بهاء الشايب
هل يمكن معالجة درعا بمعزل عن السويداء والقنيطرة؟
يشكّل الجنوب السوري واحداً من أكثر الاختبارات حساسية أمام الدولة السورية في إعادة بناء مؤسساتها، وتثبيت سلطتها، وإعادة تعريف علاقتها بالمجتمع المحلي وبالجوار الإقليمي. في قلب هذا الاختبار تقف حوران، بما تمثله درعا من ثقل سكاني واجتماعي واقتصادي، وبما يحيط بها من تعقيدات تمتد شرقاً نحو السويداء، وغرباً نحو القنيطرة والجولان السوري المحتل، وجنوباً نحو الحدود الأردنية.
من هنا، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت درعا قادرة على معالجة مشكلاتها الأمنية والسياسية بمفردها، إنما أصبح سؤالاً أعمق: هل يمكن أصلاً فصل مستقبل حوران عن البيئة الاستراتيجية التي تشكّلها السويداء والقنيطرة والحدود الأردنية والإسرائيلية؟
الإجابة الأقرب إلى الواقع هي أن الفصل الإداري ممكن، لكن الفصل الاستراتيجي ليس واقعياً. فالمحافظات الثلاث لا تشكّل وحدة سياسية واحدة، ولا ينبغي تحويل ترابطها الجغرافي والاجتماعي إلى مشروع سياسي مستقل؛ لكنها في الوقت نفسه تتحرك داخل منظومة أمنية واقتصادية وإقليمية واحدة، تجعل استقرار إحداها مؤثراً، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في استقرار الأخريين. وهنا تكمن عقدة الجنوب السوري.
الجنوب: ترابط استراتيجي لا يعني وحدة سياسية
النظر إلى درعا والسويداء والقنيطرة باعتبارها ملفات منفصلة قد يكون صحيحاً من الناحية الإدارية، لكنه غير كافٍ من الناحية الاستراتيجية. فدرعا تمثل قلب حوران وسهلها الزراعي والتجاري، بينما تمتلك السويداء خصوصية اجتماعية وجغرافية واضحة، وتقع القنيطرة في أكثر نقاط الجنوب حساسية بسبب قربها من خط فض الاشتباك في الجولان السوري المحتل.
هذا الترابط يظهر أولاً في العامل الأمني. فالجنوب السوري يقع بين بيئتين إقليميتين بالغتي الحساسية: الأردن من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى. وبالنسبة إلى الأردن، يرتبط أمن الجنوب السوري مباشرة بأمن الحدود، ومكافحة شبكات التهريب والجريمة المنظمة، ومنع تحول المناطق الحدودية إلى مساحات رخوة يمكن أن تنشط فيها جماعات وشبكات خارجة عن القانون. أما بالنسبة إلى إسرائيل، فقد أصبح الوجود العسكري والتحركات داخل أجزاء من القنيطرة ودرعا عاملاً ثابتاً في معادلة الجنوب. وقد شهدت المنطقة خلال الفترة الأخيرة عمليات توغل وقصف واعتقالات ونقاط تفتيش إسرائيلية متكررة، فيما استمرت هذه التحركات في الأيام الأولى من سبتمبر/أيلول 2026. وهذا الواقع يجعل من الصعب التعامل مع أمن درعا والقنيطرة باعتباره شأناً محلياً صرفاً.
أما المستوى الثاني من الترابط فهو اجتماعي. فالحدود الإدارية لا تلغي العلاقات العائلية والعشائرية والاقتصادية الممتدة بين مناطق الجنوب. وقد أظهرت التطورات التي شهدتها السويداء أن أي اضطراب اجتماعي واسع يمكن أن تكون له تداعيات تتجاوز حدود المحافظة نفسها. لكن من الضروري هنا تجنب استنتاج سياسي مبالغ فيه: الترابط الاجتماعي لا يعني تطابق المواقف السياسية، كما أن وجود روابط تاريخية بين المجتمعات المحلية لا يعني أن المحافظات الثلاث يجب أن تدار بنموذج واحد. وهذه نقطة أساسية في أي سياسة جنوبية متوازنة.
أما المستوى الثالث فهو الاقتصاد. فالجنوب يحتاج إلى طرق آمنة، ومعابر فعالة، وتجارة شرعية، وحركة زراعية نشطة، وخدمات مستقرة. وأي انهيار في هذه العناصر يخلق بيئة خصبة للاقتصاد غير الرسمي، ويزيد من قدرة شبكات التهريب والجريمة المنظمة على استقطاب الشباب. ولهذا فإن الأمن والاقتصاد في الجنوب ليسا ملفين منفصلين.
أزمة حوران: أكثر من مشكلة أمنية
ربما يكون أكبر خطأ يمكن أن ترتكبه دمشق هو التعامل مع درعا باعتبارها مشكلة أمنية
تحتاج إلى حل أمني فقط. صحيح أن انتشار السلاح، والاغتيالات، والخطف، والثأر، والنزاعات المحلية، ووجود مجموعات مسلحة أو شبه مسلحة، تمثل تحديات حقيقية؛ لكن هذه الظواهر هي أيضاً نتيجة لمسار طويل من ضعف مؤسسات الدولة وتعدد مراكز القوة.
ولهذا فإن السؤال الأساسي ليس فقط: كيف نسحب السلاح؟ بل: كيف نعيد بناء السلطة القانونية التي تجعل وجود السلاح خارج الدولة غير ضروري وغير مقبول في الوقت نفسه؟ هذه المسألة تصبح أكثر تعقيداً عندما يتعلق الأمر بالقوى المحلية التي نشأت خلال سنوات
الحرب. فإنهاء نفوذ الفصائل لا يمكن أن يعني ببساطة حلها بقرار إداري، كما أن دمج عناصرها في المؤسسات الرسمية لا ينبغي أن يتحول إلى عملية نقل جماعي للسلاح من تشكيل محلي إلى تشكيل رسمي.
المطلوب هو دمج مؤسسي حقيقي يقوم على الاختيار والتدقيق والتأهيل والتدريب والمساءلة، بحيث يصبح ولاء الفرد للمؤسسة والقانون، لا لشخص أو فصيل أو منطقة. وهذا هو الفارق بين بناء الدولة وإعادة تدوير مراكز القوة.
إسرائيل والأردن: المعادلة التي لا يمكن تجاهلها
لا يمكن كتابة أي تصور جدي لمستقبل الجنوب السوري من دون التعامل مع العامل الإسرائيلي باعتباره أحد المتغيرات الرئيسية. فاستمرار النشاط العسكري الإسرائيلي في القنيطرة ودرعا يفرض واقعاً أمنياً جديداً على المنطقة، في وقت تجري فيه اتصالات سورية–إسرائيلية بوساطة أميركية بهدف خفض التصعيد والبحث في ترتيبات أمنية. وقد استضاف الأردن في أغسطس/آب 2026 جولة من هذه المحادثات، في مؤشر على أن الملف الجنوبي بات جزءاً من مسار تفاوضي إقليمي أوسع. وتركزت المحادثات، وفق التقارير المتاحة، على خفض العمليات العسكرية وإحياء مسار تفاوضي بشأن ترتيبات أمنية، وسط استمرار الخلاف حول الوجود العسكري الإسرائيلي ومستقبل الترتيبات الحدودية.
لكن وجود مسار تفاوضي لا يعني أن المشكلة حُلت. فالواقع الميداني لا يزال هشاً، والتحركات العسكرية الإسرائيلية مستمرة، فيما تتمسك دمشق بمبدأ استعادة السيادة السورية على أراضيها وبإعادة العمل بالترتيبات التي حكمت منطقة فض الاشتباك قبل انهيارها.
وفي المقابل، يمتلك الأردن حسابات مختلفة ولكنها تتقاطع في نقطة أساسية: ضرورة وجود جنوب سوري مستقر وقادر على ضبط حدوده. ومن هنا فإن أي استراتيجية سورية للجنوب تحتاج إلى مسارين متوازيين: مسار داخلي يبني الدولة والمؤسسات؛ ومسار إقليمي يطمئن الجوار ويمنع تحول الجنوب إلى ساحة مفتوحة أمام التدخلات الخارجية.
السويداء: خصوصية يجب إدارتها لا إلغاؤها
لا يمكن معالجة الجنوب السوري من دون إدراك الخصوصية السياسية والاجتماعية للسويداء. لكن الاعتراف بهذه الخصوصية يجب ألا يتحول إلى خيارين متطرفين: إما المركزية الصلبة، أو إنشاء واقع سياسي منفصل. فهناك مساحة واسعة بين الخيارين.
يمكن لسوريا الموحدة أن تعتمد نموذجاً من اللامركزية الإدارية يمنح المحافظات صلاحيات واسعة في الخدمات والتنمية والإدارة المحلية، مع بقاء الدفاع والسياسة الخارجية والسيادة على الحدود والمؤسسات السيادية ضمن اختصاص الدولة المركزية. وهذه الصيغة يمكن أن تكون أكثر ملاءمة للسويداء، كما يمكن أن تكون مفيدة لدرعا والقنيطرة، من دون فرض نموذج إداري متطابق على المحافظات الثلاث. فوحدة الدولة لا تعني تطابق الإدارة المحلية. وهذه ربما تكون إحدى أهم القواعد التي ينبغي أن تحكم مرحلة إعادة بناء الدولة
السورية.
القنيطرة: الحلقة الأكثر حساسية
إذا كانت درعا هي القلب الاجتماعي والاقتصادي للجنوب، فإن القنيطرة هي العقدة الجيوسياسية الأكثر حساسية. فوجود الجولان السوري المحتل يجعل مستقبل القنيطرة مرتبطاً بصورة مباشرة بالصراع السوري–الإسرائيلي، وبترتيبات الأمن والحدود، وبمستقبل خط فض الاشتباك.
وتؤكد التطورات الميدانية الأخيرة أن القنيطرة ليست ملفاً يمكن تجميده إلى أجل غير محدد. ففي السادس من سبتمبر/أيلول 2026، أفادت تقارير عن قصف إسرائيلي في ريف القنيطرة، سبقه بيوم توغل لقوة إسرائيلية في محيط الرفيد، في سياق سلسلة من التحركات العسكرية المتكررة في المحافظة.
وهنا تحتاج دمشق إلى مقاربة مزدوجة. من جهة، عليها تثبيت مبدأ السيادة السورية واللجوء إلى المسار الدبلوماسي والدولي لمنع تكريس واقع عسكري دائم. ومن جهة أخرى، عليها بناء مؤسسات محلية قادرة على إدارة الحياة المدنية في القنيطرة، بحيث لا يصبح الفراغ الإداري ذريعة دائمة للتدخل الخارجي.
اللامركزية: الحل الممكن أم بداية التفكك؟
اللامركزية في الجنوب يمكن أن تكون جزءاً من الحل، لكنها تصبح خطراً إذا صيغت بطريقة تخلط بين الإدارة المحلية والسيادة السياسية. المطلوب هو لامركزية إدارية موسعة داخل دولة موحدة. ويعني ذلك منح السلطات المحلية صلاحيات حقيقية في: الخدمات العامة؛ التنمية المحلية؛ التخطيط العمراني؛ الزراعة والموارد المحلية؛ إدارة المرافق التعليمية والصحية ضمن الأطر الوطنية؛ تنظيم الأسواق والنقل المحلي؛ تنفيذ المشاريع التنموية.
في المقابل، تبقى ملفات الدفاع والسياسة الخارجية والحدود والسياسة النقدية والسيادة الوطنية ضمن مؤسسات الدولة. وحتى تنجح هذه الصيغة، لا بد من ثلاثة شروط: أولاً، تحديد الصلاحيات قانونياً لمنع تضارب الاختصاصات؛ ثانياً، ضمان الموارد المالية للمحافظات والبلديات وفق قواعد عادلة وشفافة؛ ثالثاً، إخضاع الإدارات المحلية للرقابة والمساءلة لمنع تحول اللامركزية إلى إعادة إنتاج لمراكز نفوذ جديدة.
نموذج أمني جديد للجنوب
إذا كانت الدولة تريد إنهاء الفوضى في الجنوب، فعليها أن تتجنب خيارين، كلاهما غير
مستدام. الأول: ترك السلاح المحلي خارج مؤسسات الدولة. والثاني: الاعتماد الدائم على الانتشار العسكري المركزي لمعالجة كل مشكلة محلية. الحل الأكثر واقعية هو إنشاء شرطة محلية مهنية مرتبطة مؤسسياً بوزارة الداخلية، ويكون أفرادها من أبناء المناطق، بعد إخضاعهم لمعايير وطنية موحدة في الاختيار والتدريب والمساءلة.
هذا النموذج يمكن أن يحقق معادلة مهمة: الدولة تحتفظ بالسيادة، والمجتمع المحلي يشارك في حماية أمنه. أما الجيش، فينبغي أن يركز على الدفاع عن الحدود والمنشآت الاستراتيجية والتهديدات العسكرية الكبرى، لا أن يتحول إلى جهاز لإدارة الخلافات اليومية بين العائلات والبلدات. وفي الوقت نفسه، لا يجوز أن تتحول الشرطة المحلية إلى غطاء لإعادة إنتاج الفصائل المسلحة.
لذلك يجب أن تكون عملية الدمج مصحوبة بتفكيك فعلي لمراكز القوة المستقلة، وحصر السلاح المتوسط والثقيل بمؤسسات الدولة.
الاقتصاد: المعركة التي تسبق الأمن أحياناً
لن ينجح أي مشروع أمني في الجنوب إذا بقي الاقتصاد عاجزاً عن توفير بدائل للشباب. فالتهريب لا يعيش فقط على ضعف الحدود، وإنما أيضاً على ضعف الاقتصاد الرسمي. وكلما انخفضت فرص العمل، وتراجعت الزراعة، وتدهورت الخدمات، وأصبحت التجارة القانونية أكثر كلفة وأقل ربحاً، زادت جاذبية الاقتصاد غير الرسمي. ولهذا يجب أن يصبح التعافي الاقتصادي جزءاً من استراتيجية الأمن الوطني. ويمكن أن يبدأ ذلك من معبر نصيب. فالمعبر لا ينبغي أن يكون مجرد نقطة عبور حدودية، بل جزءاً من استراتيجية أوسع لإعادة دمج الجنوب في حركة التجارة الإقليمية.
إلى جانب ذلك، تحتاج حوران إلى برنامج عاجل لإعادة تأهيل شبكات الكهرباء والمياه والاتصالات والطرق، ودعم القطاع الزراعي، وتوفير التمويل للمشروعات الصغيرة. فالاستقرار لا يصنعه السلاح وحده. الاستقرار يصنعه أيضاً المواطن الذي يجد أمامه بديلاً اقتصادياً عن الجريمة والتهريب والسلاح.
ستة مسارات لاستعادة استقرار الجنوب
إذا أرادت دمشق تحويل الرؤية إلى سياسة عملية، فإن الجنوب يحتاج إلى خطة متدرجة تقوم على ستة مسارات متوازية:
أولاً: بناء الإدارة المحلية
توسيع صلاحيات المجالس المحلية ضمن إطار قانوني ومالي واضح، مع رقابة ومساءلة.
ثانياً: بناء الشرطة المحلية
إنشاء شرطة مهنية من أبناء المناطق، مرتبطة مؤسسياً بوزارة الداخلية، وقادرة على التعامل مع الأمن اليومي.
ثالثاً: إنهاء السلاح الموازي
تنفيذ برنامج تدريجي لجمع السلاح المتوسط والثقيل وإعادة دمج العناصر المؤهلة ضمن
المؤسسات الرسمية.
رابعاً: إطلاق حوار جنوبي
إنشاء مسار حوار يضم ممثلين عن درعا والسويداء والقنيطرة، إلى جانب الشخصيات المدنية والاجتماعية والعشائرية والدينية والاقتصادية، بهدف بناء تفاهمات محلية داخل الإطار الوطني.
خامساً: تثبيت الأمن الحدودي
تعزيز الحدود مع الأردن ومكافحة شبكات التهريب، بالتوازي مع مسار دبلوماسي يمنع تثبيت واقع عسكري إسرائيلي جديد في الجنوب.
سادساً: إطلاق برنامج اقتصادي خاص بالجنوب
توجيه استثمارات عاجلة إلى الزراعة والطاقة والمياه والطرق والاتصالات والخدمات، وربط التنمية بخلق فرص عمل حقيقية للشباب.
ما الذي يجب ألا تفعله دمشق؟
هناك ثلاثة أخطاء يمكن أن تجعل أي استراتيجية للجنوب تفشل.
الخطأ الأول: الحل الأمني وحده
الجنوب ليس مشكلة أمنية فقط، بل مشكلة ثقة ومؤسسات واقتصاد وعلاقات اجتماعية.
الخطأ الثاني: فرض نموذج واحد على المحافظات الثلاث درعا ليست السويداء، والسويداء ليست القنيطرة. والاعتراف بهذا الاختلاف لا يضعف الدولة، بل يمكن أن يقويها إذا جرى تنظيمه ضمن إطار قانوني وطني.
الخطأ الثالث: ترك الفراغ :عندما تتراجع الدولة، لا تختفي السلطة.بل تنتقل إلى فصائل محلية، أو شبكات اقتصادية، أو زعامات اجتماعية، أو قوى خارجية. ولهذا فإن الفراغ الإداري والأمني في الجنوب قد يكون أخطر من ضعف الدولة المؤقت.
الخلاصة: الجنوب بوابة الدولة السورية
إن مستقبل الجنوب السوري لن يحسمه انتشار عسكري مؤقت، ولا اتفاق أمني عابر، ولا قدرة فصيل محلي على فرض نفوذه في مدينة أو قرية. المعادلة الأعمق تتعلق بقدرة الدولة السورية على إعادة بناء العلاقة بينها وبين مجتمع الجنوب.
وهذه العلاقة ينبغي أن تقوم على أربعة مبادئ واضحة: دولة موحدة في السيادة والدفاع والسياسة الخارجية؛ إدارة محلية واسعة الصلاحيات في الخدمات والتنمية؛ أمن محلي مهني يعمل تحت سلطة الدولة؛ حوار سياسي واجتماعي يحترم خصوصية المناطق من دون تحويلها إلى مشاريع نفوذ أو انفصال.
وفي الوقت نفسه، تحتاج دمشق إلى سياسة إقليمية أكثر نشاطاً: طمأنة الأردن بأن الجنوب لن يتحول إلى مصدر تهديد لأمنه، والعمل عبر القنوات الدولية لوقف التوغلات الإسرائيلية ومنع تحويل الوقائع العسكرية المؤقتة إلى ترتيبات دائمة، مع الحفاظ على المبدأ السوري المتمثل في وحدة الأراضي والسيادة عليها.
إن حوران ليست ملفاً أمنياً خاصاً بدرعا، كما أن السويداء ليست جزيرة منفصلة، والقنيطرة ليست مجرد منطقة حدودية. إنها حلقات مترابطة في معادلة جنوبية واحدة، وإن كانت لكل منها خصوصيتها. لكن إدراك هذا الترابط لا ينبغي أن يقود إلى إنشاء كيان سياسي جنوبي، بل إلى بناء استراتيجية وطنية للجنوب داخل الدولة السورية.
وهنا تحديداً يكمن الاختبار الحقيقي للمرحلة الانتقالية: هل تستطيع دمشق أن تحول الجنوب من مساحة تتنافس فيها القوى المحلية والإقليمية إلى مساحة تتكامل فيها الدولة والمجتمع والاقتصاد؟ إذا نجحت في ذلك، فلن تكون قد عالجت أزمة حوران وحدها، بل ستكون قد وضعت نموذجاً قابلاً للتعميم في إعادة بناء الدولة السورية. أما إذا بقي الجنوب رهينة للسلاح المنفلت، والفراغ الإداري، والاقتصاد غير الرسمي، والتدخلات الخارجية، فإن أي استقرار فيه سيظل مؤقتاً وقابلاً للانهيار عند أول أزمة. فالجنوب ليس هامش سوريا، بل أحد مفاتيح مستقبلها.
