درعا وحوران… الجنوب الذي اختبر الدولة والحرب والسياسة

بهاء الشايب

درعا قبل عام 2011… وبداية التحول التاريخي

ليست درعا مدينة يمكن اختزالها في خبر سياسي أو حدث عابر، فهي جزء من إقليم حوران الذي شكّل عبر قرون طويلة واحدًا من أهم الأقاليم الزراعية والاجتماعية في بلاد الشام. عُرفت حوران بسهولها الخصبة، وبمجتمعاتها المتماسكة، وبشبكة العلاقات الاجتماعية التي قامت على الترابط بين العائلات والقرى والبلدات، حتى أصبحت نموذجًا لمجتمع يجمع بين الأصالة والانفتاح.

ومنذ العصور القديمة، احتلت درعا موقعًا مهمًا بحكم موقعها الجغرافي بين دمشق وشمال الجزيرة العربية. تعاقبت عليها حضارات متعددة، وتركت آثارها في المنطقة، ثم أصبحت في العصور الإسلامية جزءًا من طرق التجارة والحركة بين مدن الشام والجنوب. ومع مرور الزمن، حافظت على دورها بوصفها بوابة الجنوب السوري ومركزًا اقتصاديًا واجتماعيًا مهمًا.

قبل عام 2011، كانت حياة سكان درعا تعتمد بدرجة كبيرة على الزراعة والتجارة. فقد شكلت زراعة القمح والشعير والخضروات والزيتون مصدر رزق أساسي لآلاف الأسر، بينما منح الموقع الحدودي للمحافظة أهمية اقتصادية إضافية. إلا أن المنطقة، مثل مناطق سورية أخرى، واجهت تحديات اقتصادية واجتماعية، من بينها تأثيرات الجفاف، وتراجع فرص العمل، والتحولات التي أصابت القطاع الزراعي.

ورغم هذه الظروف، بقي المجتمع الحوراني معروفًا بتماسكه الاجتماعي، وبقدرة أبنائه على إدارة شؤونهم المحلية من خلال العلاقات الأهلية والعائلية، وبالحضور الكبير للتعليم والثقافة في حياة المجتمع.

مع بداية عام 2011، كانت المنطقة العربية تعيش مرحلة من الاحتجاجات السياسية الواسعة. وفي هذا السياق، شهدت مدينة درعا في آذار/ مارس من العام نفسه حادثة اعتقال عدد من الفتيان بعد كتابة شعارات على أحد الجدران، الأمر الذي أثار ردود فعل واسعة بين الأهالي، وتحول إلى احتجاجات ومطالب محلية سرعان ما اتسعت.

خلال فترة قصيرة، خرجت درعا من إطارها المحلي لتصبح في قلب المشهد السوري. فقد انتقلت الأحداث من مطالب مرتبطة بحادثة محددة إلى حراك أوسع، ثم امتدت تداعياتها إلى محافظات سورية أخرى، لتدخل البلاد مرحلة تاريخية جديدة.

وبغض النظر عن اختلاف التفسيرات السياسية للأحداث ومسؤولياتها، فإن عام 2011 بقي نقطة تحول أساسية في تاريخ سوريا الحديث. فقد أصبحت درعا اسمًا حاضرًا في النقاشات السياسية والإعلامية الدولية، وتحولت من مدينة جنوبية إلى رمز لمرحلة كاملة من تاريخ البلاد.

لم تكن أهمية درعا في حجمها الجغرافي، بل في تأثير الحدث الذي خرج منها. فقد أصبحت المحافظة جزءًا من قصة وطنية كبرى، ستتداخل فيها السياسة والمجتمع والاقتصاد والعلاقات الإقليمية والدولية خلال السنوات التالية.

2012–2015… اتساع الصراع وتحولات الجنوب السوري

دخلت درعا عام 2012 وهي تحمل آثار مرحلة جديدة بدأت تتشكل ملامحها بسرعة. فقد انتقلت الأحداث من إطار الاحتجاجات والمطالب السياسية إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، أصبحت فيها المواجهات المسلحة عنصرًا أساسيًا في المشهد، وتحولت المحافظة إلى إحدى أبرز ساحات الصراع في الجنوب السوري.

خلال هذه الفترة، شهدت مدن وبلدات عديدة في محافظة درعا تغيرات متسارعة. فقد توسعت المواجهات، وظهرت تشكيلات عسكرية متعددة، وتبدلت السيطرة على مناطق مختلفة، الأمر الذي جعل الحياة اليومية للسكان مرتبطة بشكل مباشر بتطورات الميدان. ولم تعد القرارات السياسية أو الأمنية وحدها هي التي تحدد واقع الناس، بل أصبحت الظروف العسكرية تؤثر في تفاصيل حياتهم من التعليم والعمل والتنقل إلى الحصول على الخدمات الأساسية.

كان عام 2012 بداية مرحلة اتسمت بتصاعد العمليات العسكرية، حيث شهدت مناطق واسعة من حوران اشتباكات متكررة، وتعرضت بعض المدن والبلدات لأضرار في البنية التحتية. ومع استمرار القتال، بدأت مظاهر الحياة الطبيعية بالتراجع تدريجيًا، فتأثرت الأسواق، وتعطلت بعض المؤسسات، وأصبح الوصول إلى الخدمات الصحية والتعليمية أكثر صعوبة في عدد من المناطق.

ومع مرور الوقت، لم تعد آثار الصراع محصورة في الجانب العسكري، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي والاقتصادي. فقد اضطر عدد كبير من الأسر إلى النزوح من مناطقها، بحثًا عن أماكن أكثر أمنًا، سواء داخل سوريا أو في دول الجوار. كما واجهت العائلات تحديات كبيرة نتيجة فقدان مصادر الدخل، وتراجع النشاط الزراعي، وارتفاع تكاليف المعيشة.

كانت حوران، بحكم طبيعتها الزراعية، من أكثر المناطق التي تأثرت بتراجع الإنتاج الزراعي. فقد أدت الظروف الأمنية إلى صعوبات في الوصول إلى الأراضي، وارتفاع تكاليف الزراعة، وتراجع القدرة على تسويق المحاصيل. وهذا انعكس على آلاف الأسر التي اعتمدت تاريخيًا على الزراعة كمصدر رئيسي للعيش.

سياسيًا، أصبحت درعا جزءًا من المشهد السوري والإقليمي الأوسع. فموقعها الجغرافي قرب الحدود الأردنية منحها أهمية خاصة، وجعل تطوراتها محل متابعة من أطراف إقليمية ودولية. وخلال هذه السنوات، ظهرت محاولات متعددة للتوصل إلى حلول سياسية للأزمة السورية، إلا أن استمرار العمليات العسكرية جعل الوصول إلى تسوية شاملة أمرًا بالغ الصعوبة.

بين عامي 2013 و2015، ازدادت تعقيدات المشهد في الجنوب السوري. فقد تعددت القوى الفاعلة على الأرض، وتداخلت المصالح المحلية مع التأثيرات الإقليمية، وأصبحت المحافظة أمام واقع جديد تحكمه توازنات عسكرية وسياسية متغيرة. وفي الوقت نفسه، بقي المدنيون يتحملون الجزء الأكبر من آثار هذا الواقع، بين الخوف والنزوح وصعوبة تأمين الاحتياجات الأساسية.

ورغم قسوة المرحلة، أظهر المجتمع الحوراني قدرة كبيرة على الصمود والتكيف. فقد ظهرت مبادرات محلية لتأمين الخدمات، ودعم التعليم، وتنظيم المساعدات الإنسانية، كما لعبت العلاقات الاجتماعية دورًا مهمًا في مساعدة الأسر على تجاوز ظروف صعبة فرضتها الحرب.

مع نهاية عام 2015، كانت درعا قد تغيرت بصورة عميقة. فلم تعد المحافظة كما كانت قبل سنوات قليلة؛ فقد فقدت جزءًا من استقرارها الاقتصادي والاجتماعي، وتضررت بنيتها التحتية، وتحولت إلى منطقة تحمل إرثًا ثقيلًا من الصراع. وفي الوقت نفسه، أصبحت أمام مرحلة جديدة ستشهد تغيرات كبرى في طبيعة المواجهات ومسارات الحلول السياسية.

لقد مثلت الفترة بين 2012 و2015 مرحلة انتقالية حاسمة في تاريخ درعا وحوران؛ مرحلة انتقلت فيها المحافظة من كونها مركزًا لبداية الأحداث إلى إحدى الساحات الرئيسية التي عكست تعقيدات الأزمة السورية بأبعادها السياسية والعسكرية والإنسانية.

2016–2018… معارك الجنوب السوري واتفاقات التسوية وآثارها

دخلت درعا عام 2016 وهي تقف أمام واقع جديد تشكل خلال سنوات الصراع السابقة. فقد أصبحت المحافظة إحدى أكثر المناطق حساسية في المشهد السوري، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي، بل أيضًا بسبب ارتباطها بالتوازنات السياسية والعسكرية التي كانت تتغير على مستوى البلاد بأكملها.

خلال هذه المرحلة، استمرت المواجهات في عدد من مناطق الجنوب السوري، وشهدت مدن وبلدات في حوران عمليات عسكرية متقطعة، انعكست بشكل مباشر على حياة السكان. فقد بقي المدنيون يواجهون صعوبات كبيرة في التنقل، والحصول على الخدمات، والحفاظ على مصادر رزقهم، بينما ظلت البنية التحتية تعاني من آثار سنوات الحرب.

اقتصاديًا، كانت درعا تدفع ثمنًا كبيرًا نتيجة تراجع النشاط الزراعي والتجاري. فالزراعة التي شكلت تاريخيًا أساس اقتصاد حوران تأثرت بسبب الظروف الأمنية، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وصعوبة تسويق المحاصيل. كما تضررت الأسواق المحلية، وتراجعت فرص العمل، الأمر الذي زاد من الضغوط المعيشية على الأسر.

وفي عام 2017، ظهر تطور سياسي مهم تمثل في اتفاقات خفض التصعيد التي شملت مناطق في الجنوب السوري. وقد ساهمت هذه التفاهمات في تخفيف حدة العمليات العسكرية لفترة من الزمن، ومنحت السكان في بعض المناطق فرصة لاستعادة جزء من مظاهر الحياة الطبيعية. فعادت بعض الأنشطة التجارية، واستؤنفت العملية التعليمية في عدد من المناطق، وبدأت جهود محلية لإصلاح ما يمكن إصلاحه من الخدمات.

إلا أن مرحلة الهدوء النسبي لم تؤدِّ إلى حل نهائي للأزمة. فقد بقيت الخلافات السياسية والأمنية قائمة، واستمرت حالة عدم الاستقرار، في ظل غياب تسوية شاملة تنهي أسباب الصراع وتعيد بناء الثقة بين مختلف الأطراف.

وفي عام 2018، دخل الجنوب السوري مرحلة مفصلية. فقد بدأت عمليات عسكرية واسعة أدت إلى تغيرات كبيرة في خريطة السيطرة داخل محافظة درعا، وترافقت مع حركة نزوح جديدة، وأوضاع إنسانية صعبة عاشها المدنيون في عدد من المناطق.

ومع تقدم العمليات، بدأت مفاوضات أدت إلى اتفاقات تسوية في مناطق متعددة من المحافظة. تضمنت هذه الاتفاقات ترتيبات مختلفة، من بينها تسليم الأسلحة، وتنظيم أوضاع بعض الأفراد، وعودة مؤسسات الدولة إلى مناطق كانت خارج سيطرتها لسنوات.

وقد اختلفت وجهات النظر حول هذه التسويات؛ فهناك من اعتبرها خطوة أنهت مرحلة طويلة من الحرب وأعادت قدرًا من الاستقرار، بينما رأى آخرون أنها لم تعالج جميع القضايا العميقة التي خلفتها سنوات الصراع، وأن الاستقرار الحقيقي يحتاج إلى معالجة الملفات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية بصورة أوسع.

إنسانيًا، شكلت نهاية عام 2018 نقطة تحول في حياة كثير من سكان درعا. فقد توقفت المعارك الواسعة في مناطق كثيرة، وبدأت بعض العائلات بالعودة إلى منازلها، لكن العودة لم تكن سهلة. فالكثير من البنى التحتية كانت بحاجة إلى إعادة تأهيل، والخدمات الأساسية كانت محدودة، والاقتصاد المحلي كان يحتاج إلى سنوات لاستعادة عافيته.

أما اجتماعيًا، فقد تركت الحرب آثارًا عميقة على المجتمع الحوراني. فقد فقدت عائلات أبناءها، وتغيرت ظروف آلاف الأسر، وتأثر جيل كامل من الشباب والأطفال بتجربة الحرب والنزوح. وأصبح التحدي الأكبر هو كيفية إعادة بناء مجتمع متماسك قادر على تجاوز آثار الانقسام والصراع.

بنهاية عام 2018، كانت درعا قد انتقلت من مرحلة الحرب المفتوحة إلى مرحلة جديدة عنوانها “ما بعد الحرب”. لكنها لم تكن مرحلة استقرار مكتمل، بل مرحلة مليئة بالأسئلة حول المستقبل: كيف يمكن إعادة بناء الاقتصاد؟ كيف يمكن ضمان الأمن؟ وكيف يمكن للمجتمع أن يستعيد حياته الطبيعية بعد سنوات طويلة من الألم؟

لقد كانت أعوام 2016–2018 محطة فاصلة في تاريخ درعا وحوران؛ ففيها انتهت مرحلة عسكرية طويلة، لكنها فتحت الباب أمام تحديات جديدة ستظهر بوضوح خلال السنوات التالية.

2019–2024… ما بعد التسوية وتحديات الاستقرار في درعا وحوران

مع دخول درعا عام 2019، كانت المحافظة قد انتقلت إلى مرحلة مختلفة عن السنوات السابقة. فقد توقفت المعارك الواسعة التي طبعت المشهد منذ عام 2011، لكن انتهاء العمليات العسكرية الكبرى لم يكن يعني نهاية التحديات. فقد بدأت مرحلة جديدة اتسمت بتعقيدات أمنية واجتماعية واقتصادية، جعلت المحافظة تعيش بين رغبة السكان في الاستقرار وبين استمرار آثار سنوات الصراع.

كانت اتفاقات التسوية التي شهدتها مناطق الجنوب السوري عام 2018 قد أعادت رسم المشهد المحلي. فقد عادت مؤسسات الدولة إلى مناطق واسعة، وبدأت الحياة الإدارية والخدمية تستعيد جزءًا من حضورها، إلا أن الواقع الأمني بقي هشًا في العديد من المناطق، مع استمرار حوادث الاغتيال والتوترات المحلية والخلافات التي ارتبطت بتداعيات الحرب الطويلة.

خلال هذه السنوات، واجهت درعا تحديًا أساسيًا يتمثل في بناء استقرار دائم. فالاستقرار لا يرتبط فقط بتوقف المعارك، بل يحتاج إلى وجود مؤسسات قوية، وفرص اقتصادية، وخدمات قادرة على تلبية احتياجات السكان. وهذا ما جعل المرحلة الجديدة أكثر ارتباطًا بالعمل على إعادة بناء الحياة اليومية للمواطنين.

على المستوى الأمني، شهدت المحافظة بين عامي 2019 و2024 أحداثًا متفرقة أثرت على الشعور العام بالأمان. فقد وقعت عمليات اغتيال واشتباكات محدودة في عدد من المناطق، كما بقيت بعض الملفات العالقة من سنوات الحرب تؤثر في المشهد المحلي. وأدى ذلك إلى استمرار حالة القلق لدى بعض السكان، رغم غياب المواجهات الواسعة التي ميزت السنوات السابقة.

وفي عام 2021، شهدت مدينة درعا، ولا سيما منطقة درعا البلد، تصعيدًا أمنيًا جديدًا انتهى إلى تفاهمات هدفت إلى احتواء التوتر وإعادة تنظيم الوضع في المنطقة. وأظهرت هذه التطورات أن مرحلة ما بعد التسوية لم تكن نهاية للأزمة، بل كانت مرحلة تحتاج إلى حلول سياسية واجتماعية أعمق لمعالجة جذور المشكلات.

أما اجتماعيًا، فقد واجه المجتمع الحوراني تحديات كبيرة في محاولة استعادة توازنه. فقد عادت بعض الأسر إلى مناطقها، بينما بقيت أسر أخرى خارج البلاد أو في مناطق نزوح مختلفة. كما ظهرت الحاجة إلى معالجة آثار الحرب على التعليم، ودعم الشباب، وتأهيل المتضررين، وإعادة ترميم العلاقات الاجتماعية التي تأثرت خلال سنوات الانقسام.

اقتصاديًا، كانت السنوات بين 2019 و2024 من أصعب المراحل على السكان. فقد تزامنت أوضاع درعا مع أزمة اقتصادية سورية عامة، تمثلت في تراجع قيمة العملة، وارتفاع الأسعار، وضعف القدرة الشرائية، ونقص فرص العمل. وأثرت هذه الظروف بشكل خاص على الأسر التي تعتمد على الزراعة أو الوظائف محدودة الدخل.

ورغم الصعوبات، بقيت الزراعة عنصرًا أساسيًا في هوية حوران الاقتصادية. فالأرض التي اشتهرت بإنتاج القمح والخضروات والزيتون بقيت مصدر أمل لكثير من السكان، إلا أن القطاع الزراعي واجه تحديات كبيرة، منها ارتفاع تكاليف الإنتاج، وصعوبة تأمين مستلزمات الزراعة، وتأثر شبكات الري والخدمات المرتبطة بها.

وخلال عامي 2023 و2024، ظهرت مجددًا مظاهر الاحتجاجات والمطالب الاجتماعية في مناطق من الجنوب السوري، حيث عبّر جزء من السكان عن ضغوط اقتصادية ومعيشية متزايدة، إضافة إلى مطالب سياسية وإدارية. وأكدت هذه المرحلة أن الأزمات التي تراكمت خلال أكثر من عقد لم تكن أمنية فقط، بل كانت مرتبطة أيضًا بالاقتصاد والخدمات ومستقبل الدولة والمجتمع.

وفي نهاية عام 2024، شهدت سوريا تحولات كبرى أعادت تشكيل المشهد العام في البلاد، وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة مليئة بالأسئلة والاحتمالات. وانعكس هذا التحول على الجنوب السوري، ومنها درعا، التي وجدت نفسها أمام فرصة جديدة لإعادة تعريف دورها في المرحلة المقبلة.

لقد كانت الفترة بين 2019 و2024 مرحلة انتقالية بامتياز؛ فلم تكن زمن حرب شاملة، ولم تكن زمن سلام كامل، بل كانت سنوات بحث عن التوازن بين الماضي والحاضر والمستقبل. سنوات أثبتت أن إنهاء المعارك لا يكفي وحده لبناء السلام، وأن المجتمعات تحتاج إلى العدالة والتنمية والعمل والمؤسسات حتى تستعيد عافيتها.

ومع نهاية هذه المرحلة، بقي السؤال الأكبر أمام درعا وحوران: هل تستطيع هذه الأرض التي حملت أثقال التاريخ أن تتحول من عنوان للصراع إلى نموذج للتعافي وإعادة البناء؟

2025 إلى يومنا هذا… درعا وحوران وسؤال المستقبل

مع دخول عام 2025، بدأت درعا وحوران مرحلة جديدة تحمل معها إرث سنوات طويلة من التحولات. فالمحافظة التي عرفت مراحل متتابعة من الاضطراب والصراع والتسويات، أصبحت أمام استحقاق مختلف: كيف تنتقل من إدارة آثار الماضي إلى صناعة المستقبل؟

لم تعد الأولوية بالنسبة لكثير من أبناء المنطقة مرتبطة بالمواجهات العسكرية كما كانت في سنوات سابقة، بل أصبحت مرتبطة بقضايا الحياة اليومية: الأمن، والعمل، والتعليم، والصحة، وعودة النشاط الاقتصادي، وترميم الثقة بين المجتمع ومؤسساته. فبعد أكثر من عقد من الأحداث المتلاحقة، أصبح المواطن يتطلع قبل كل شيء إلى حياة مستقرة تحفظ كرامته وتمنحه فرصة لبناء مستقبله.

إن التحدي الأكبر أمام درعا اليوم ليس إعادة بناء الحجر فقط، بل إعادة بناء الإنسان. فالحرب تركت آثارًا عميقة على المجتمع؛ هناك أسر فقدت أبناءها، وشباب عاشوا سنوات من عدم الاستقرار، وأطفال تأثر تعليمهم، وعائلات اضطرت إلى الهجرة أو النزوح. ولذلك فإن أي مشروع للنهوض يحتاج إلى أن يضع الإنسان في مركزه، عبر التعليم، وفرص العمل، والرعاية الاجتماعية، وفتح الطريق أمام جيل جديد قادر على المشاركة في بناء المستقبل.

اقتصاديًا، تبقى حوران تملك مقومات مهمة يمكن أن تجعلها من المناطق الحيوية في سوريا. فالأرض الزراعية، والموقع الجغرافي، والقدرات البشرية، كلها عناصر يمكن أن تشكل قاعدة للنهوض إذا توفرت بيئة مستقرة ومشاريع تنموية حقيقية. فالزراعة ليست مجرد مصدر دخل، بل هي جزء من هوية المنطقة وتاريخها، وإعادة إحيائها تعني إعادة الاعتبار لقطاع شكّل لعقود طويلة أساس حياة الناس.

كما أن موقع درعا على الحدود الجنوبية يمنحها أهمية خاصة في أي تصور اقتصادي مستقبلي. فالمناطق الحدودية لا تكون فقط خطوطًا فاصلة بين الدول، بل يمكن أن تصبح جسورًا للتجارة والتعاون والتبادل إذا توفرت الظروف السياسية والأمنية المناسبة.

أما اجتماعيًا، فإن حوران تمتلك رصيدًا كبيرًا من التماسك المجتمعي. فقد أثبت أهلها عبر مراحل صعبة قدرتهم على التكافل ومساندة بعضهم البعض. لكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تعزيز لغة الحوار، وتجاوز آثار الانقسام، وبناء علاقة جديدة بين أبناء المجتمع تقوم على المواطنة والمصلحة المشتركة.

ولا شك أن الأمن سيبقى أحد أهم مفاتيح المستقبل. فالتنمية لا يمكن أن تزدهر في ظل الفوضى، والاستقرار الحقيقي لا يتحقق فقط بغياب المواجهات، بل بوجود قانون عادل، ومؤسسات فاعلة، وشعور المواطن بأن مستقبله مرتبط بالأمان والعدالة.

إن مستقبل درعا لن تصنعه القرارات السياسية وحدها، بل ستصنعه أيضًا تفاصيل الحياة اليومية: المزارع الذي يعيد زراعة أرضه، والمعلم الذي يفتح كتابه أمام طلابه، والطبيب الذي يعالج مرضاه، والشاب الذي يجد فرصة ليبني حياته بدلًا من البحث عن طريق للهجرة.

درعا… من ذاكرة الألم إلى أفق الأمل

ستبقى درعا أكثر من مجرد اسم على خريطة سوريا. فهي أرض تحمل ذاكرة طويلة من الحضارة والعمل والصمود. عرفت الازدهار كما عرفت المحن، وعاشت التحولات الكبرى التي غيرت وجه البلاد، لكنها بقيت محافظة على خصوصيتها وهويتها.

لقد كتبت السنوات الماضية فصولًا قاسية في تاريخ حوران، لكنها لم تكن الفصل الأخير. فالتاريخ لا يُقاس فقط بما تتعرض له المدن من أزمات، بل بقدرتها على النهوض بعدها. والمدن العريقة لا تفقد مكانتها حين تمر بالعواصف، بل تظهر قيمتها الحقيقية عندما تبدأ مرحلة البناء.

إن درعا التي دخلت التاريخ من بوابة الأحداث الكبرى، تملك اليوم فرصة أن تدخل فصلًا جديدًا من تاريخها؛ فصلًا لا يُكتب بصوت الحرب، بل بصوت العمل والتعليم والتنمية والاستقرار.

فحوران لم تكن يومًا مجرد أرض زراعية، بل كانت مجتمعًا حيًا يحمل قيم الانتماء والكرامة والإصرار. وإذا استطاعت سوريا أن تفتح صفحة جديدة قائمة على العدالة والتنمية وسيادة القانون، فإن درعا قادرة على أن تكون إحدى المدن التي تستعيد دورها الطبيعي: بوابة للجنوب، ومركزًا للحياة، وشاهدًا على أن الشعوب، مهما أثقلتها التجارب، تستطيع أن تبدأ من جديد.