السويداء عند مفترق الطرق: قراءة في تعقيدات الجنوب السوري بعد عام من التحولات الشاملة


بقلم : بهاء الشايب

لم تعد محافظة السويداء مجرد جغرافيا حدودية هادئة على هامش الخارطة السورية المعقدة، بل تحولت اليوم في منتصف عام 2026إلى واحدة من أكثر الساحات اختباراً لقدرة الدولة المركزية بدمشق على إدارة التنوع وفرض الاستقرار. فبين مساعي الحكومة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع لإعادة ضبط معادلة الحكم والسيطرة في الجنوب، وبين تمسك تيارات محلية بصيغة “الإدارة الذاتية”، يعيش جبل العرب حالة مخاض سياسي وأمني غير مسبوقة.

جذور التوتر ومخاض السيطرة:

منذ منتصف عام 2025، دخلت السويداء منزلقاً حاداً إثر اشتباكات دموية تداخلت فيها العوامل العشائرية بالسياسية، وانتهت بانسحاب جزئي للقوات الحكومية لصالح انتشار الفصائل المحلية. هذا الفراغ الأمني شجع على صعود قوى عسكرية داخل المحافظة، أبرزها “الحرس الوطني” المدعوم من الرئاسة الروحية للموحدين الدروز ممثلة بالشيخ حكمت الهجري، الذي يتبنى خطاباً تصعيدياً يطالب بـ “تقرير المصير” وبناء إدارة ذاتية منفصلة إدارياً عن دمشق.

لكن هذه الرؤية تصطدم برغبة دمشق في تطبيق نموذج “إدارة خاصة منضبطة” تحت سقف الدولة الموحدة، ومحاولة تجنب سيناريوهات التفتيت التي عانت منها البلاد طويلاً.

حزيران 2026 غليان شعبي وأزمة هوية إدارية:

شهدت السويداء تطورات متسارعة زادت من قتامة المشهد مع

.النزيف البشري والظروف المعيشية: تحت وطأة الحصار الاقتصادي غير المعلن، وانسداد الأفق السياسي، بدأت عائلات عديدة بمغادرة المحافظة هرباً من الضغوط المعيشية المتفاقمة وفقدان الأمان الاستراتيجي.

الأبعاد الإقليمية والدولية: حافة الهاوية

لا يمكن فصل أزمة السويداء عن بعد أمنها الإقليمي؛ فالحدود القريبة مع الأردن تجعل المحافظة ساحة صراع دولي ضد شبكات (تهريب المخدرات (التي استغلت الفراغ الأمني للتحصن في مناطق النزاع. في الوقت ذاته، تبرز التدخلات الإسرائيلية المستمرة كعامل تأزيم إضافي، حيث يسعى الاحتلال إلى إضعاف سلطة دمشق في الجنوب ومنعها من بسط نفوذها تحت لافتة “حماية الأقليات”، وهو ما يدفع بالمنطقة بأسرها نحو حافة الهاوية.

سيناريوهات المستقبل: انقسام البيت الداخلي

تقف السويداء اليوم أمام ثلاثة مسارات مرتقبة تتبلور في كواليس النخب السياسية:

  1. صراع داخل البيت الدرزي: انقسام مجتمعي حاد بين تيار سياسي يمثله الهجري بخطابه الاستقلالي الاستقوائي بالخارج، وتيار من الوجهاء والشخصيات المعتدلة التي ترى أن مصلحة الجبل التاريخية والوجودية تكمن في البقاء كجزء لا يتجزأ من النسيج الوطني السوري.
  2. التفاهم التدريجي الهادئ: نجاح دمشق- عبر وساطات إقليمية وتحسين بيئة الخدمات والبنية التحتية- في سحب البساط من دعاة

الانفصال، وإعادة دمج السويداء تدريجياً عبر نموذج لامركزي إداري منضبط.

3.الاستنزاف المستمر: بقاء الوضع على ما هو عليه من اشتباكات متقطعة وفوضى فصائلية، مما يحول الجبل إلى بؤرة استنزاف دائمة للدولة السورية الناشئة.

خاتمة:إن معركة السويداء اليوم ليست معركة عسكرية بالمدفع والرصاص فحسب، بل هي معركة صياغة “العقد الاجتماعي الجديد” لسوريا المستقبل. إن حماية التنوع في جبل العرب ومحاسبة المتجاوزين من كافة الأطراف هما المفتاح الوحيد لإغلاق هذه الثغرة الأمنية، وإلا فإن غيمة عدم الاستقرار ستبقى تظلل الجنوب، مهددة بإغراق دمشق ومحيطها الإقليمي في دوامة جديدة من الصراعات الطائفية والسياسية.