يوناه جيريمي بوب/ جيروزاليم بوست
هيئة الترجمة في الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي)
إن تشريح سياسات الحرب والسلام التي يواجهها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من منافسيه في انتخابات 27 أكتوبر2026للكنيست ليس جديداً: إذ يُتهم بأنه فشل في تحقيق تحولات دبلوماسية واستراتيجية مستدامة تجعل إسرائيل أكثر أمناً، رغم سلسلة واسعة من النجاحات العسكرية التكتيكية الكبيرة.
وهذه هي الرسالة الأساسية التي يطرحها غادي آيزنكوت، زعيم (حزب ياشار) الذي تصدّر استطلاعات الرأي في سباق رئاسة الحكومة خلال الأشهر الأخيرة.
وفي ما يتعلق بالمناطق الأمنية، يبدو للوهلة الأولى أن آيزنكوت يريد الإبقاء على نوع من المناطق الأمنية المهمة في غزة ولبنان وسوريا، على غرار نتنياهو ورئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، الذي يحتل حالياً المرتبة الثالثة في سباق رئاسة الحكومة.
لكن آيزنكوت يطرح عدداً من الأفكار الخاصة به لتحسين الوضعين الأمني والدبلوماسي لإسرائيل.
إيران: «منطقة قتل» حول المواقع النووية الحساسة
في ما يتعلق بإيران، يطرح آيزنكوت فكرة غير مألوفة لم يعلن عنها أي مسؤول إسرائيلي آخر بهذه الصراحة: أن تنشئ الولايات المتحدة «منطقة قتل» حول المواقع القليلة التي ما زال يوجد فيها اليورانيوم الإيراني المخصب بنسبة 60% تحت الأرض، سواء كان مدفوناً تحت الأنقاض أو قد تم نقله أخيراً إلى مواقع تخزين منظمة.
وفي حين تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترامب بصورة نظرية عن مراقبة كل ما يجري قرب هذه المناطق النووية الإيرانية الحساسة، فإن آيزنكوت يقترح إعلان التزام علني واضح بمهاجمة أي تغيير يطرأ في تلك المناطق إذا كان قد ينطوي على نقل مواد نووية.
وهذا سيتطلب أيضاً التزاماً طويل الأمد بموارد جوية في المنطقة، على غرار ما فعلته الولايات المتحدة فوق العراق في تسعينيات القرن الماضي.
ويرى آيزنكوت في ذلك حلاً غير تقليدي إذا فشلت سياسة الضغط الأقصى المستمرة والمفاوضات في التوصل إلى اتفاق جيد.
أما «الاتفاق الجيد» من وجهة نظره، فيتمثل في إزالة التهديد النووي الإيراني بصورة دائمة، من خلال عمليات تفتيش طويلة الأمد يمكن تنفيذها في أي وقت وأي مكان، للتأكد من عدم وجود محاولات سرية لإعادة بناء البرنامج لاحقاً.
ورغم أن ضربات الجيش الإسرائيلي في يونيو 2025 نجحت في تأخير البرنامج النووي الإيراني لعدة سنوات، وأن الجمهورية الإسلامية لم تحاول منذ ذلك الحين بشكل جدي إعادة بناء هذا التهديد، فإن بقاء اليورانيوم المخصب بنسبة 60% يمثل ملفاً مهماً لم يُحسم بعد.
ولا يبدو آيزنكوت أكثر استعداداً من نتنياهو لتأييد «اتفاق سيئ»، أي اتفاق لا يفعل سوى تأجيل التهديد النووي الإيراني إلى موعد لاحق.
وفي المقابل، إذا أنشأت الولايات المتحدة «منطقة قتل» حول المواقع النووية الرئيسية القليلة المتبقية، فلن تتمكن طهران من التحرك قدماً من دون أن يتم رصدها واستهدافها من الجو.
وبالطبع، فإن التهديد النووي ليس سوى جزء من المعضلة الأمنية المتعلقة بإيران.
فمنذ أبريل 2024، أظهر النظام الإيراني استعداده لمهاجمة إسرائيل مباشرة بالصواريخ الباليستية خلال أربع جولات منفصلة، كما هاجم نحو اثنتي عشرة دولة أخرى في الشرق الأوسط، من السعودية إلى الأردن والإمارات وقطر.
وفي ما يتعلق بتهديد الصواريخ الباليستية، ينسب آيزنكوت لنفسه جزءاً من الفضل في المساعدة على إعداد منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية لليوم الذي ستهاجم فيه إيران بصورة مباشرة، وإن كان ذلك اليوم قد جاء بعد خمس سنوات من مغادرته منصب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي عام2019.
وفي المرحلة المقبلة، يدرك آيزنكوت أن هامش المناورة المتاح له ولإسرائيل في مواجهة تهديد الصواريخ الباليستية أضيق من الهامش المتاح في مواجهة التهديد النووي.
ففي حين جعل ترامب إزالة تهديد الأسلحة النووية الإيرانية ركيزة أساسية في رئاسته، فإنه قلل علناً من شأن خطر الصواريخ. بل قال، على نحو أثار الاستغراب، إن امتلاك إيران مثل هذه الصواريخ ليس أخطر من امتلاك السعودية لها، رغم أن إيران أطلقت آلاف الصواريخ في أنحاء المنطقة بينما لم تستخدمها الرياض ضد أحد.
وسيعود آيزنكوت إلى الاعتماد على العمليات السرية للموساد ضد إيران، لكنه سيوسع نطاق أهداف الهجمات وعمليات التجسس لتشمل الصواريخ الباليستية، لا الملف النووي وحده كما في السابق.
آيزنكوت يعتقد أن الرئيس السوري الشرع ما زال جهادياً
وعلى خلاف بينيت، الذي يتعامل بريبة مع الزعيم السوري أحمد الشرع لكنه مستعد للاستماع إلى الطروحات الأميركية التي تقول إنه ربما غيّر توجهاته، فإن آيزنكوت مقتنع تماماً بأن الرئيس السوري ما زال جهادياً، بالنظر إلى خلفيته.
وبناءً على ذلك، فإن آيزنكوت، مثل نتنياهو وبينيت، ليس في عجلة من أمره للانسحاب من أي جزء من المنطقة العازلة في سوريا.
لكن هناك اختلافاً جوهرياً.
فمن وجهة نظر آيزنكوت، فقد نتنياهو البوصلة في ما يتعلق بفكرة السيطرة على أراضٍ داخل دولة أجنبية معادية؛ إذ يرى أن الاحتفاظ بالأرض ليس هدفاً بحد ذاته يمكن أن يستمر إلى الأبد، بل ورقة ضغط يمكن استخدامها للتفاوض على شروط دبلوماسية واستراتيجية أفضل.
وقد أنشأ اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وسوريا عام 1974 مناطق منزوعة السلاح على الجانب السوري، ما يوفر سابقة للمطالبة بأن يبقى الجيش السوري بعيداً عن الحدود الإسرائيلية مقابل أي انسحاب جزئي مستقبلي.
وإذا أمكن التأثير على سوريا للموافقة على مثل هذه الشروط، ومع احتفاظ إسرائيل بالجانب السوري من جبل الشيخ بسبب أهميته الاستراتيجية الفريدة، فإن آيزنكوت يرى إمكانية التوصل إلى اتفاق مع سوريا في مرحلة لاحقة.
وسيعتبر مثل هذا الاتفاق وسيلة لإبعاد الجيش السوري عن إسرائيل أكثر مما هو عليه الآن، مع تقليل استنزاف الموارد الإسرائيلية الناتج عن السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي السورية التي لا مصلحة حقيقية لإسرائيل في الاحتفاظ بها.
لكن المشهد السوري أكثر تعقيداً بطبيعة الحال.
فآيزنكوت يريد أيضاً إبقاء تركيا وروسيا خارج سوريا، بما يؤدي إلى انتقال الشرع بصورة أكثر ثباتاً إلى دائرة النفوذ الأميركية.
وهذا لا يعني، في نظره، أن الشرع لن يهاجم إسرائيل أبداً، لكنه سيجعل أي خطوة من هذا النوع أكثر صعوبة وكلفة بالنسبة له.
وقد تكون تركيا الجزء الأكثر تعقيداً في هذا الملف.
وهنا يطرح آيزنكوت فكرة يصفها بأنها غير تقليدية.
فالحقيقة أن إسرائيل وآيزنكوت لن يكونا شديدي القلق من وجود عسكري تركي تكتيكي محدود في شمال سوريا، قرب لواء إسكندرون وبعيداً عن إسرائيل.
لكن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية وآيزنكوت يعارضان وجود قوات برية تركية قرب الحدود الإسرائيلية في جنوب سوريا، والأهم من ذلك، يعارضان نشر أنقرة رادارات ومنظومات دفاع جوي داخل سوريا، لأن ذلك سيقيّد حرية عمل سلاح الجو الإسرائيلي.
وبعبارة أخرى، حتى لو توصلت إسرائيل وسوريا إلى اتفاق دفاعي جديد، وهو ما يعتقد آيزنكوت أنه قادر على تحقيقه بطريقة أفضل من نتنياهو، فإنه سيصر على الإبقاء على حرية أمنية عليا تتيح لإسرائيل شن ضربات جوية ضد أي تهديد استراتيجي قد تحاول إيران أو أي جهة معادية أخرى تمريره عبر سوريا.
كما سيدعو إلى توسيع كبير لقوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك في سوريا، مع انخراط أميركي واسع لضمان فعالية هذه القوة، بدلاً من أن تتحول إلى عبء كما يرى أن الحال كان مع قوة اليونيفيل في لبنان.
وأخيراً، يصر آيزنكوت بشدة على حماية الدروز السوريين من أي مجزرة محتملة قد يرتكبها الشرع أو حلفاؤه خلال أي صراع داخلي سوري مستقبلي.
وإذا تعرض لضغوط من ترامب لعدم التدخل في قضية الدروز السوريين، ولحصر التحرك فقط في حال تعرض إسرائيل للخطر، فإن آيزنكوت يقول إنه واثق من قدرته على شرح خصوصية العلاقة الإسرائيلية بالدروز السوريين، بالنظر إلى الاندماج العميق للدروز الإسرائيليين داخل الجيش الإسرائيلي.
ما خطة آيزنكوت لغزة؟
في ما يتعلق بغزة، يوجه آيزنكوت اتهاماً حاداً لنتنياهو بأنه أبقى حماس في السلطة داخل القطاع.
صحيح أن نتنياهو أمر الجيش الإسرائيلي بقتل نحو 25 ألفاً من مقاتلي حماس، بينهم معظم قادتها، لكنه في الوقت نفسه عرقل محاولات استبدال الحركة إما بالسلطة الفلسطينية أو بهيئة تكنوقراطية كان فريق إدارة ترامب يريد إدخالها إلى غزة في مطلع عام 2026.
وبالتأكيد، يلقي آيزنكوت جزءاً من المسؤولية على حماس نفسها بسبب مماطلتها في تقديم التنازلات المتعلقة بنزع السلاح التي وافقت عليها ضمن اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسط فيه ترامب في أكتوبر 2025.
لكنه يضيف أن نتنياهو فوّت مراراً فرصة ممارسة ضغط دبلوماسي وسياسي شامل على حماس، بسبب تركيزه شبه الحصري على الضغط العسكري.
وكما هو الحال مع بينيت، يبدو آيزنكوت أكثر انفتاحاً على العمل مع قوى سياسية أخرى لاستبدال حماس.
وإذا كان بينيت يركز بصورة شبه كاملة على مصر، فإن آيزنكوت لا يحبذ السلطة الفلسطينية، لكنه يتفق مع الرأي السائد داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية على أنه إذا كان الخيار بين السلطة الفلسطينية وحماس، فإن حماس أسوأ بكثير من وجهة نظرهم.
ومن هذا المنطلق، لا يحمل آيزنكوت تصوراً أيديولوجياً جامداً حول الجهة التي ينبغي أن تدير غزة، ما دامت إسرائيل تحتفظ بممر أمني بغض النظر عن الجهة التي قد تتولى السيطرة.
وإضافة إلى ذلك، إذا كان نتنياهو قد تبنى شرطاً يعتبره خصومه «جرعة سم»، يتمثل في نزع سلاح حماس بالكامل قبل السماح بأي إعادة إعمار في غزة، فإن آيزنكوت مستعد لقبول روح خطة ترامب التي تسمح بربط نزع سلاح جزئي بخطوات جزئية لإعادة الإعمار.
وهو لا يريد، بحسب طرحه، منح حماس الذرائع التي يقول إن نتنياهو يوفرها للحركة كي ترفض التعاون.
كذلك يدرك آيزنكوت أن المكانة الدبلوماسية والشرعية الدولية لإسرائيل وصلت إلى مستويات متدنية غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة، ويرى أن رفض نتنياهو أي إعادة إعمار في غزة تحت أي ظرف يفاقم هذا الوضع.
وفي المقابل، يعتقد بقوة أن خروج نتنياهو نفسه من رئاسة الحكومة سيبدأ تلقائياً في توليد قدر من حسن النية عالمياً. كما يرى أن حتى الاتفاقات الجزئية يمكن أن تضعف حماس وتبدأ في ترميم صورة إسرائيل.
وبعد كل ذلك، يعارض آيزنكوت بصورة قاطعة أي نقاش حول إقامة دولة فلسطينية في المدى القريب أو المتوسط، معتبراً أن من يطرح مثل هذا الحل لا يفهم الواقع الاجتماعي والسياسي الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر.
لكنه يعتقد أن قول «نعم» بصورة أكبر لمبادرات دولية أخرى، ومنح الفلسطينيين أفقاً بعيد المدى يتجاوز ولايته الحكومية الأولى، يمكن أن يعيد إسرائيل بصورة أساسية إلى موقعها كجزء من الغرب، بطريقة يرى أن نتنياهو لا يستطيع ولا يريد تحقيقها.
إعادة ترميم العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل
سيكون أحد الأهداف الرئيسية لآيزنكوت إذا أصبح رئيساً للوزراء هو تذكير الأميركيين، ديمقراطيين وجمهوريين، ومحاولة إقناعهم بأن إسرائيل تمثل رصيداً استراتيجياً للولايات المتحدة.
ومن منظور أمني، حتى إذا كانت الولايات المتحدة لا تشعر بتهديد فوري من انتشار الأسلحة النووية في الشرق الأوسط، فإنه سيشدد على أن قادة الحزبين الأميركيين الرئيسيين عارضوا حصول العراق وسوريا وإيران على مثل هذه الأسلحة.
وقد قال القادة السياسيون الأميركيون بمختلف توجهاتهم إن انتشار الأسلحة النووية في الشرق الأوسط سيعرض الولايات المتحدة في نهاية المطاف للخطر.
وسيسعى آيزنكوت إلى تذكير الأميركيين بأن إسرائيل ساعدت في إبعاد هذا الخطر عن الولايات المتحدة، ليس فقط في ما يتعلق بإيران، وهو ملف أصبح سياسياً أكثر تعقيداً بسبب أزمة أسعار الغاز المرتبطة بالمواجهة مع الجمهورية الإسلامية، بل كذلك في ما يتعلق بالعراق وسوريا.
كما سيدعو واشنطن إلى تذكر أن إسرائيل كانت رصيداً مهماً للولايات المتحدة في الشرق الأوسط خلال مواجهة تمدد تنظيم «داعش»، رغم أن التنظيم لم يكن يشكل تهديداً مباشراً واسع النطاق لإسرائيل على المدى القريب.
وحتى الهجوم الأميركي الواسع على إيران في أوائل عام 2026، كانت واشنطن قادرة في حالات كثيرة على الاستفادة من قيام إسرائيل بمواجهة بعض الجهات التي تعتبرها متمردة وخطيرة في الشرق الأوسط، من دون أن تضطر الولايات المتحدة إلى الانخراط المباشر، مع الاستفادة في الوقت نفسه من مستوى استخباراتي استثنائي.
ويعتقد آيزنكوت أن خروج نتنياهو من المشهد، وإنهاء الهجمات السياسية على مؤسسات سيادة القانون في إسرائيل، ووضع حد لتصريحات التحريض الصادرة عن مسؤولين حكوميين، ووصول مسؤولين جدد يسعون إلى استعادة الحوار المشترك مع الغرب، كلها عوامل قد تسمح لإسرائيل مرة أخرى بالاستفادة من صورتها باعتبارها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط.
ويرى آيزنكوت أن سلوك نتنياهو وشركائه في الائتلاف، مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، داخلياً وخارجياً، ألحق أضراراً كبيرة بصورة إسرائيل باعتبارها دولة ديمقراطية تتشارك القيم مع الغرب، لكنه يعتقد أن الوقت لم يفت لإصلاح هذا الضرر.
وإذا أصبح رئيس الوزراء الإسرائيلي فجأة أكثر استعداداً للبحث عن طرق لقبول مبادرات السلام الغربية وإظهار موقف إيجابي تجاهها، حتى لو لم يتمكن آيزنكوت من الموافقة على بعض الأولويات الغربية الأساسية، فإنه يعتقد أن المناخ العام وقواعد اللعبة سيتغيران بالكامل.
كيف سيختلف آيزنكوت في ملف لبنان؟
هناك مثال واضح على اختلاف آيزنكوت عن نتنياهو في لبنان.
فهو يتفق مع نتنياهو على أن تكون قنوات الارتباط العسكري الأميركية هي الأكثر تأثيراً في التعامل مع الجيش اللبناني وتطوير أدائه، وكذلك في تقييم ما إذا كان قد حقق المعايير المطلوبة في ما يتعلق بأي انسحاب جزئي للجيش الإسرائيلي. لكنه في الوقت نفسه يريد إعادة فرنسا إلى دور مؤثر.
فنتنياهو دخل في مواجهة واسعة مع الفرنسيين على خلفية غزة ولبنان وإيران، ودفع باتجاه تقليص نفوذهم عقاباً لهم على انتقاد سياساته، ولا سيما الانتقادات الفرنسية الحادة لأداء الجيش الإسرائيلي في حرب غزة.
أما آيزنكوت، فيسعى إلى البحث عن مناطق الاتفاق والمصالح المشتركة، والتركيز عليها بدلاً من الغرق في الصراعات حول ملفات الخلاف.
وفي ما يتعلق بالمنطقة الأمنية، لا توجد مسافة كبيرة بين آيزنكوت ونتنياهو.
فقد أشار نتنياهو إلى رغبته في الاحتفاظ بكامل المنطقة الأمنية الحالية، التي يتجاوز عمقها في بعض المواقع عشرة كيلومترات، رغم أنه سبق أن انسحب من لبنان في مطلع عام 2025 وبدأ خلال الأسابيع الأخيرة مساراً محتملاً لمزيد من الانسحاب.
وآيزنكوت متشكك في أداء الجيش اللبناني بالقدر نفسه الذي يبديه نتنياهو أو ربما أكثر، بالنظر إلى خبرته العسكرية السابقة وقيادته للمنطقة الشمالية، لكنه قد يكون مستعداً في ظروف معينة للعودة إلى منطقة أمنية بعمق ثمانية كيلومترات.
ويعكس هذا الموقف، بحسب طرحه، خبرته العسكرية، إذ يرى أن منطقة بعمق ثمانية كيلومترات ستكون كافية لمنع حزب الله من إطلاق صواريخ مضادة للدروع نحو الأراضي الإسرائيلية، بخلاف المطالبة بمنطقة أوسع لا تقدم فائدة عسكرية إضافية واضحة وقد تكون مدفوعة باعتبارات سياسية أكثر.
لكن آيزنكوت يشعر بقلق بالغ مما يقول إنه وجود نحو ألفي مقاتل من حزب الله في جنوب لبنان، رغم التوغل العميق للجيش الإسرائيلي في المنطقة.
ويأمل أن تتمكن المساندة السياسية والعسكرية الأميركية والفرنسية من دفع الجيش اللبناني إلى مواجهة حزب الله بصورة أكثر حزماً.
وفرنسا ليست الدولة الأوروبية الوحيدة التي يريد آيزنكوت ترميم العلاقات معها.
فبحسب آيزنكوت، تعد فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا حلفاء أساسيين لإسرائيل وينبغي التعامل معهم على هذا الأساس.
وقليل من المسؤولين في حكومة نتنياهو يشيرون إلى أن فرنسا وبريطانيا عرضتا قواتهما للخطر لاعتراض صواريخ باليستية إيرانية عدة مرات خلال عام 2024، لكن آيزنكوت يعتقد أن على إسرائيل أن تعمل بصورة أكبر على إعادة رفع مستوى العلاقات مع هذه الدول، حتى عندما تنتقد إسرائيل أحياناً.
كما يعتقد أن وصول حكومة جديدة بقيادته، تكون منفتحة على مناقشة مبادرات السلام، سيؤدي إلى خفض مستوى الانتقادات الأوروبية إلى مستويات أكثر «اعتيادية» كتلك التي كانت سائدة قبل 7 أكتوبر.
ومع ذلك، قد لا يكون آيزنكوت قد أدرك بالكامل حجم التحدي الذي ظهر في هذا المجال بعد حرب غزة.
فهو يرى أن تشجيع السياحة والأعمال حتى مع دول باتت شديدة العداء لإسرائيل، مثل إسبانيا وأيرلندا، قد يساعد على استعادة العلاقات السابقة.
لكن في مثل هذه الدول قد يواجه واقعاً أكثر صعوبة، إذ إن الانتقادات الموجهة لإسرائيل تتعلق في جزء منها بخطوات اتخذها الجيش الإسرائيلي في غزة بدعم واسع داخل إسرائيل، وهي خطوات كان آيزنكوت نفسه مؤيداً لها، ولا تقتصر على سياسات نتنياهو وحده.
ومع ذلك، فإنه يتعامل مع الواقع ببراغماتية.
فآيزنكوت يقول بوضوح إن مسار التطبيع مع السعودية متوقف في المستقبل المنظور.
ويدرك أن السبب لا يقتصر على مطالبة السعودية بإقامة دولة فلسطينية، وهو خيار لا يحظى حالياً إلا بتأييد نسبة صغيرة من الإسرائيليين، بل يرتبط أيضاً بالتباعد بين مواقف الطرفين إزاء حرب غزة.
فقبل أسابيع من 7 أكتوبر، كانت السعودية تتحدث عن قرب التطبيع في سياق طموحها للاستفادة من النموذج الاقتصادي والتكنولوجي الإسرائيلي، لكن كثيراً من السعوديين صُدموا من شدة الحرب الإسرائيلية على حماس وطول أمدها، والتي دمرت الغالبية العظمى من مباني غزة وأدت، مقارنة بحروب غزة السابقة، إلى مقتل عدد غير مسبوق من مقاتلي حماس والمدنيين.
ويدرك آيزنكوت أن الفجوة الأيديولوجية والهوياتية بين البلدين، وطريقة نظر كل منهما إلى العالم بعد 7 أكتوبر، أصبحت واسعة إلى حد يجعل تجاوزها يتطلب وقتاً أطول بكثير.
وفي هذه الأثناء، سيركز على تحسين العلاقات مع مصر والأردن والإمارات ودول خليجية أخرى، وهي دول يرى أن نتنياهو إما تجاهلها أو دخل معها في صدامات غير ضرورية وغير منتجة.
وفي ما يتعلق بالأردن، فهو يؤيد السياج الذي بدأت حكومة نتنياهو بناءه في أوائل عام 2026 لتعزيز أمن الحدود. لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن إعادة العلاقات مع الأردن إلى مستويات ما قبل عام 2023 ستؤدي إلى قدر أكبر من التعاون والأمن، وربما تفوق أهميتها أهمية السياج نفسه.
ويعتقد آيزنكوت كذلك أنه بمجرد خروج نتنياهو من المشهد، وهو الذي باتت هذه الدول تعتبره مفرطاً في التصعيد ومزعزعاً للاستقرار، فإنها ستعود إلى النظر إلى إسرائيل باعتبارها شريكها الأمني الأفضل في مواجهة إيران.
العنف في الضفة الغربية يعود إلى صدارة العناوين
ربما يتعلق أكبر اختلاف سياسي بين آيزنكوت ونتنياهو بالضفة الغربية.
فكلاهما يتبنى موقفاً متشدداً في ملاحقة ما تصفه إسرائيل بالإرهاب الفلسطيني.
لكن آيزنكوت يتهم نتنياهو، من خلال تمكين بن غفير وسموتريتش وتعيين دافيد زيني رئيساً لجهاز الشاباك، بتحويل الضفة الغربية إلى بؤرة للعنف الذي يمارسه متطرفون يهود ضد فلسطينيين أبرياء.
وإذا أصبح رئيساً للوزراء، فلن يكتفي آيزنكوت باستبدال بن غفير وسموتريتش، وعلى الأرجح زيني نفسه، بل سيتراجع أيضاً عن التغييرات السياسية الرئيسية التي نفذوها، والتي يعتبر أنها مهدت الطريق أمام متطرفين يهود فوضويين لنشر الفوضى والعنف.
فقد تراجع بن غفير عن سياسة استمرت عقوداً كانت تمنح شرطة الضفة الغربية صلاحية اعتقال ومحاكمة المتطرفين اليهود العنيفين بسبب مهاجمة الفلسطينيين أو مضايقتهم.
وحتى قبل بن غفير، لم تكن الشرطة تؤدي هذه المهمة بالكفاءة المطلوبة، لكن التدهور بلغ مستويات حادة للغاية، وآيزنكوت أوضح أنه سيعمل على عكس هذا المسار.
ومن العناصر الأقل وضوحاً، لكنها جزء من الصورة، وجود أكثر من 100 مزرعة غير قانونية سمح سموتريتش بانتشارها في أنحاء الضفة الغربية، بما في ذلك مناطق متنازع عليها.
وقال آيزنكوت إنه سيعيد سلطة اتخاذ القرارات في هذه المسائل إلى مسؤولي الجيش المهنيين غير السياسيين، وسيمنع أعضاء الحكومة السياسيين من امتلاك أي صلاحية في هذا الملف.
كما سيتخذ قراراً غير معتاد بإقالة زيني خلال ولايته، رغم أن رئيس الشاباك لم يبدأ مهامه إلا في أكتوبر 2025 وعُيّن لولاية قياسية مدتها خمس سنوات.
لكن نتنياهو كان قد أجبر رونين بار، سلف زيني، على مغادرة منصبه قبل نهاية ولايته. وبحسب آيزنكوت، فإن تصرفات زيني، بما في ذلك إضعاف وحدة الشاباك المختصة بالعنف اليهودي إلى جانب مشكلات أخرى يحمّله مسؤوليتها، ابتعدت بما يكفي عن السياسات التقليدية للجهاز بما يجعل بقاءه في منصبه أمراً غير مرجح.
وعلى النقيض من ذلك، من المرجح أن يعين آيزنكوت رئيساً جديداً للشاباك يعمل على تعزيز الوحدة المختصة بمتابعة العنف اليهودي.
وسيعيد آيزنكوت كذلك تشجيع استخدام الاعتقال الإداري ضد المتطرفين اليهود العنيفين.
ورغم أن عدد اليهود الخاضعين للاعتقال الإداري يكون غالباً صفراً ونادراً ما يتجاوز أعداداً محدودة جداً، فإنه مقتنع بأن الاستخدام العرضي لهذه الأداة يشكل عنصر ردع يمنع المتطرفين من تنفيذ عدد من الأفعال التي يقومون بها حالياً ضد الفلسطينيين.
وفي يناير 2025، أصبح وزير الدفاع يسرائيل كاتس أول وزير منذ عقود يلغي الاعتقال الإداري لليهود، في حين استمر استخدامه بحق أكثر من ثلاثة آلاف فلسطيني.
ورفض كاتس التراجع عن قراره رغم انتقادات صدرت حتى عن شخصيات أميركية مؤيدة لإسرائيل، بينها السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، الذي اتهم كاتس والحكومة الإسرائيلية الحالية بالفشل في منع ما وصفه بـ«الإرهاب اليهودي».
وفي المحصلة، يتوقع آيزنكوت أن تحتاج عملية تنفيذ التغييرات الكبرى الأولية اللازمة لإعادة السياسات السابقة داخل الشرطة والجيش والشاباك إلى فترة تتراوح بين شهرين وثلاثة أشهر، على أن تتبعها فترة أطول لضمان استقرار الوضع على المدى البعيد.
وبالطبع، فإن كل ذلك يعتمد على ما سيحدث في 27 أكتوبر2026يوم انتخابات الكنيست.
