الجديدة، إلى تغيير رؤيته للطبيعة والكون، والتي ظلت مثيلة لما عند خصومه: كاوتسكي وروزا لوكسمبورغ ولينين، بل احتاج إلى منهج فلسفي تحليلي للسياسة، هو الفلسفة الوضعية التي تقطع مع النزعة التاريخية وتفترق عنها، قاطعاً بذلك مع النزعتين التاريخية والديالكتيكية، الموروثتين من هيجل 1770-1831 ومن ثم ماركس، ومن دون أن يتخلى برنشتين عن محتوى المنهج الماركسي في فهم العملية الاقتصادية-الاجتماعية.
هذا أدى، أمام اتجاه يميل إلى تشميل السياسة لكل تلك الجوانب وخلطها مع بعضها البعض في العملية السياسية كما عند خصوم برنشتين، إلى تشكيل اتجاه سياسي جديد هو الاشتراكية-الديمقراطية ، بدأ مع أطروحات برنشتين الجديدة عام1898 ثم تبلور انشقاقياً فيما بين هذا الاتجاه والاتجاه الشيوعي منذ تأسيس الأممية الثالثة عام 1919 عقب الثورة البلشفية عام 1917.
لكن إذا أردنا فحص هذا التشميل، عند ماركسيين، نراه ليس أكثر من عملية إرادية عند أصحابها، إذا أخذناها من الجوانب التقنية، بمعنى أنه غير متضمًن في المنهج الماركسي الفلسفي التحليلي للسياسة، فمن الممكن للمرء أن يستخدم هذا المنهج للوصول إلى برنامج سياسي يعالج وضعاً اقتصادياً-اجتماعياً-ثقافياً محدداً، في مكان وزمان معينين وضمن جدل الداخل-الخارج، من دون الحاجة إلى استخدام اعتقادي للكون والطبيعة كأساس تحديدي لذلك.
على هذا الصعيد من يدرس المسار السياسي للقرن العشرين يلاحظ انحسار الاتجاه الشمولي في السياسة لصالح الاتجاه الآخر الذي يميل إلى نسبية السياسة تجاه مجالات (الاقتصاد) و(الاجتماع) و(الثقافة)، وعزلها عن مجالي (الكون) و(الطبيعة)، وهذا ما يشكل قوة (الليبرالية) و(الاشتراكية-الديمقراطية) في السياسة المعاصرة، على حساب الاتجاهات الأخرى، فيما تبين تجربة الزمن الذي يفصلنا عن أوغست كونت فشل اللادينيين في تشكيل بديل منافس، على الصعيد الاعتقادي الإيماني، للأديان القائمة.
كتكثيف: التجربة السياسية منذ القرن التاسع عشر تدل وتفرض الحاجة إلى تحديد حدود (السياسة)، ومجالاتها، مع فصلها عن جانب (العقيدة)، سواء بالمعنى اللاهوتي أو الميتافيزيقي أو المادي المضاد لهما، حيث تتجه (العقيدة) إلى أن يعتبرها البشر مجالاً شخصياً محضاً في الحياة المعاصرة، فيما تبقى هوية كل حزب سياسي محددة بواسطة (ومن خلال) المنهج الفلسفي التحليلي المستخدم في توليد رؤيته السياسية وبرنامجه السياسي، وليس عبر البرنامج السياسي الذي يخضع للوقائع المتغيرة، مما يمكن أن يجعل حزباً ماركسياً يطرح برنامجاً مرحلياً برجوازياً –رأسمالياً (وهو ما رأيناه في وصفة ماركس في “البيان الشيوعي” لألمانيا ما قبل الرأسمالية عام 1848، وما نراه الآن عند الشيوعيين الصينيين منذ الثمانينيات، عندما يرون مع ماركس أنه لا يمكن الدخول في المرحلة الاشتراكية قبل استنفاذ، وتحقق، كافة مراحل التطور الرأسمالي، وهو ما حاولت التجربة البلشفية خرقه عبر ثورة 1917 البلشفية، ثم بان فشلها عام 1991 عندما لم تقد إلى أكثر من رأسمالية الدولة التي أفضت بالنتيجة إلى اقتصاد السوق بزمني يلتسين وبوتين)، إلا أن هذا البرنامج البرجوازي-الرأسمالي الذي يمكن أن يطرحه حزب شيوعي لمرحلة معينة لا يولّد هوية الحزب، بل يأتي ذلك عبر المنهج الماركسي (الرؤية المادية للتاريخ) المولد للرؤية والبرنامج السياسيين، لكن هذا لا يؤدي إلى جعل أعضاء هذا الحزب معتقدين بالعقيدة المادية في المسائل اللاهوتية أو الميتافيزيقية أو القضايا المتعلقة بالطبيعة، لأن استخدامهم للمنهج الفلسفي المعني هو محصور هنا في المسائل ذات الصلة بالسياسة حصراً، أي (الاقتصاد) و(الاجتماع) و(الثقافة)، فيما يمكن أن تكون اعتقاداتهم الشخصية غير ذلك، أي لامادية في مجالي رؤية (الكون) و(الطبيعة)، المفصولتان هنا عن السياسة، وهذا ما يمكن أن يشمل الأحزاب الاسلامية، التي تميل مثل الشيوعيين إلى عدم الفصل بين (العقيدة) و(السياسة)، فيما يفصلهما الاشتراكيون – الديمقراطيون والليبراليون والعروبيون والأحزاب القومية الكردية وكذلك يفصلها الاتجاه الأوجلاني الذي تستند أحزابه، مثل (حزب الاتحاد الديمقراطي) في سوريا أو(حزب ديمقراطية ومساواة الشعوب- ديم) في تركيا، في توليد برنامجها السياسي إلى نظرية عبد الله أوجلان حول (الأمة الديموقراطية).العقيدة شخصية تخص الشخص ومعتقده تجاه الكون والطبيعة وحدودها تتحدد بشخصه، فيما السياسة تخص ما يراه الشخص من آراء تجاه الشأن العام في الاقتصاد والاجتماع والثقافة، وحقه في السعي إلى نشرها في النطاق العام. وبالتالي، يجب الفصل بين العقيدة والسياسة.
