أقطاب جديدة أم عالم متغيّر؟

سمير سالم

يبدو أنَّ ما كان يجول في خاطر الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبيل بداية العملية العسكرية في 28 شباط/ فبراير 2026 التي أسماها “الغضب الملحمي” أنْ تكون عملية خاطفة وسريعة، ينهار فيها النظام الايراني بمجرد مقتل قادته أو تندلع فيه ثورة شعبية تُسقط النظام مع استمرار القصف الأميركي والإسرائيلي لمواقع حسّاسة ومؤثرة سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا. سرعان ما تحولت هذه الخاطرة إلى مستنقع بدت فيه الإدارة الأميركية بلا سيناريو خروج، والحرب التي بدأت بسعي إسرائيلي واضح إلى إسقاط النظام، أعلن الرئيس الأميركي نهايتها في حزيران/ يونيو بأنَّ التعهد بعدم امتلاك أسلحة نووية يكفيه!

المؤكد أنَّ هذه العملية ستبدّل كثيرًا من المعادلات والتوازنات الإقليمية والاستراتيجيات المستقبلية لدول المنطقة، لا سيّما دول الخليج. وربما علينا لنفهم أبعاد هذا الأمر إقليميًا العودة إلى تصريح لدونالد ترامب في عام 2018، في ولايته الرئاسية الأولى، حين صرّح خلال مؤتمر صحفي جمعه بنظيره الفرنسي: “هناك دول لن تبقى لأسبوع واحد دون حمايتنا. عليهم دفع ثمن لذلك”، في إشارة منه إلى دول الخليج. ومع سقوط مبدأ “ادفع لتبقى”، الذي انتهجه ترامب في تعامله مع هذه الدول، تحت نيران الإيرانيين، يبدو أنَّ دول الخليج في حاجة ماسّة إلى البحث عن بدائل قد تتمثّل في تحالفات إقليمية لحماية مصالحها، بعيدًا عن الاستنزاف الأميركي الذي لا ينتهي لها. وقد تمثّل نتائج الحرب فرصة تشكيل نواة تحالف إقليمي جديد على غرار ما طُرح حول تحالف يضم باكستان والسعودية وتركيا ومصر.

على المستوى العالمي، امتدت التداعيات الاقتصادية للحرب وتعطيل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز إلى مختلف أنحاء العالم، لتتحول الحرب التي كان يُفترض بها أنْ تكون خاطفة، إلى عقدة تخنق الاقتصاد العالمي برمته، بعيدًا عن تكاليفها الباهظة. فقبل اندلاع القتال كان هناك نحو 100 سفينة تعبر المضيق بشكل يوميّ، لكن منذ 18 أيار/ مايو وحتى 7 حزيران/ يونيو عبرت 127 سفينة فقط. وستتكبد واشنطن تكاليف ضخمة لإعادة ملء مخزوناتها العسكرية، وإعادة نشر المعدات العسكرية، وقد كشف مسؤولون في البنتاغون في أيار/ مايو أنَّ الحرب كلّفت الولايات المتحدة حتى الآن نحو 29 مليار دولار، وقدّر معهد “أميركان إنتربرايز” تكلفة الحرب من 25 إلى 34 مليار دولار حتى وقف إطلاق النار في نيسان/ أبريل.

عند الاطلاع على نص الاتفاق الأميركي-الإيراني نرى في الفقرة السادسة منه “تعهد الولايات المتحدة الأميركية، بالتعاون مع شركائها الإقليميين، بوضع خطة نهائية ومتفق عليها بصورة متبادلة، لا تقل قيمتها عن 300 مليار دولار أمريكي، لإعادة إعمار الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتنميتها اقتصاديًا، وسيُستكمل وضع الآلية الخاصة بتنفيذ هذه الخطة ضمن الاتفاق النهائي خلال مدة لا تتجاوز 60 يومًا”. وتنطوي هذه الفقرة إلى الآن على لَبْس كبير في تفسيرها، ففي حين ينكر الرئيس الأميركي أنَّ الولايات المتحدة قد تدفع أموالًا لإيران، يتابع بأنَّه لا يملك أنْ يمنع دولًا أخرى من فعل ذلك. وفي تصريح أدلى به نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس لشبكة “سي بي إس”، يقول: “حين يقول الناس إن أصولا بمليارات الدولارات سيفرج عنها، فهذا غير صحيح”، ويضيف أن الاتفاق “يمد يدا لإيران” بشرط السماح بـ”تفتيش حقيقي” للبرنامج النووي مقابل العودة إلى الاقتصاد العالمي، بتمويل مما وصفه بـ”الائتلاف الخليجي”. ويُمكن لتطبيق مثل هذه الفقرة، حتى وإن جرى على طريقة فانس، أنْ يقودنا إلى سيناريوهات عدّة، فقد يؤدي إلى تعويض إيران عمّا تكبدته من خسائر في خلال الحرب فحسب، أو يمثّل فرصة لإدماج إيران في النظام العالمي الذي بدا في هذه الحرب متضعضعًا على مستويات عديدة، أو يكون جزءًا من تشكيلات إقليمية ستظهر لاحقًا تكون فيها إيران جزءًا من محيط إقليمي أوسع.

في العمق، طرحت الحرب أسئلة عديدة حول أبعاد الصراعات في عالمنا الآن وقدرة نظام القطب الواحد على الاستمرار، إذ نرى انقسامًا ضمن ما يُعرف بالنظام الدول حيال حربًا بمثل هذا الحجم، ونرى دولة مهمشة من النظام الدولي تمتلك قدرة مرتفعة نسبيًا على الصمود في وجه الهجمات الأميركية-الإسرائيلية المتسارعة والعنيفة، وما أنفقته الولايات المتحدة في خلال حربها على إيران، يتجاوز ما أنفقته طيلة حربها على فيتنام! ولم تحتج ايران دائمًا إلى معدات عسكرية فائقة التطور، بل كان يكفيها أن تستخدم طائرات مسيّرة تكلفة إنتاجها بسيطة لتسدّ أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. تميط هذه الأحداث اللثام عن إمكان تحوّل التشابك الكثيف للنظام الدولي إلى نقمة عند أيّ استعصاء، فإغلاق مضيق هرمز الذي يقع في الشرق الأوسط أفضى إلى ارتفاع متوسط سعر غالون البنزين في الولايات المتحدة من 2.9 دولار قبل الحرب إلى حوالي 6 دولارات في بعض الولايات.

في حين لا يبدو أنَّ ثمة قطبًا بعينه يصعد الآن على الساحة الدولية، ليشكّل قوة هيمنة وسيطرة توازي ما لدى الولايات المتحدة الأميركية، فحتى الصين التي تحقق قفزات اقتصادية وتكنولوجية غير مسبوقة لا تمتلك من أدوات الهيمنة والسيطرة الناعمة ما يتيح لها أنْ تصدّر مشروعًا متكاملًا خارج حدودها، غير أنَّ كلّ ما جرى في الحرب يكشف عن خلل عميق في النظام العالمي بشكله الحالي، ويتيح الفرصة لتشكّل أحلاف وتحالفات لا ترتقي إلى مستوى أنْ تكون دولية كاملة بل تحالفات على طراز البريكس والتحالف الباكستاني المقترح. فالحرب قد لا تمثّل نهاية لنظام القطب الواحد بالمعنى الحرفي للكلمة، غير أنَّها بالطبع تمثّل ضربة قوية لهذا النظام، وفرصة حقيقية لطرح بدائل أكثر عملية وقدرة على التنسيق والعمل المشترك.