هل مضيق هرمز يمثل ورقة تفاوضية أم قوة ردع استراتيجية عند إيران ؟

المحامي نشأة الطعيمة

لم يكن مضيق هرمز مع بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 شباط/ فبراير عام 2026 مشكلة قائمة من ضمن الأسباب المعلنة أو الخفية للحرب على ايران، لا عند أطراف النزاع ولا مع الدول الإقليمية، بل كان المضيق مفتوحاً للسفن العابرة منه باعتبار أن إيران قد صادقت على قانون البحار الدولي عند صدوره عن الأمم المتحدة عام 1982 وهو الذي ينظم حقوق الدول في البحار والمضايق الدولية، الا أن إيران حينها تحفظت على بعض فقراته المتعلقة بالمضايق الدولية وتحديداً الفقرة المرتبطة بمضيق هرمز، التي تلزم الدول المشاطئة للمضيق أن تكفل حق المرور الآمن والبريء للسفن العابرة والطائرات المحلقة وعدم تعطيله أو تقييده، فاشترطت إيران حينها عند تصديقها للقانون أن تحصل السفن والطائرات الحربية الأذن المسبق من السلطات الإيرانية، ولكن تحفظها هذا رُفض من قبل الأمم المتحدة والدول المصادقة على قانون البحار وقالت الأمم المتحدة حول ذلك إن أي نزاع حول تفسير بعض بنوده يجب أن يُحل عبر المحكمة الدولية لقانون البحار أو عن طريق التحكيم الدولي.

يمثل مضيق هرمز الممر البحري الوحيد الذي يربط الخليج العربي مع المحيط الهندي وهو من أهم المضايق والممرات البحرية الضيقة والاستراتيجية في العالم حيث يمر عبره نحو ثلث الغاز الطبيعي في العالم و25 بالمئة من النفط العالمي وخُمس المواد البتروكيماوية، وبسبب العداء المستحكم بين إيران من جهة والولايات المتحدة الامريكية واسرائيل والعديد من دول المشرق العربي من جهة أخرى منذ نجاح الثورة الإيرانية عام 1979 فقد أعلنت كل من أمريكا وإسرائيل في صباح 28 شباط/ فبراير 2026 عن عملية عسكرية على إيران تحت مسمى زئير الأسد عند إسرائيل والغضب الملحمي عند أمريكا واستمرت أربعون يوماً تم خلالها في اليوم الأول اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي والعديد من الصف الأول للقيادة الإيرانية بأمل استسلام النظام الايراني والتسليم بالشروط الأمريكية الاسرائيلية، إلا أن ذلك لم يحدث وإنما تم العكس حيث لجأت كل من القيادة السياسية والحرس الثوري الإيراني إلى تصعيد الموقف أكثر والاعلان في 2 آذار/ مارس عن إغلاق مضيق هرمز تنفيذاً لقرار البرلمان الإيراني المتخذ سابقاً في 22 حزيران/ يونيو عام 2025 الذي صوّت على إغلاق مضيق هرمز رداً على الضربات الأمريكية الإسرائيلية آنذاك، كما رفعت إيران من سقف شروطها في المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة الأمريكية مما أدى الى فشلها، فكان الرد الأمريكي هو اتخاذ إجراء أكثر ألماً من الحرب على الشعب وعلى الاقتصاد الإيراني فضرب الجيش الأمريكي في فترة الهدنة البادئة في يوم 8 نيسان/ أبريل 2026 حصاراً بحرىاً على السفن المتجهة إلى إيران، ومع تصعيد الصراع أكثر صرّح حينها المتحدث باسم الجيش الايراني محمد أكرمي أن استراتيجية إيران في السيطرة على مضيق هرمز ثابته وحاسمة وأن السيطرة الاستراتيجية على المضيق هو مطلب وطني، أما المتحدث باسم الحرس الثوري إيراني فقد أكّد أن المضيق هو منطقة أمنية إيرانية خاضعة للقيادة الوطنية العسكرية الإيرانية المطلقة.

يعتبر مضيق هرمز في الاستراتيجية السياسية والعسكرية عند القادة الإيرانيين خط الدفاع الأول لإيران، قبل امتلاكها السلاح النووي، أمام أي تحد خارجي، كما هو ركيزة رئيسية في الدفاع عن بقاء النظام الإيراني وداعم لطموح السلطة الإيرانية في الهيمنة على محيطها الإقليمي وعلى الخليج العربي والشرق الأوسط بشكل عام، وذلك من خلال قدرتها في توظيفه في عرقلة إمدادات الطاقة نحو دول العالم وما ينتج عن تلك العرقلة من أضرار على نمو الاقتصاد العالمي، وقد عبّر عن هذا الرأي مستشار المرشد الأعلى الإيراني الدكتور علي أكبر ولايتي عندما قال إن مضيق هرمز أصبح خاضعاً لسيطرة وسيادة طهران، كما ذهب المتحدث الرسمي للحرس الثوري الإيراني على تأكيد نفس الموقف حين قال إن إيران لن تسمح للولايات المتحدة الأمريكية التدخل في مضيق هرمز، لذلك ومن أجل بسط إيران سيطرتها على المضيق. لا يعتبر هذا الموقف الإيراني سابقة سياسية في التوجه الإيراني نحو مضيق هرمز بل وخلافاً لقانون البحار الدولي من جهة ورسالة تحدي للمجتمع الدولي من جهة أخرى، حيث كانت قد أصدرت إيران عام 1993 قانوناً بحرياً اشترطت فيه على السفن الحربية والغواصات النووية العابرة في مضيق هرمز ذهاباً وإياباً الحصول منها على إذن مسبق للعبور منه باعتبار المضيق جزء لا يتجزأ من سيادتها الوطنية، كما صرّحت القيادات السياسية والعسكرية في أكثر من مناسبة أن هذا المبدأ ثابت وحاسم، واستندت في إصدار هذا القانون إلى موقعها الجغرافي بالنسبة للمضيق باعتباره يقع بعرضه ضمن حدود مياهها الإقليمية مع سلطنة عمان وفق القانون الدولي باعتبار أنه تم تحديد لكل منهما 12 ميل بحري منذ سبعينيات القرن الماضي وفيه تتمتع الدول الساحلية بسيادة كاملة على هذه المساحة مع ضمان حق المرور الآمن أو البريء لسفن الدول الأخرى ضمن المياه الدولية بالمضيق والتي لا يتجاوز عرضها ثلاثة أميال في المنتصف.

يوجد وفق قانون البحار الدولي نوعين من حق المرور في المضايقات الدولية، الأول: وهو ما يسمى بالمرور البريء وهو الذي يسمح للسفن والطائرات بعبور المياه الإقليمية بصورة متواصلة وسريعة دون توقف.

الثاني: وهو المرور العابر والذي ينطبق على المضايق المستخدمة للملاحة الدولية ويصنف مضيق هرمز ضمن هذا النوع من المضايق الدولية وبموجبه يتوجب على الدول المتشاطئة له أن تضمن حق المرور للسفن و تحليق للطائرات ضمنه بوصفه حقاً قانونياً أصيلاً وثابتاً بموجب القانون الدولي وأيضاً عليها أن تكفل عدم تعطيله أو تقييده كما أنه بموجب التفاهمات والاتفاقات الدولية المتعلقة بالممرات الضيقة ووفق قانون البحار الدولي ومن ضمنها مضيق هرمز تم تحديد ممرات آمنة بعرض 20 ميل من المياه الإقليمية لكل دولة مشاطئة للمضيق يستخدم من أجل مرور السفن الأمن والعابر بشرط عدم الإضرار بأمن وسلامة الدولة الساحلية، كما يتوجب على الدول المشاطئة عدم تعطيل هذا الممر الآمن أو تقييده بإجراءات تعسفية أو قسرية وعدم جواز فرض رسوم عبور منه.

لم تلجأ إيران خلال جميع المنازعات التي حدثت في السابق معها ( الحرب العراقية –الايرانية، وحرب2025) إلى إغلاق المضيق وإنما أصبح مع بدء الهجوم الأمريكي الاسرائيلي على إيران وبعد إغلاقه يشكل تهديداً كبيراً على الاقتصاد العالمي ويبدو أن هذا السلاح لم يكن ضمن حسابات القادة الاستراتيجيين الأمريكيين ولا الإسرائيليين.

لا يعتبر الصراع الدائر حالياً حول إغلاق مضيق هرمز هو مجرد حادث إقليمي عابر من مشاكل الصراع في الشرق الأوسط وإنما نجده سرعان ما تطور وشكل أزمة اقتصادية عالمية تتعلق بإمدادات الطاقة والتجارة العالمية وبذلك أدركت جميع الأطراف المعنية و المنخرطة في الصراع مع إيران أن حل مشكلة مضيق هرمز أصبح هو الشرط الأساسي لتسوية شاملة في هذا الصراع ومن خلاله أما أن يتم حسم الصراع في المنطقة وتجنيب العالم أزمة اقتصادية كبرى او أن يتم اتساع رقعة الحرب وتحرق نيرانها الجميع، لذلك أصبح هذا الخطر هو الدافع الأهم لدى دول العالم للمطالبة بوقف الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران واستمرار المفاوضات بين الأطراف المتصارعة للوصول إلى حل تفاوضي سلمي في المنطقة يجنب العالم كارثة إنسانية اقتصادية، كما كان إغلاق مضيق هرمز هو الضاغط الأكبر على الرئاسة الأمريكية على توقيع (مذكرة التفاهم) التي أنهت الحرب في كل الجبهات مع فتح مضيق هرمز علماً أن الاتفاق كان في جوهره لمصلحة إيران.