كم خسر السوريون عندما لم تحصل التسوية الانتقالية نحو نظام ديمقراطي جديد؟..

بين شهري آب وتشرين الثاني 2011 برزت مبادرة الجامعة العربية لحل الأزمة السورية، بعد أشهر من اندلاع الأزمة، التي تمظهرت في انتفاضة شعبية عبر مظاهرات قمعها النظام مما أدى إلى مقتل ما يقارب خمسة آلاف من بين المتظاهرين والعديد من رجال الأمن، حيث لم يستطع النظام السوري في تلك الأشهر تكرار ما فعله حافظ الأسد في عام 1982 عندما قاد قمعه العنيف الذي وصل ذروته في مجزرة مدينة حماة إلى جعل سوريا “مملكة الصمت” حتى كسر السوريون ذلك الصمت في شهر آذار 2011 بدءاً من مدينة درعا، وبالمقابل لم يستطع السوريون تكرار ما فعله المصريون في ثورة 25 يناير-11 فبراير 2011 من إجبار الرئيس حسني مبارك على التنحي، الذي وجد نفسه مجبراً على ذلك لما وقف الجيش على الحياد.

الأزمة السورية أتت من هذا الاستعصاء، عندما لم يستطع المتظاهرون تكرار ما فعله المصريون ولما لم يستطع بشار الأسد عام 2011 تكرار ما فعله أبوه عام 1982 الذي نجح في الانتصار الأمني-العسكري (وليس السياسي) وفي إمشاء “مملكة الصمت”.

كانت مبادرة الجامعة العربية حصيلة تشاور وتنسيق بين أمين عام الجامعة العربية الدكتور نبيل العربي وهيئة التنسيق الوطنية، التي كانت ترى أن الاستعصاء التوازني المذكور قد أنتج أزمة سورية لا يوجد سوى طريق واحد لحلها، يتمثل في تسوية انتقالية تحت إشراف الجامعة العربية تتفق من خلالها السلطة والمعارضة والقوى الاجتماعية على حل انتقالي تقوده سلطة انتقالية (حكومة وحدة وطنية ائتلافية) متفق عليها بينهم من أجل قيادة البلد إلى انتخابات لجمعية تأسيسية تضع مشروع دستور يُعرض على الاستفتاء الشعبي، وتكون الجمعية المنتخبة أيضاً بمثابة مجلس نيابي يكلف فيه رئيس الكتلة البرلمانية الأكثر عدداً من قبل رئيس الجمهورية بتأليف حكومة تقود المرحلة الانتقالية لمدة من الزمن يتفق عليها.

في الحقيقة، تلك المبادرة ، التي أقرتها الجامعة العربية بيوم 2 تشرين الثاني 2011، قد كُتبت من قبل أعضاء في هيئة التنسيق في بيت الدكتور نبيل العربي بالقاهرة في مساء مابعد إفطار أحد أيام شهر رمضان من ذلك العام (آب 2011)، ثم تم تسريب مسودتها لتنشر في جريدة “الحياة” عدد يوم 6 أيلول قبل أن تعتمد المسودة بحرفيتها في اجتماع مجلس وزراء خارجية الجامعة العربية بيوم 2 تشرين الثاني.

ما بين ذلك المساء المصري وقرار الجامعة العربية، جرت تطورات عديدة منها اتجاه تركيا والسعودية للقطيعة مع النظام السوري ثم دعوة الرئيس الأميركي باراك أوباما بشار الأسد للتنحي في يوم 18 آب، ثم سقط نظام معمر القذافي بعد خمسة أيام من ذلك في العاصمة طرابلس الغرب بعد تدخل عسكري من حلف الناتو، وبعدها في يوم 4 تشرين الأول قامت روسيا بممارسة حق الفيتو ضد قرار يتعلق بالشأن السوري هو شبيه بقرار عُرض قبل سبعة أشهر في مجلس الأمن سمح بتدخل عسكري دولي في ليبيا لـ”حماية المدنيين بعد شهر من المواجهة المسلحة بين نظام القذافي والمعارضة”، وامتنعت يومها موسكو عن التصويت، حيث أوحت تلك التطورات بأن سوريا لن تكون تكراراً للسيناريو الليبي، وأن موسكو، مع طهران، ستشكل ظهيراً لبشار الأسد ضد استقطاب دولي-إقليمي يشمل بالخندق المضاد واشنطن وأنقرة والرياض، وأن اتجاه معارضين سوريين لحمل السلاح، إسوة وبفعل إغراء التجربة التي مارستها المعارضة الليبية عندما كان حمل السلاح من المعارضين ذريعة ووسيلة لاستجلاب التدخل العسكري الخارجي مع ممارسة القذافي للعنف الدموي ضد المعارضة المسلحة، لن يقود إلى أكثر من حمام دم لا ينتهي في سوريا، فيه تدعم موسكو وطهران بشار الأسد وتدفع واشنطن عبر ما قاله أوباما “القيادة من الخلف” بتركيا والسعودية ودول الخليج إلى دعم المعارضة السورية المسلحة، وبالتالي إلى جعل البلد ميداناً لـ(صراع على سوريا) و(صراع في سوريا)، وهو ما حصل بين عامي 2011 و2024 وهو ما أنتج تهجير أكثر من نصف سكان سوريا من بيوتهم ما بين نازح داخلي ولاجئ للخارج وإلى مقتل ما يتراوح ما بين 500-700 ألف من السورين، غير الجرحى والمعوقين، وإلى دمار معظم البنية التحتية للاقتصاد والمجتمع السوريين.

في خريف 2011، وقفت هيئة التنسيق الوطنية وحيدة في خطها التسووي الانتقالي، فيما توحّد بشار الأسد مع رياض الشقفة (مراقب عام جماعة الاخوان المسلمين) ورياض الترك ومؤسس “الجيش السوري الحر” العقيد رياض الأسعد على رفض الحل التسووي الانتقالي، ثم انضم لهم في رفض التسوية كل التنظيمات الاسلامية المسلحة التي برزت بعامي 2012 و2013 بوصفها القوى الأكبر في المعارضة السورية المسلحة.

عندما فشل تعريب الحل التسووي الانتقالي برز التدويل للأزمة وحله الانتقالي من خلال (بيان جنيف-30 حزيران 2012) والذي تضمن نفس سيناريو المبادرة العربية، وقد أتى المبعوث الدولي الأخضر الابراهيمي في خريف 2012 لتسويقه وظهره يستند لواشنطن وموسكو، وعندما بدأ طلاق واشنطن مع الاسلاميين، الذي وضحت تجلياته في مصر مع انقلاب السيسي على مرسي في 3 يوليو 2013 وفي قطر مع إجبار أمير قطر ووزير خارجته على التنحي قبيل أيام من ذلك الانقلاب المصري، كان من الواضح أن أوباما يتجه للتفاهم مع بوتين في ما يتعلق بالملف السوري بعيداً عن أردوغان، وهذا ما برز أولاً في اتفاق 7 أيار 2013 بموسكو بين وزير الخارجية الأميركي جون كيري ونظيره الروسي سيرغي لافروف على تفعيل بيان جنيف، ثم ثانياً في الاتفاق الأميركي-الروسي (14 أيلول) لتسليم السلاح الكيماوي السوري وما أنتجه هذا الاتفاق من القرار 2118(27 أيلول) لمجلس الأمن الذي وضع النص الكامل لبيان جنيف في ملحق القرار وهو ما يساوي قوة متن النص ودعا إلى تطبيق البيان وتنفيذه من خلال مؤتمر جنيف 2 الذي انعقد في كانون ثاني-شباط 2014 برعاية الأمم المتحدة لإيجاد حل تفاوضي تنفيذي لبيان جنيف.

أيضاً، ظل رياض الشقفة ورياض الترك ورياض الأسعد، ومعهم كل المعارضة الاسلامية المسلحة، على حالة التوحد مع بشار الأسد في رفض الحل التسووي الانتقالي، وكان الفرق بينهم أن بشار الأسد لا يقول ذلك صراحة ولكن يفعل كل ما يستطيع ضد ذلك فيما هم يفعلون ويقولون ذلك.

في ربيع 2014 كان مخططاً وفق اتفاق أميركي-روسي، لو نجح مؤتمر جنيف 2، على تأليف حكومة انتقالية يرأسها أحد المعارضين (أو أحد رجال الأعمال السوريين من المقيمين في الخارج) مع تأجيل الانتخابات الرئاسية المقررة في حزيران 2014 لسنتين من أجل تنفيذ بنود بيان جنيف، وقد كان المعارضون السوريون المناهضون للتسوية في حالة نشوة قصوى عندما أفضت أحداث أوكرانية في نهاية شهر شباط 2014 لانهيار التفاهم الأميركي-الروسي حول سوريا إثر تظاهرات انتهت إلى هروب الرئيس الأوكراني المنتخب والموالي لروسيا من القصر الرئاسي واللجوء لعند بوتين الذي اتهم الأميركيين بأنهم وراء تلك الأحداث في “عقر الدار القريبة”، وهو ما قاد الرئيس الروسي كرد فعل لاحتلال شبه جزيرة القرم وضمها لروسيا.

في عام 2016 انعقد ما بين كانون الثاني ونيسان مؤتمر جنيف 3، بعد تفاهمات أميركية-روسية، شاركت فيها إيران التي جرى بينها وبين أميركا الاتفاق النووي في 14 تموز 2015، على منع سقوط نظام بشار الأسد أمام زحف المعارضة الاسلامية المسلحة، المدعومة من السعودية المستاءة من الاتفاق النووي الايراني وهو ما دفعها لوضع خلافاتها وتنافساتها مع تركيا جانباً فيما يتعلق بالملف السوري، في ربيع وصيف 2015 من إدلب باتجاه منطقة الغاب وما رافقه من قطع “جيش الاسلام” في دوما لطريق دمشق-حمص، وهو ما أنتج الغطاء الأميركي للدخول العسكري الروسي إلى سوريا في 30 أيلول 2015، وكان حصيلة ذلك حصيلة هو القرار2254 (18 كانون الأول 2015) لتطبيق بيان جنيف، وقد كان مؤتمر الرياض للمعارضة السورية (8-10 كانون الأول) ضمن تلك التفاهمات لإنتاج وفد للمعارضة السورية يقوم بالتفاوض مع وفد النظام في جنيف 3 وفق القرار 2254 الذي حدد مدة التفاوض بستة أشهر لإنتاج الاتفاق التسووي، وإلا مجلس الأمن سيتخذ اجراءات أخرى واضح أنها كانت لفرض القرار من فوق رؤوس السوريين، كما جرى في اتفاق دايتون بيوغسلافيا عام 1995.

بدفع من أنقرة، التي كانت يومها على خصام مع واشنطن وموسكو، وبخطوة منفردة، ومن دون موافقة أعضاء هيئة التنسيق الوطنية المشاركون بالمؤتمر في (الهيئة العليا للمفاوضات) والتي مثلت الوفد المعارض، قام المنسق العام لـ(الهيئة العليا للمفاوضات) الدكتور رياض حجاب بإعلان تعليق المفاوضات، في 18 نيسان، مما قاد إلى انهيارها.

على إثر ذلك، ماتت فرص التسوية الانتقالية السورية، ومن بعد ذلك تقاسمت واشنطن وموسكو الجغرافيا السورية ما بين شرق الفرات وغربه (مع التنف للأميركيين) ثم وبعد تقارب أردوغان من بوتين إثر محاولة الانقلاب ضده ولقائه به (9 آب 2016) أعطت موسكو لأنقرة، مقابل تخليها عن دعم المعارضة الاسلامية المسلحة أولاً في الأحياء الشرقية لحلب (كانون الأول 2016) ومن ثم في شمال حمص وفي الغوطة وفي حوران، الغطاء لكي تتمدد في شريط جرابلس-الباب-إعزاز (آب 2016)، وفي مدينة عفرين ومنطقتها (كانون ثاني-نيسان 2018)، وفي شريط تل أبيض- رأس العين (تشرين الأول2019)، وعندما حاول الروس والايرانيون وحزب الله اللبناني وقوات النظام التمدد في شمال حماة وجنوب إدلب فإن أردوغان وبوتين قد عقدا اتفاق 5 آذار 2020 ثبت خطوط الفصل للمتقاتلين ضمن خطوط وقف القتال والتي ظلت قائمة يومها، وهو ما استمر حتى هجوم المعارضة الإسلامية من إدلب باتجاه حلب في يوم 27 تشرين الثاني 2024 وما تبع ذلك من سقوط النظام في دمشق بيوم 8 كانون الأول 2024.

لم تكن “انتصارات” بشار الأسد في فترة كانون الأول 2016-آذار 2020 بفعله الذاتي، بل بفعل الخارج وتفاهماته، وكذلك ما جرى في سوريا ما بين يومي 27 تشرين الثاني- 8 كانون الأول 2024، حيث لم يسقط نظام بشار الأسد بفعل داخلي، بل بفعل انشغال حليفه الروسي في الحرب الأوكرانية وانغرازه في وحلها منذ عام2022 وبسبب ضعف حليفه الإيراني بعد حربي غزة ولبنان ما بعد مرحلة 7 أكتوبر 2023 وقناعة أميركية بأن الضربة التي يترنح لها وعلى إثرها محور طهران الاقليمي هي ليست في غزة أو الضاحية الجنوبية، بل في سوريا، ولو استجاب بشار الأسد لإغراءات فك علاقته مع ايران لكان قد بقي في السلطة إلى الآن، ولكن ثبت أنه لا يستطيع لأنه كان فاقداً للسلطة لصالح الإيرانيين، لذلك تم اسقاطه وفق ما قال وزير الخارجية التركي حاقان فيدان، في مقابلة مع قناة “سكاي نيوز” الأمريكية، إن “سقوط الأسد لم يتم عبر عمليات عسكرية، بل كان هناك اتفاق دولي أدى إلى رحيله”.، وأضاف بأن” دخول المعارضة إلى دمشق جرى بسرعة بسبب هذا الاتفاق، ولو لم يكن موجودًا هذا الاتفاق لاندلعت معارك دموية”. https://alkhabaralyemeni.net/2026/01/27/327607/ “الخبر”اليمنية” (27\1\2026)، وليس من دون هذا السياق أن حربين على إيران، شنتهما أميركا واسرائيل في عامي 2025 و2026، قد تمتا بعد فقدان المحور الإيراني للجسر السوري الذي قال حسن نصر لوفد معارض سوري التقاه عام2013 “أنه من دون الجسر السوري يختنق” لتبرير تدخله العسكري في سوريا منذ نيسان 2013، فيما منع جو بايدن شن حرب مباشرة على إيران كان يريدها بنيامين نتنياهو في أيام ما بعد هجوم حركة حماس على غلاف غزة بيوم 7 أكتوبر 2023.

الآن، وبعد خمسة عشر عاماً على بدء الأزمة السورية منذ يوم 18 آذار 2011، يجب أن يسترجع السوريون ويفحصوا تكاليف وأثمان تضييع التسوية الانتقالية: مئات آلاف القتلى، ملايين النازحين واللاجئين، دمار بنية تحتية ستكلف إعادة اعمارها ما يفوق التريليون دولار (ألف مليار دولار)، وانقسام في النفوس عميق المدى والهوة، وعدم استطاعة من تولوا السلطة بعد بشار الأسد الانتقال بالبلد إلى سكة آمنة. ثم يضاف لذلك واقع أنتجته الأزمة السورية هو تحكّم الخارج الدولي والاقليمي بالمسار السوري، وهذا شيء كان جلياً وملموساً في فترة 2011-2024، ثم أصبح أكثر من جلي وملموس في مرحلة ما بعد 8 كانون الأول 2024. أيضاً ما أسمي بـ”انتصارات” بشار الأسد في فترة 2016-2022 أنتجت وضعاً سورياً زاد فيه تغول السلطة في الفساد والنهب وإفقاد الناس لأي مظهر من مظهر الحريات، وقد قاد الدم والانتهاكات لحقوق الانسان التي مورست في السجون والمعتقلات، وأيضاً القصف العشوائي للمدنيين وللممتلكات، إلى جسور مقطوعة بين السوريين.

بالمقابل رأينا سلطة ما بعد 8 كانون الأول 2024 في وضع شبيه بوضع سلطة بشار الأسد من حيث أن طريقة مجيئها المحمول عبر قوة الخارج قد جعلها في وضعية تفتقد الركيزة الاجتماعية القوية، وحتى بالنسبة إلى من كان يؤيدها في الأشهر الأولى لم يكن هذا التأييد لها أو لبرنامجها أو لأيديولوجيتها، بل لأن أغلب المؤيدين في تلك الفترة كان يؤيدونها بوصفها عنواناً جديداً لمرحلة أمل أغلب السوريين أن تكون طياً للمرحلة السوداء السابقة لحافظ الأسد وابنه.

خلال ستة عشر شهراً، تفصل السوريين عن يوم 8 كانون الأول 2024، خابت آمال معظم السوريين في السلطة الجديدة، بل أنها أنشأت شروخاً جديدة في السويداء، وعمقت شروخاً كانت موجودة في الساحل، وزادت من شروخ لم تكن كبيرة بين العرب والكرد، وهي توحي مثل سلطة بشار الأسد بأنها ليست لكل السوريين وليست على مسافة واحدة من جميع السوريين، وهي في سلوكها خلال فترة ما بعد وجودها بدمشق تذكر بما فعله حزب البعث بعد انقلابه العسكري بيوم 8 آذار1963، عندما تصرف من منطلق أنه حزب، يعي أنه ضعيف الجذور الاجتماعية، لذلك أراد التمكين والاستحواذ عبر العنف على السلطة ومنع الآخرين من الانقلاب عليه ومن المشاركة بالسلطة ومنع أي عملية ديموقراطية مع تنظيرات بأن “المجتمع السوري غير مهيأ للديمقراطية”، وهي مقولة كان يرددها كثيراً حافظ الأسد، لذلك اتبع البعثيون سياسة “الولاءات لا الكفاءات”، وكما كان لحزب البعث السوري عقدة 18 تشرين الثاني 1963،عندما فقد البعثيون السلطة بفعل انقلاب عبد السلام عارف عليهم في العراق بعد وصولهم لها في انقلاب 8 شباط 1963، فإن الاسلاميين يعانون من “عقدة مرسي” الذي فقد السلطة بعد سنة من وصوله لها عبر الانتخابات، وهم يرون بأن انقلاب السيسي ما كان ليتم لو اتبع الإسلاميون المصريون سياسة التمكين عبر مبدأ “الولاءات لا الكفاءات”.

ولكن من يراقب السلطة السورية الجديدة ، وهي في حالة تبخر للدعم الداخلي الذي كان لها في الأشهر الأولى، يراها في سلوكها الإداري تذكر بفساد السلطة السابقة، وهي مثلها تخاف من أي عملية ديمقراطية يتم فيها الاحتكام إلى صندوق الاقتراع، والسوريون بأغلبيتهم الآن ليسوا معها، وكذلك على ما يبدو الخارج، وأوله مثلث الولايات المتحدة- بريطانيا- الاتحاد الأوروبي، الذي تدل الكثير من المؤشرات على أن هذا المثلث يعيش خيبة أمل وانخفاض سقف توقعاته من سلطة سوريا ما بعد 8 كانون الأول 2024، التي كان الداعمة الخارجية الأقوى لها.

الآن، وبعد خمسة عشر عاماً، ما زال السوريون في حالة انقسام وتفصل الكثير من الخنادق بينهم، وليس صحيحاً أن وضع سوريا هو الآن على طريق معافاة الجراح، بل إن هذه الجراح تعمقت وزادت ونشأت جراح جديدة في مرحلة ما بعد نظام بشار الأسد لم تكن موجودة سابقاً، والسلطة الجديدة هي مثلها مثل سلطة بشار الأسد يشعر الكثير من السوريين بأنها لا تمثلهم.

بعد كل هذا وذاك، ومن أجل تفادي الأسوأ الذي تتجمع غيومه لكل صاحب بصر وبصيرة، أليس مشروعاً الدعوة من جديدة إلى تطبيق الحل التسووي الانتقالي الذي يتفق السوريون، في السلطة الجديدة والقوى السياسية والاجتماعية، من خلاله على حل انتقالي تتولى فيه سلطة انتقالية مؤقتة، متفق عليها وطنياً، قيادة وإدارة عملية الانتقال إلى نظام سوري جديد متفق عليه، عبر مؤتمر وطني عام تشارك فيه القوى السياسية والاجتماعية والاقتصادية، يمكن أن يكون القرار 2254، وغيره، على جدول أعماله ، وهو القرار الذي أكد مجلس الأمن الدولي في القرار 2799 في يوم 6 تشرين الثاني 2025 على تمسكه بـ”مبادئه وأهدافه”؟

الحل الانتقالي التسووي السوري هو أكثر الحاحاً في عام 2026 من عام 2011… وتفويته سيكون أكثر ضرراً ومأساوية من تفويت ما سبق. فقد أثبتت التجارب في بلدان عديدة أن الانتقال من الديكتاتورية إلى الديموقراطية يحتاج لتوافق وطني، ومن دون هذا التوافق تزداد الأزمات الموروثة من الديكتاتوريات، ويستنقع الوضع في البلد، مما يدخله في متاهات جديدة.