كان حدث انهيار وسقوط النظام السوري السابق في يوم 8كانون الأول2024من أهم الأحداث والمنعطفات التي شهدتها البلاد منذ جلاء الفرنسيين عام1946، وعلى الأرجح أن هذا اليوم يمثل نهاية حقبة يجب البحث إن كانت قد بدأت هذه الحقبة في يوم 17نيسان1946أم في 8آذار1963أم في 16تشرين الثاني1970؟..
في كل الأحوال ومهما كانت الإجابة على هذا السؤال فإن البلد يعيش لحظة من إعادة التأسيس ، فما انهار في يوم سقوط النظام السابق قبل عام ونصف ليس جهازاً سلطوياً لنظام قائم بل بنية اقتصادية- اجتماعية- ثقافية- إدارية- سياسية انهارت بأكملها بعد أن حكمت لستة عقود منذ يوم8آذار1963في مراحل ثلاثة 1963-1966،1966-1970،1970-2024، وعندما انفجرت هذه البنية عام2011 ، الذي عبًر عن وجود أزمة وطنية عامة، فإن أحداً من السوريين لم يستطع أن ينتصر في ذلك الصراع العنيف، بل أمسك الخارج الدولي- الاقليمي بذلك الصراع وتحولت أطرافه السورية في السلطة والمعارضة، ماعدا قلة من المعارضين السوريين، إلى بيادق بأيدي الأطراف الخارجية التي أدارت ذلك الصراع، قبل أن تنشأ عوامل خارجية، تتمثل في الانشغال الروسي بالحرب الأوكرانية منذ عام2022وغوص ايران في تداعيات حقبة مابعد7أوكتوبر2023، ساهمت في اسقاط النظام السوري كضربة كبرى للمحور الاقليمي الايراني بقرار من الولايات المتحدة التي تريد السيطرة على منطقة الشرق الأوسط، وكما قال باتريك سيل “من يريد السيطرة على المنطقة عليه أن يسيطر على سوريا”.
لذلك كله تعيش سوريا لحظة سياسية ،أصبح عمرها الآن سنة ونصف، عنوانها (إعادة التأسيس) ، لأن من انهار وسقط في يوم 8كانون الأول2024كان بنية كاملة، لها قاعدة اجتماعية، كما أن من ثار عليها في عام2011كانت قاعدة اجتماعية واسعة، ليتجابها في مجابهة دموية، أنتجت أربعة عشر مليوناً من السوريين بين نازح داخلي ولاجىء للخارج ، وخراباً لمعظم البنية التحتية، وما يتراوح بين نصف وثلاثة أرباع المليون من القتلى، ومن بين الأخيرين ما يقرب من مئتي ألف من المفقودين في المعتقلات والسجون وغيرهما.
من هنا فإن الخطوط السياسية القائمة في سوريا الآن هي تأسيسية ، سواء كان القائمون عليها على وعي بذلك أم لا، وعملياً فإن مضامين تلك الخطوط توحي بالنزعة التأسيسية. ويمكن فرز هذه الخطوط ضمن التالي:
- خط سياسي موجود عند السلطة الحالية نحو أن تعيد (هيئة تحرير الشام) ، وحلفائها من الفصائل العسكرية ،تجربة حزب البعث منذ يوم8آذار1963عندما أقام وأسًس نظاماً جديداً في سوريا ببنية اقتصادية- اجتماعية – ثقافية – إدارية – سياسية ، تختلف عن مرحلة 1946-1963، وانفرد بالسلطة بالترافق مع أحزاب وقوى سياسية و اقتصادية واجتماعية تنتفع من مائدة السلطة،ويراهن أصحاب هذا الاتجاه على الغطاء الأميركي للسلطة السورية الحالية، وفق معادلة اتبعها حافظ الأسد طيلة حكمه بتقديم ما يرضي الخارج الدولي والاقليمي مقابل تركه ينفرد بالداخل السوري.
- خط فئوي يقول بأن البلد لا يقوم مجتمعه على مواطنين بل على مكوًنات دينية- طائفية- قومية- إثنية، وأن النظام السياسي السوري الجديد يجب أن ينبني على توزيع السلطة والثروة بوصفه نظام للمحاصصة بينها، على طراز لبنان منذ عام1943وعراق ما بعد عام2003.
- خط (المؤتمر الوطني العام)، الذي يقول بأن البلد في لحظة من الأزمة الوطنية العامة وبأن لا أحد من القوى السياسية، سواء في السلطة الحالية أو خارجها، يستطيع بمفرده اخراج البلد من أزمته ووضعه على سكة التعافي وإعادة تأسيسه، بل أن الطريق إلى ذلك هو من خلال (مؤتمر وطني عام)،تشارك فيه كل القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية مع شخصيات وطنية عامة، من أجل أن يكون هذا المؤتمر هو الرحم الذي تولد فيه سوريا الجديدة من خلال اتفاق ينتج عن المؤتمر حول خريطة طريق لمرحلة الانتقال من النظام السابق نحو نظام جديد على أن تقود حكومة مؤقتة ، تنبثق عن المؤتمر ، المرحلة الانتقالية، التي تنشر فيها حريات تأسيس الأحزاب و انشاء وسائل الاعلام والتظاهر والإضراب( وليس قوانين ومراسيم يصدرها من في السلطة ،وفق أهوائه وميوله ،لتنظيم هذه المجالات الأربعة لحرية المجتمع والمواطن)، وذلك للسير نحو انتخابات جمعية تأسيسية ، كما جرى في سوريا عام1949، تضع دستوراً جديداً، على غرار ما أنتجت تلك الجمعية دستور 1950.
عملياً، هذه هي الخطوط السياسية الرئيسية في البلد الآن .
يمكن أن توجد تباينات أ و تفارقات في كل خط من هذه الخطوط الثلاثة، ففي خط السلطة الحالية هناك براغماتيون هم على ادراك ومعرفة وعلم بأن القوى الخارجية، سواء الولايات المتحدة أوغيرها، لن ترضى عن حكم اسلامي متشدد بالسلطة ، وأيضاً لن يقبل المجتمع السوري بذلك، وأن الأرضية الاجتماعية للتشدد الاسلامي هي عند قلة من السوريين، بمافيهم عند السنة الذين هم ليسوا طائفة بل ينقسمون طبقياً و ينقسمون بين ريف ومدينة ،وكل ذي بصيرة يدرك ويلمس بأنه إذا كانت الديكتاتورية قد قادت خلال نصف قرن إلى خراب البلد فإن أي ديكتاتورية جديدة ستقود إلى ماهو أسوأ.
أيضاً في الخط الثاني، (خط المُكوِنات)، يوجد من يميل نحو التقسيم، وإن كان اصحاب هذا الميل قد أدركوا ، من خلال سنة ونصف سورية وقبلها منذ عراق2003، بأن (لاخرائط جديدة) في المنطقة، ولهم في تجربة استفتاء 2017في اقليم كردستان العراق عبرة للاعتبار، وهو مايدركه عبدالله أوجلان الذي دعا في رسالة مؤخراً من سجنه في جزيرة ايمرالي إلى الالتزام بخط (لا للتقسيم ونعم للاتحاد الديمقراطي).
هنا، يمكن أن يميل بعض الاسلاميين إلى (خط المكونات) ويتلاقون مع أصحابه من منطلق “أننا الأكثرية”، ويحاولوا إقامة نظام على طراز النظام اللبناني، الذي أسماه الرئيس اللبناني فؤاد شهاب ب”نظام مقسمي وآكلي الجبنة “.
ولكن من يدرس المناخ الدولي، وحتى الاقليمي ، فإنه يمكن أن يلمس دوراً يراد اعطائه لسوريا كممر لخطوط أنابيب نفط وغاز ولسلاسل توريد للبضائع والسلع بين منطقة الشرق الأوسط وأوروبا ، وهنا لن تنسى تجربة اغلاق مضيق هرمز في حرب2026وقبلها عرقلة الملاحة في مضيق باب المندب من قبل الحوثيين، وهو مايجب أن يُجمع مع اتجاه الأوروبيين للاستغناء عن النفط والغاز الروسي بعد الحرب الأوكرانية في قرار اتخذه الاتحاد الأوروبي وحدًد مدة تنفيذه في عام2027، وعلى الأرجح أن من يريد اعطاء هذا الدور لسوريا لن يرضى باستمرار بنية وشكل وأسلوب السلطة السورية القائمة لأنه يعرف بأنها لا تستطيع القيام بتوفير المناخ الملائم لذلك، إن لم يكن العكس.
وفيما يتعلق بجهة (خط المكونات) فإنه ولأكثر من مرة صرح المبعوث الرئاسي الأميركي توماس باراك ” أن النظام القائم في العراق ليس ناجحاً “، والأميركيون هم من أقاموا هذا النظام بعد احتلالهم للعراق في عام2003.
السؤال الذي يجب أن يطرح: هل يكون القرار2799، الذي اتخذه مجلس الأمن الدولي في 6تشرين الثاني2025 والذي أعلن فيه أنه “يتصرف بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة” وأكد فيه على “الأهداف والمبادىء الرئيسية الواردة في القرار2254لعام2015″، مؤشراً على اتجاه نحو حصول مناخ دولي نحو تبني (خط المؤتمر الوطني العام)، الذي هو متضمن في القرار2254؟…
فإلى أين ستسير سوريا؟..
———————————————–
