نزع السياسة عن المجتمع

مازن كم الماز

إنجاز تغيير حقيقي في الأنظمة العربية بيد شعوبها أو أن تصبح هذه الشعوب قادرة على التأثير في حكامها أو في اختيارهم أو في تصور أبعد، فيكون لها الكلمة الفصل في تحديد السياسات التي تتحكم بحياتها. إنجاز هذا التغيير الذي يمكن وصفه بالحقيقي ما يزال معضلة حقيقية .

شاهدنا في كثير من الأحيان تغيير رأس النظام أو ايديولوجيته لكن علاقة هذه الأنظمة بمجتمعاتها بقيت حتى اليوم غير متوازنة في أفضل الأحوال. ورغم كل محاولات التغيير التي بدأت بحراك من هذه الشعوب بقيت الأولوية للعامل الخارجي الذي كان حاسمًا سواءً في بقاء هذه الأنظمة أو زوالها، وبالتالي تعودت الأنظمة العربية على اختلافها على التأقلم مع هذا العامل الخارجي أو النفوذ الخارجي و إملاءاته.

انتفاضات الخبز التي بدأت في مصر في يناير ١٩٧٧ واجتاحت تونس و المغرب في الثمانينات وصولًا حتى الجزائر نجحت في أفضل الأحوال في إجبار السلطات على التراجع عن قراراتها برفع الأسعار، لكن حتى تغيير رأس النظام انتظر انقلابًا في القصر كالذي قام به زين العابدين على بورقيبة. ولم تنجح انتفاضة الجنوب و الشمال في العراق بعد هزيمة صدام في حرب الخليج الأولى في إسقاط النظام الذي تمكن من هزيمة المتمردين و لم يسقط إلا بدخول قوات المارينز في ٢٠٠٣ بعد هجمات سبتمبر.

حتى التمردات المحلية و المناطقية كما شاهدنا في كردستان العراق و جنوب السودان كانت تعتمد أساسًا على الدعم الخارجي وعندما كان هذا الدعم يتوقف كما فعل شاه إيران مع تمرد أو ثورة البرزاني الأب كانت الثورة تتراجع أو “تُهزم”. فقط عندما اشتدت أزمة نظام البشير لدرجة جعلته مستعدًا للتفريط بجنوب البلاد مقابل البقاء في السلطة تمكن الجنوب من انتزاع استقلاله قبل أن تعصف به هو أيضًا حرب أهلية طاحنة.

لم تخرج انتفاضات أو ثورات الربيع العربي عن هذه القاعدة، عندما تم قمع الاحتجاجات في بلد ما كالبحرين مثلًا بقبول ضمني أو دعم من القوى الدولية الكبرى تم القضاء على هذه الاحتجاجات و عندما حظيت هذه الاحتجاجات بدعم تلك القوى كما في ليبيا سقط النظام بفضل تدخل مباشر من الناتو.

في سوريا و بعد تحول الاحتجاجات إلى صراع عسكري مفتوح أصبح مرتهنًا بدعم القوى الإقليمية والدولية كان بقاء النظام و بعد ذلك سقوطه نتيجة تدخل خارجي أنقذ النظام البائد مرةً و عجز عن ذلك أو سمح بسقوطه بعد ذلك.

ما تزال السياسة في بلادنا تعني محاولة المفاضلة بين القوى الخارجية الإقليمية والدولية ومحاولة التنبؤ بسياساتها و الأمل أن تخدم هذه السياسات مصالح شعوبنا، بينما من المفترض أن تقوم السياسة بشكلها غير السلطوي أو الديمقراطي على حق و قدرة الناس على أن يفكروا و يقرروا لأنفسهم لا أن يكتفوا بالتصفيق أو الصمت و انتظار أن يتولى آخرون التفكير عنهم واتخاذ القرارات التي تتحكم بحياتهم.