د. منذر أبو مروان اسبر
حوار مع صحيفة المسار السورية)-6\8\2026
طرحت صحيفة المسار السورية في عددها رقم ١١٤ ، شهر تموز 2026 افتتاحية بعنوان “عندما يكرر الأميركان القول إنهم من أسقط نظام بشار الأسد”، لتبدأ بتناول نشوء الديكتاتورية الأسدية بإعادتها إلى عدة عوامل: التوافق الأمريكي-السوفياتي الدولي على إزاحة نظام 23 شباط برفضه القرار 242 بعد حرب 1967، ومشروع السادات الإقليمي مخالفاً بذلك اليسارية الناصرية، واخيراً “النقمة الداخلية السورية لدى الفئات الغنية والطبقات الوسطى” ضد الإجراءات اليسارية في الاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة لحركة 23 شباط نفسها .
ولكن الصحيفة ترى أن الأمر مختلف مع تبوء هيئة تحرير الشام السلطة في سورية “كانتفاضة حركة عسكرية ضد نظام آيل للسقوط” و”بغطاء أمريكي”، لهذا تقول “ليس بإمكان أحد القول إنه تغيير سوري وإن لاقى تأييداً شعبياً كبيراً”.
إن حوارنا مع الصحيفة يتعلق بطبيعة هذا التغيير وبالتالي لا يمكن اعتباره مجرد حركة عسكرية تقليدية، بقدر ما هي فصائل مسلحة مصنفة دولياً على قوائم الارهاب، ذات مشروع جهادوي إسلامي سلفي يتخطى الحدود الوطنية السورية وضد الانتقال الديمقراطي التشاركي بما يعيد إنتاج الاستبداد.
صحيح أن مجلس الامن قد رفع الصفة الارهابية عن أحمد الشرع ، ولكن هيئة تحرير الشام مازالت مدموغة بالإرهاب وسورية لم تعرف معها الأمن والسلام الأهلي مع الانتهاكات الجسيمة الدامية لحقوق الانسان رجالاً ونساءً وأطفالاً أبرياء في الساحل والسويداء بوجه خاص.
إن فضاء الحوار مع صحيفة مسار يفتح طرح مسألة أساسية مفصلية بين سورية القديمة والحديثة بتغليب العامل الخارجي عندما تقول :
” يجب علينا أن نعترف أن البريطانيين هم صانعو جلاء الفرنسيين عام 1946″.
ثمة أن التحليل التاريخي يفرض العودة إلى نضالات الشعوب. فلقد كانت هناك أرضية داخلية للاستقلال تمثلت بالثورات السورية في الساحل وجبل الزاوية وجبل العرب وبالانتفاضة الدمشقية ضد قصف البرلمان السوري، وبكتلة وطنية موحدة القيادة والسياسة والعمل .
بكلمة لم يهبط الاستقلال من الخارج، بما يجعلنا نؤكد المعادلة التاريخية التالية :
الاستقلال = ثورات شعبية مناطقية وطنية + كتلة وطنية موحدة +قيادة وطنية واحدة + تناقضات استعمارية دولية موظفة وطنياً .
ويمكن أن نرى هذا على مستوى آخر ضد الديكتاتورية الشيشكلية. فإذا كانت قد تمت كانقلاب عسكري “بدفع خارجي” فلقد تميز التخلص منها بوجود أرضية داخلية مناهضة .
إنها أرضية الاحزاب السياسية اليسارية وأحزاب الوسط واليمين والمجموعات المستقلة المعارضة والرفض الشعبي لها ، وتوافق مؤتمر حمص الوطني عام 1954 لإنهائها، وبالتالي تخلي الداعمين الخارجيين عنها .
التاريخ يحفل بالأمثلة كتخلي بريطانيا عن دعم النظام الخديوي على اثر النقمة الشعبية -العسكرية لهزيمة 1948 وقيام الثورة الناصرية عام 1952. او عدم إنقاذ أمريكا محمد مرسي عام 2013 مع التظاهرات العارمة وتحرك القيادة العسكرية لإنهاء حكمه (مذكرات هيلاري كلنتون) .
نستخلص وجود قاعدة في العلاقات الدولية؛ طُبقت على النظام الأسدي نفسه مع قيام المعارضة المستمرة ضده وصولاً الى الانتفاضة الشعبية؛ وهي أن الخارج يتخلى عن نظام يدعمه بوجود أرضية داخلية قوية ضده .
وحواراً، نطرح أن “المسار” تدخل في مراهنة مزدوجة ، الأولى عندما تقول “إذا كانت هناك أطراف إقليمية مثل تركيا تريد حكماً إسلامياً أو جعل دمشق تابعة لأنقرة ” على غرار تبعية بغداد لطهران، فإن تركيا لن تنجح في مسعاها، لماذا ؟
” بسبب حائط السد الدولي في واشنطن وموانع الرياض والقاهرة واسرائيل “.
لكن أين هو الحائط الأمريكي في وجه حكم الإسلام -السياسي الأردوغاني في أنقرة؟ وأين هو في وجه الحكم الصهيوني -الديني في تل أبيب؟
ثم أين موانع بعض الدول عندما تتمحور مع الحكم الإسلامي في تركيا وباكستان؟
أما المراهنة الثانية فتمتد إلى “سلطة المنتصر يقرر” لتقول الصحيفة : “أن الوضع السوري لحاكمي دمشق الجدد لن يسمح لهم أن يقرروا رؤيتهم الايديولوجية الإسلامية، بل على الأرجح سيتكيفون مع دفتر الشروط غير السوري ، وهم اثبُتوا منذ حكمهم في ادلب أنهم براغماتيون”.
وهنا فتشخيص الوضعية السوري يدلي بتفككها وطنياً واجتماعياً وسياسياً في حالة من تفاقم العنف والخوف والجوع تحت سيطرة فصائل سلطة الفرد الحاكم .
ثم أين هذه التكيفات وبراغماتيتها؟ أليست البراغماتية السياسية قبول الآخر المختلف ومشاركته في الانتقال التشاركي والبناء المشترك للدولة والوطن والمجتمع؟
وإذا وجدت البراغماتية الخارجية انفتاحاً وعلاقات دبلوماسية وزيارات أو استثمارات، فهذا لا يعني تخلي السلطة عن الأيديولوجية الإسلامية كما نرى في تركيا او قطر أو باكستان .
هكذا، فإن خطر إسقاط البراغماتية المنفتحة خارجياً على الوضع الداخلي المغلق على الحكم الفردي، من شأنه تمكن السلطة في الداخل وتنفيذ دفتر الشروط غير السورية في الخارج.
أخيراً تؤكد الصحيفة “أنه من الواضح لن ترسم اللوحة السورية الجديدة من خلال البعد الداخلي” وإنما “عبر البعد الخارجي أساسا”، إذن لم يعد هناك إلا قدوم حتمية التغيير الخارجي.
لكننا لم نجد هذه الحتمية في تاريخ الشعب السوري الحديث بقدر ما رأينا أن أي تغيير خارجي يتطلب أرضية داخلية له .
كما أن الخارج نفسه لا يطرح هذه الحتمية بالنسبة له إذا اخذنا بعين الاعتبار ما تشير إليه الصحيفة حول القرار 2799 المتخذ عام 2025 بعد القرار 2455 من “أجل انتقال جامع وشامل ” لتقرير السوريين مصيرهم بأيديهم.
تلك إذن مسؤولية السوريين في تحقيق الأرضية الداخلية للتغيير بتشكيل تحالف وطني عريض، بغية إقامة مؤتمر وطني عام سيادي باتجاه الدولة الوطنية الديمقراطية التي أسستها سورية عام 1947 واستعادتها عام 1954 .ولا تُعرف الشعوب الا بما أسسته.
