سمير سالم
مرّت المعارضة السورية بمراحل عدّة منذ حركة 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 1970 التي جاءت بحافظ الأسد إلى السلطة. ففي حين لم تكن المعارضة الحزبية متبلورة تماماً في السنوات الأولى للحكم، مع نشاطها في الهامش المتاح، فإنَّ الدخول العسكري السوري إلى لبنان في 1 حزيران/ يونيو 1976؛ والحراك المسلّح بقيادة “الإخوان المسلمون” ما بين عامي 1979 و1982؛ وموت حافظ الأسد في 10 حزيران/ يونيو 2000؛ وصولاً إلى اندلاع الاحتجاجات الأولى يوم 18 آذار/ مارس 2011، والتطوّرات اللاحقة لهذه الاحتجاجات من تسلّح وتطيّف وتدخل خارجي، شكَّلت نقاط انعطاف في مسيرة المعارضة السورية، إذ أفرزت تحالفات وتباينات وافتراقات في كلّ مرحلة من هذه المراحل.
غير أنَّ سقوط نظام الأسدين في 8 كانون الأول 2024 بعد عقود عديدة مثّل فشلاً لعملية الحل السياسي الذي كان له أنْ ينقذ البلاد من الفوضى ويضع حدّاً لإهراق مزيد من الدم السوري ويحدد السيرورة التي يُمكن لها أنْ ترسم مستقبل البلاد بما يلائم التضحيات الجسيمة التي قدّمها السوريون وتطلعاتهم في بناء نظام لا يضع الوطنية في إحدى كفتي الميزان والديمقراطية في الكفّة الأخرى، ويحفظ حرياتهم وكرامتهم. في الوقت نفسه، شكّلت المرحلة اللاحقة للسقوط اختباراً للأحزاب السياسية السورية التي تلقت الضربات واحدة تلو الأخرى طيلة سنوات مديدة من حكم الأسدين، وبعد أنْ كان الاتجاه لدى طيف واسع منها واضحاً، على اختلاف الطرائق والوسائل، وجدت نفسها في خضم واقع جديد، بلا حدود واضحة، وسلطة تخفي كثيراً من ملامحها.
على إثر هذا الواقع الجديد، وقعت قوى سياسية كثيرة في ارتباك، فإذ أقبل سوريون كثيرون على النشاط السياسي عقب سقوط نظام الأسد وإحساسهم بتحرر مباغت من القبضة الأمنية التي أحكمت على رقابهم لسنوات مديدة وبإمكانات لمستقبل البلاد أشبه بالأحلام، راح هذا الإقبال يتبدد شيئاً فشيئاً مع استمرار سيل الدماء السورية، والواقع الاقتصادي الذي زادت ضغوطه إثر السياسات الاقتصادية التي تنتهجها السلطة الجديدة في سوريا، واستحضار إرث الخوف الذي ترسّخ على مرّ عقود. وفي حين يُمكن لهذه الأسباب أنْ يرى البعض في هذه الأسباب إجابة كافية ووافية على هذا الإقبال والارتداد المفاجئين، غير أنَّها تخفي حقيقة أنَّ البوصلة التي ظلت واضحة الاتجاه لعقود قد تعطّلت.
تكاثرت التنظيمات والتحالفات التي وُلِدت عقب سقوط نظام الأسد بناءً على برامج تشبه إلى حدٍ بعيد تلك التي جرى العمل على أساسها في ظلّ نظام الأسد، وفي حين أنَّ ثمَّة تطلعات عديدة لدى السوريين لا تزال هي ذاتها قائمة منذ عقود عديدة، مثل الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، والمواطنة المتساوية فعلاً وليس قولاً، فإنَّ الواقع السائل لم يُتح بعد تشكيل سردية معارضة متماسكة تماماً، لا سيّما أنَّ السلطة ذاتها لم تتبلوّر في شكلها النهائي تحت ضغوطات الخارج والداخل، ومِن ثمَّ فإنَّ مواقع السوريين وقواهم وتشكيلاتهم الاجتماعية-الاقتصادية لم تتحدد ضمن النظام الناشئ، والفئات والشرائح المنتفعة إلى الآن من السلطة الجديدة لا تسمح بقيام نظام له شرعية واسعة لمحدوديتها الهائلة.
إضافة إلى ذلك، تمرّ المنطقة منذ حرب أكتوبر 2023 بتغيّرات جذرية، ازدادت حدةً عقب اندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران التي بدأت في 28 فبراير/ شباط 2026 بهجوم عسكري مشترك واسع النطاق (تحت اسمي “الغضب الملحمي” و”زئير الأسد”) التي أدخلت المنطقة في ما يبدو الطور الأخير من إعادة تشكيل المنطقة، لا بمعنى رسم حدود جديدة، بل بإعادة تحديد مراكز القوة وعلاقاتها بالنظام العالمي. وأدت الضربات الإيرانية المستمرة على دول الخليج إلى تعطيل العجلة الاقتصادية فيها، وهي الدول التي كان تعوّل عليها السلطة الجديدة لتمدّها بالدعم المادي والسياسي عند الحاجة، دون أنْ ننسى أنَّ هذه الحرب ذاتها تنطوي نتائجها على مستقبل مجهول المعالم بالنسبة إلى هذه الدول في علاقتها بالولايات المتّحدة التي كان يُفترض أنْ تحميها، وبالنسبة إلى الدور الذي قد تشغله إيران في المنطقة بعد نهاية الحرب.
وعلى الرغم من الدعم الأميركي والأوروبي للسلطة الذي يبدو غير محدود سياسياً إلى الآن، والإشارة ضمناً إلى قدرة هذه السلطة على إنجاز التغيير أو قيادته أقلّها، وتجلي تركيا كواحدة من أكثر المؤثرين في القرار السوري حالياً، نرى على الطرف الآخر الكيان الصهيوني يصف السلطة الجديدة بسلطة الجهاديين، وهو الذي لم يتوقف عن التوغل في الأراضي السورية مرةً تلو الأخرى منذ اليوم التالي لسقوط نظام الأسدين، لتتحوّل سوريا إلى ساحةً لحرب تركية-إسرائيلية لا تزال باردة نسبياً، مع محاولة كل طرف اختبار الخطوط الحمراء، لتؤدي هذه الحرب الصامتة إلى استمرار حالة اللا استقرار التي يعيشها السوريون منذ أمد بعيد، وعلى كلّ المستويات.
على الرغم مما ينطوي عليه الوضع الإقليمي حالياً من تعقيد، وحالة السيولة التي تجتاح المجتمع السوري في تحديد المواقع إزاء السلطة الجديدة، فإنَّ بعض ملامح السلطة التي لا تزال في طور التشكّل راحت تبرز شيئاً فشيئاً، بانتهاجها لسياسات اقتصادية تعمّق حالة الفقر التي تطال أكثر من 90% من السوريين، وبفرضها رقابة، مستترة أحياناً وعلنية في أحيان أخرى، على التجمعات السياسية وحتى الثقافية، واعتمادها على فئة ضيقة جداً من “الثقات” في كافة التعيينات، بغض النظر عن كفاءة هؤلاء “الثقات” من عدمها، ومحاولاتها المستمرة زمانياً والمنفصلة مكانياً لإعادة صوغ حدود الحريات العامة والشخصية، تفرض على القوى الوطنية-الديمقراطية أنْ تمارس ضغطاً مستمراً على السلطة كي لا ينزلق البلد مرةً أخرى إلى استئثار فئة ضيقة بالحكم، ولتقديم رؤية واضحة حول المسار الآمن للتغيير والانتقال إلى نظام جديد بمعنى الكلمة، وإعادة تنظيم صفوفها وترتيب أولوياتها في هذه المرحلة شديدة الحساسية، داخلياً وخارجياً. وفي حين أنَّ المعارضة لا تكفي كبندٍ وحيد لبناء قضية سورية متماسكة لمرحلة ما بعد سقوط الأسد ونظامه، فإنَّ سوريا بلا محاولة إنعاش الحياة السياسية وإيجاد أشكال جديدة للتعاون والتأثير لن تكون سوى نسخة مكررة من تاريخ قريب يعرف السوريون جيداً مآلاته.
