بقلم: أماتزيا بارام،20\5\2026
https://www.gisreportsonline.com/r/iran-decision-making-structure
- هيئة الترجمة في الحزب الشيوعي السوري(المكتب السياسي)
مراكزالنفوذالمتنافسةتُشكّلمسارالتفاوض،ومخاطرالتصعيد،والقراراتالاستراتيجيةالإقليمية
أسفرت عملية “الغضب الملحمي” عن تعميق حدة العداوات في الشرق الأوسط، وأظهرت هشاشة وقف إطلاق النار، وقادت إلى إغلاق مضيق هرمز، مع شُح الحلول المتعلقة بالملف النووي الإيراني. في أعقاب مقتل عدد من كبار القادة الإيرانيين، باتت المسألة الجوهرية في خضم المفاوضات الدائرة بين إيران والولايات المتحدة وحلفائهما لا تتعلق بما هو مطروح على طاولة التفاوض، بل بمن يمسك فعلياً بزمام القرار في طهران، وما هي مآلات الأزمة في حال تعذّر التوصل إلى تسوية سياسية.
فمن يقود المشهد في العاصمة الإيرانية؟
الحرس الثوري الإسلامي
يُمثّل الحرس الثوري الإسلامي اليوم مركز الثقل في المنظومة الإيرانية، وإن ظل رجال الدين والسياسيون يضطلعون بأدوار بارزة في مسار التفاوض. وقد كشف الهجوم الإيراني على دول الخليج العربي والمطالب التفاوضية الصارمة أن القرار يتمركز في الغالب لدى التيار المتشدد داخل القيادة، غير أنه لا يصدر عنه وحده؛ إذ يُسهم التيار البراغماتي أيضاً، وإن ظل إسهامه دون المستوى الكافي لطرح مقاربة مرنة.
تُقدَّر قوات الحرس الثوري النظامية بما بين مئة وخمسين ألفاً ومئة وتسعين ألف عنصر، مستقلةً عن الجيش النظامي الخاضع لسلطة الدولة، فضلاً عن إشرافه على نحو مليون عنصر من مليشيا الباسيج. وعقب اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، أمسك اللواء أحمد وحيدي ودائرته المقربة المضمومة إليها كبار قادة الحرس بزمام القرار الفعلي في إيران.
يسود في الغرب تحليل شائع مفاده أن الحرس الثوري يتألف من متعصبين شيعة يؤثرون الشهادة على أي تنازل سياسي من شأنه إنقاذ النظام. وما من استطلاع رأي شامل يُتيح الجزم بذلك، لكن الشواهد التاريخية المتاحة تُشير إلى اتجاه مغاير إلى حد بعيد.
فخلال حرب العراق وإيران (1980-1988)، خاض عناصر الحرس الثوري وضباطه المعارك بشجاعة، وإن دفعوا بآلاف الشباب إلى جحيمها في هجمات مشاة كثيفة حُرم بعضهم من أسلحة. ومع ذلك، حين قبل الخميني في أغسطس 1988 بوقف إطلاق النار مع صدام حسين، رضي القادة به دون أي اعتراض؛ بل كانوا هم من اقترحه أصلاً على الخميني. فقد قاتلوا من أجل إيران ومن أجل الخميني ومن أجل الثورة ومُثُل الإسلام الشيعي، لكنهم لم يكونوا انتحاريين. وفي عام 2013 قبلوا قرار خامنئي بالتفاوض على الملف النووي مع الولايات المتحدة، وأذعنوا للاتفاق النووي عام 2015. فسواء أكان الحرس الثوري لا يزال مؤسسة مكتنفة بالأيديولوجيا أم لا، فهو يحسن قراءة ضرورات النظام والتصرف بما يخدمها، ولن يسعى إلى الموت لدواعٍ أيديولوجية محضة. قراراته تخضع للحسابات المصلحية. والسؤال المحوري: ما هي مصالح الحرس الثوري؟
تولّى اللواء أحمد وحيدي قيادة الحرس منذ الأول من مارس 2026، وقد عُرف دوماً بتشدده وأثبت ذلك حين أصدر أوامره بشنّ هجمات على دول الخليج العربي. وحين بادر الرئيس مسعود بزشكيان إلى الاعتذار لتلك الدول وتعهّد بعدم تكرار ما جرى، وبّخه وحيدي توبيخاً صارماً وعادت الهجمات أشد وطأة. ويُعتقد أن وحيدي هو القائد الرفيع الوحيد المخوّل بلقاء مجتبى خامنئي. ويبدو وفق ما يمكن استجلاؤه أنه وكبار قادة الحرس هم أصحاب القرار الفعلي.
قبيل تعيينه قائداً، شغل وحيدي منصب نائب القائد من ديسمبر 2025 حتى وفاة محمد باكبور في يوم مقتل خامنئي في 28شباط 2026 ، كما تولى حقيبة الداخلية بين عامَي 2021 و2024، وهو عضو في مجمع تشخيص مصلحة النظام. وقد استغرق جزء وافر من مسيرته في قيادة فيلق القدس بين عامَي 1988 و1997، قبل أن يخلفه في المنصب اللواء الراحل قاسم سليماني.
يُفسّر هذا الإرث المديد تمسّكه المستميت باشتراط أن يشمل أي وقف إطلاق نار في حرب 2026 حركةَ حزب الله؛ إذ أن التخلي عن حليف أفنى في خدمته قرابة عقد من حياته أمراً لا يُحتمل. وحين اضطر في نهاية المطاف تحت وطأة الضربات الأمريكية والإسرائيلية إلى التراجع ودخول إيران مسار التفاوض، ظلت بصماته المتشددة راسخة على الطروحات الإيرانية.
مصالح الحرس الثوري وأهدافه
تتصدر قائمة أولويات الحرس الثوري الإبقاءُ على النظام، لكن بشرط صون مكانته المتميزة داخله. فالتفوق الإسرائيلي الصاعق في أجواء طهران واغتيال شريحة واسعة من القيادة الإيرانية ألحقا بالحرس إهانة بالغة فاقت كل تصور، وبات كثير من الإيرانيين يشككون في قدرته على الوفاء برسالته حراسةً للثورة. والدافع الذي يحرك الحرس اليوم ليس التعصب الديني بقدر ما هو الوعي الحاد بأنه لا يتحمّل انتكاسة أخرى؛ فلصون مكانته لا بد له من انتزاع نصر ” ما ” يُعلنه.
وتتمحور أهدافه الأربعة الجوهرية حول: أولاً، عدم تقديم أي تنازل فوري في الملف النووي. ثانياً، موارد لإنعاش الاقتصاد، أي الرفع الكامل للحصار الغربي. ثالثاً، ضمانات صارمة ونهائية تُوقف الهجمات الأمريكية والإسرائيلية إلى الأبد. رابعاً، اعتراف دولي فعلي بالسيادة الإيرانية على مضيق هرمز، وهو هدف بات منجزاً بالفعل إذ باتت عشرات السفن ترتّب مرورها مباشرةً مع طهران.
أما المطالب الأخرى كالتعويض عن خسائر الحرب، والاعتراف الأمريكي الرسمي بالسيادة الإيرانية على المضيق، وإخلاء القواعد الأمريكية من منطقة الخليج، فتُطرح في سياق التحدي والتصعيد أكثر من كونها برنامجاً سياسياً حقيقياً. وما دام المضيق مغلقاً، يرى الحرس أن بيده ورقة ضغط هائلة على الولايات المتحدة، ولا يرى ضرورة لتنازلات جوهرية.
مجتبى خامنئي.. المرشد الجديد
تم الاعلان عقب اغتيال علي خامنئي عن تولي مجتبى خامنئي، الابن الأصغر للمرشد الراحل، منصب المرشد الأعلى، وإن ظل الغموض يكتنف ترتيبات الخلافة في ظل انشغال إيران بأتون الأزمة. ويتمتع مجتبى بنفوذ عميق داخل المنظومة المؤسسية للنظام؛ إذ عمل على مدار سنوات وسيطاً بين مكتب والده وقيادة الحرس الثوري.
بيت المرشد
كان مكتب المقام المعظم للقيادة، المعروف بـ”بيت الرهبري”، منذ عام 1989 المقر الرسمي والإداري للمرشد الأعلى، حتى دمّره سلاح الجو الإسرائيلي في الثامن والعشرين من فبراير 2026. وقد جمع هيكلُه بين تقاليد “البيت” بوصفه ديواناً دينياً لمرجع ديني رفيع، وبين صرامة البيروقراطية الحديثة. يقع المكتب في قلب طهران وأدار شؤونه منذ 1989 “حجة الإسلام” محمد محمدي كلبايكاني، الذي يُرجَّح أنه لقي حتفه مع خامنئي.
وبينما اضطلع كلبايكاني بالدور الإداري، كان مجتبى خامنئي القوة الحقيقية خلف الكواليس والشخصية الأنفذ في هذا الكيان. وفي عام 2026، كان يعمل في المكتب نحو أربعة آلاف موظف، يعضدهم أربعون ألف عميل موزعين في مفاصل الجهاز الحكومي الإيراني؛ وهو ما جعل منه أداة المرشد في الإحاطة بكل شيء والسيطرة على كل مفصل. كانت الحكومة تُدير الشؤون اليومية، والمكتب يُراقبها. وعلى الرغم من تدمير المجمع وسقوط بعض موظفيه، لا يزال المكتب يُمارس مهامه.
أما أبرز مستشاري مجتبى خامنئي وأوثقهم صلةً بقائد الحرس الثوري أحمد وحيدي، فهو المستشار محسن رضائي، الذي قاد الحرس قائداً أعلى لست عشرة سنة متواصلة (1981-1997)، ويُصنَّف في خانة المتشددين الراسخين. غير أنه وإن عارض وقف إطلاق النار مع صدام حسين حتى بعد انسحاب قواته من الأراضي الإيرانية عام 1982، فقد نصح الخميني في نهاية المطاف بإنهاء الحرب عام 1988، ما يُلمّح إلى براغماتية كامنة قابلة للتفعيل.
في الرابع عشر من مارس 2026، صرّح رضائي: “إنهاء الحرب بيدنا، ولن نفكر فيه إلا حين نتقاضى التعويض الكامل عن أضرارنا من الولايات المتحدة، وحين نحصل على ضمانات مئة بالمئة للمستقبل، وهو ما لن يتحقق دون انسحاب الأمريكيين من الخليج الفارسي بأكمله.” خلاصة تجمع بين أعلى السقوف الإيرانية وأبعدها عن الواقع: فبغياب القوات الأمريكية، تنفردُ إيران بالهيمنة على المنطقة. وبحلول أواخر مايو 2026، كان رضائي مقتنعاً بأن واشنطن ستنكسر في نهاية المطاف، وأن ثمة ثمة لا حاجة إذن لأي تنازل.
المقر المركزي لخاتم الأنبياء
منذ عام 2016، يُمثّل المقر المركزي لخاتم الأنبياء الحلقة القيادية العليا الجامعة بين الجيش النظامي (الأرتش) والحرس الثوري، ولا يمكن لأي عملية عسكرية أن تنطلق دون موافقته وتنسيقه. وفي غياب مرشد أعلى فاعل ومنخرط، اضطر الحرس الثوري إلى استئذانه قبل إطلاق عملية “الوعد ” ضد دول الخليج العربي وإسرائيل في مارس 2026، وقبل إغلاق المضيق. ويضطلع هذا المقر بدور محوري في صنع القرار السياسي على طاولة التفاوض مع الولايات المتحدة.
وعقب اغتيال قائده ونائبه في حرب الاثني عشر يوماً في يونيو 2025، تولّى اللواء علي عبدالهي عليآبادي قيادته، فيما يشغل منصب نائبه العميد محمد جعفر أسدي. وكلاهما من كبار ضباط الحرس الثوري السابقين وقدامى حرب العراق وإيران، ومن المتشددين المعروفين.
المجلس الأعلى للأمن القومي
يُعدّ هذا المجلس أرفع هيئة للتخطيط السياسي، يُقدّم للمرشد الأعلى استشاراته في الشؤون الاقتصادية والأمنية والخارجية والاجتماعية وحتى الثقافية. وبطبيعة الحال، يبقى نفوذه الفعلي موضع تساؤل في ظل تعطّل دور المرشد الأعلى على ما يبدو، وإن ظل الجمع الذي يضمه من كبار القيادات السياسية والأمنية عاملاً لا يُستهان به.
يتصدّر الأعضاء العسكريين قائدُ الحرس الثوري، ويليه رئيس الأركان العامة وقائد الجيش النظامي. وعلى الجانب المدني، يبرز خمسة أعضاء تتقاطع أهميتهم مع الأعضاء العسكريين: الرئيس مسعود بزشكيان الإصلاحي، ووزير الخارجية عباس عراقجي أيضاً من الإصلاحيين، والأمين الجديد للمجلس محمد باقر ذوالقدر المتشدد الصلب، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف المتشدد المتحوّل إلى براغماتية، وأخيراً رئيس القضاء المتشدد آية الله غلام حسين محسني إجئي، الذي صدرت بأمره أحكام إعدام بحق آلاف المتظاهرين السياسيين، وكان في أحداث ديسمبر 2025 ويناير 2026 في طليعة الأصوات التي ضغطت على المرشد لإصدار أوامره لمليشيا الباسيج بإطلاق النار.
في المشهد الراهن، تراجع الرئيس والمتحدث ووزير الخارجية إلى المقاعد الخلفية، وإن ظلوا يُجسّدون ركيزة دستورية بالغة الأهمية. فالرئيس بزشكيان فاز بالانتخابات بأغلبية شعبية ساحقة، ورئيس البرلمان قاليباف انتخبه مجلسٌ هو نفسه جاء بانتخابات عامة.
لا تُعدّ إيران ديمقراطية بأي معيار، غير أنها منذ عهد الخميني تحرص على الإبقاء على زخرفة شبه ديمقراطية في صورتها الرسمية. فطوال عهد علي خامنئي لم يُقَل أي رئيس بالاستجواب رغم الخلافات العرضية، لأن الإقالة تبدو منافية للنهج الديمقراطي المُعلن. وعلى الرغم من تهميش الرئيس وحكومته ورئيس البرلمان في أعقاب اغتيال علي خامنئي، لم يُقَل أيٌّ منهم من منصبه.
يحرص الرئيس بزشكيان ورئيس البرلمان قاليباف على التواجد المكثف في المشهد الإعلامي لقيادة مسيرات مؤيدة للنظام في شوارع طهران، فيما يقود وزير الخارجية ملف التفاوض مع الولايات المتحدة. وبما أن النظام يُقدّم هؤلاء ممثلين للإرادة الشعبية وإرادة المرشد معاً، فإن الحرس الثوري يحتاجهم لاكتساب شرعيته في عيون ما بين عشرين وأربعين بالمئة من الإيرانيين الذين لا يزالون يؤيدون النظام، تجنباً للظهور بمظهر منفذي انقلاب عسكري؛ وهو أمر أقرب إلى المحرّمات في نظر المؤمنين بثورة الخميني الإسلامية.
البرلمان
يفتقر البرلمان الإيراني إلى نفوذ حقيقي، إذ يملك المرشد الأعلى أو مجلس تشخيص مصلحة النظام صلاحية إبطال أي تشريع يصدر عنه. بيد أنه بوصفه هيئة منتخبة انتخاباً شعبياً، يُرسّخ حضوره في المناخ السياسي ويدّعي تمثيله لمزاج الناخبين. وتحتل الأغلبية الكاسحة من مقاعده الـ290 تياراتُ المتشددين.
أبرز هذه التيارات “جبهة ثبات الثورة الإسلامية” (بايداري) التي تستحوذ على سبعة وعشرين بالمئة من المقاعد وتُمثّل الحزب الإسلامي الأشد أيديولوجية وتطرفاً في المشهد السياسي القانوني الإيراني. وعقب وقف إطلاق النار عام 2026 مباشرةً، قاد سعيد جليلي، أبرز وجوه الجبهة والمرشح الرئاسي الخاسر عام 2024، مظاهرة حاشدة في طهران رفضاً للمفاوضات. وكان راعي الجبهة قبل الحرب يُعتقد أنه مجتبى خامنئي بالذات. وكلما احتاج المتشددون في الحرس الثوري إلى دعم مواقفهم الرافضة، وجدوا في جليلي وحزب بايداري سنداً جاهزاً.
السيناريوهات
الأرجح: تفعيل واشنطن لمشروع الحرية
تعمد الولايات المتحدة إلى فتح ممر آمن في مضيق هرمز، فتردّ إيران بشنّ هجمات على الإمارات العربية المتحدة وربما المملكة العربية السعودية والبحرين أيضاً. والإيرانيون يُفكرون بمعادلة تصعيدية: لكل ضربة أمريكية مثيلتها. وقد تُحذّر واشنطن طهران من أن أي هجوم جديد سيُفضي إلى تدمير البنية التحتية المدنية الإيرانية، غير أن الحرس الثوري على الأرجح سيطلق النار رغم ذلك.
الأرجح: استئناف الحرب الفعلية
إن استأنفت الولايات المتحدة – وإسرائيل في الغالب معها – حملة عسكرية محدودة ورمزية، ردّت إيران بالمثل. وستنجو عُمان وقطر من الاستهداف، فيما ستقع سائر دول الخليج العربي تحت وطأة الضربات، وفي مقدمتها الإمارات. وإن كان الهجوم الأمريكي مكثفاً وطال بنية تحتية واسعة، جاء الرد الإيراني بالقدر ذاته. وقد أعلن الحرس الثوري صراحةً أنه في حال تعرّض البنية التحتية المدنية الإيرانية للقصف، سيردّ بتدمير صناعة النفط والبنية التحتية المدنية الإسرائيلية والخليجية. وفي السادس والعشرين من أبريل 2026، كشفت وسائل إعلام الحرس الثوري أن إيران ستقطع الكابلات الاتصالية المغمورة في قاع مضيق هرمز.
كما تلوّح إيران بإعادة تفعيل التهديد الحوثي اليمني لحركة الملاحة في مضيق باب المندب والبحر الأحمر، وهي ليست تهديدات جوفاء. في مثل هذا السيناريو، سيكون الضرر بالاقتصاد الدولي جسيماً، فيما ستجد إيران ذاتها في وضع بالغ الهشاشة، تعاني شُح الكهرباء والغاز والوقود والإيرادات، مع أزمة مياه حادة لا مفرّ منها بعد موسم الجفاف القياسي الذي سبق الحرب.
وثمة مسار وسط يتمثل في هجوم واسع النطاق يستهدف المنشآت العسكرية الإيرانية بهدف تجريد طهران من قدراتها الضاربة، مع ما قد يترتب على ذلك من تآكل دعم النظام داخل الجيش النظامي، فيما سيكون رد فعل الحرس الثوري هجمات على دول الخليج العربي وإسرائيل مشابهة لما جرى في الحرب الماضية.
محتمل: يستمر الحصار الأمريكي ويُربك الاستراتيجية الإيرانية
أمام واشنطن خيار آخر: بدلاً من استئناف الحرب، الاستمرار في حصار هرمز والانتظار. سيكون ذلك مرهقاً لواشنطن داخلياً ودولياً، لكنه سيكون أشد وطأةً بكثير على النظام الإيراني. في هذه الحالة، لن يُبادر الحرس الثوري إلى إطلاق النار، بل سيلجأ إلى لعبة انتظار مع الولايات المتحدة، على اقتناع بأن الأمريكيين سيرمشون أولاً.
يستطيع النظام الإيراني حماية النخبة وقاعدة نفوذه من وطأة حصار لا يدوم إلا أشهراً، لكنه لن يستطيع توفير ذلك لجميع مؤيديه البالغين نحو عشرين إلى خمسة وعشرين مليون نسمة، بافتراض أن نحو ربع السكان لا يزالون يساندون النظام. فربما يتمكن من كفالة عناصر الحرس والباسيج المنتظمين، لكن ليس أكثر من مليون عنصر من الباسيج غير النظامي، ولا مئتين وخمسين ألف رجل شرطة، ولا ثلاثمئة وخمسين ألف جندي من الجيش النظامي وذويهم، فضلاً عن ملايين المؤيدين المدنيين.
وإن كان الحرس الثوري بالفعل جماعة متعصبة تؤثر الشهادة على التنازل، فلن تكون النتيجة سوى مزيد من البؤس والدمار في إيران. وواشنطن لن تغامر بغزو إيران لإسقاط النظام، إذ يمتلك الحرس دوماً من الطائرات المسيّرة والصواريخ والألغام ما يكفي لإبقاء المضيق مغلقاً أمداً طويلاً. وإن انتظرت واشنطن، فسيجد العالم طرقاً للالتفاف على المضيق وسيستعيد الاقتصاد الدولي عافيته – في حين لن يفعل الاقتصاد الإيراني. بيد أن الولايات المتحدة والغرب لن يستسيغا الانتظار إلى ما لا نهاية؛ وسيضطران آنذاك إلى كسر الحصار الإيراني على الخليج.
ومع ذلك، وكما يُلمّح سلوكهم التاريخي، فالحرس الثوري لا يُقبل على الأذى الذاتي. فإن أحكم الرئيس ترامب إطباقه على الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة واليابان ودول الخليج العربي، وربما الصين، وأجبرهم على الانضمام إليه لانتزاع قرار إيراني بفتح المضيق، فلن يجد الحرس الثوري في مقدوره تجاهل ذلك. لكن راهناً يرى الحرس أنه بموقف المنتصر وأن لا داعي للتنازل.
حين يحتدم الصراع ويصل إلى حافة اللارجعة، سيبحث الحرس عن تسوية لا تُلحق به إهانة قاتلة. وتبقى المسألة النووية وفتح المضيق في أعلى سلم الأولويات الأمريكية. ففي الثالث من مايو أُفيد بأن الجانب الإيراني وافق من حيث المبدأ على التنازل عن اليورانيوم المخصّب ووقف التخصيب لخمسة عشر عاماً. ولحدوث ذلك، على المرشد الأعلى أن يستحضر مبدأ والده “المرونة البطولية” ويُجبر الحرس الثوري على تقديم تنازلات. وفي واقع الأمر، قد يكون الحرس ذاته هو من يُوصي المرشد سراً بأن يُبدي مرونة، كما أوصى الخميني عام 1988 بإنهاء حرب العراق وإيران. وحين يحدث ذلك، سيحمل الرئيس ووزير خارجيته ورئيس البرلمان عبء التبعات السياسية لتلك التنازلات.
الأقل احتمالاً: تغيير القيادة وتنازلات نحو السلام
تحوّل حقيقي في النظام يُمكّن المعتدلين من التخلي عن الطموحات النووية الإيرانية والادعاءات الإقليمية على المضيق ودعم الوكلاء الإسلاميين يبدو أقل احتمالاً في المدى المنظور. والأرجح أن يسود العكس: فلإخماد سخط شعبي متراكم، سيزداد النظام قمعاً. ومع ذلك، إن أصر الرئيس ترامب على “صفر تخصيب” ومضيق مفتوح ورفض النظام القائم تلك المطالب، فإنه سيكون يدفع إيران نحو جدار من الحديد.
وإن مضت واشنطن في حصارها، فإن النظام بما يعتريه من فساد مؤسسي ومن عجز اقتصادي وإنفاق على الوكلاء البعيدين ونفقات أمنية ضخمة، يُضاف إليها ثقل الحرب الأربعينية عام 2026، لن يصمد أكثر من بضع سنوات. وقد لا تمر إلا أشهر قليلة حتى يعصي عناصر الباسيج تطلق أوامر إطلاق النار، فتنتفض الجماهير من جديد.
