إلى اليسار

  • سمير سالم –

يومًا تلو الآخر، مع تبدد أشباح الانفصال وعودة النظام “القديم” وأساطير الطوائف، يتجلى الصراع الداخلي في سوريا في شكله الأصلي والحقيقي، صراع يقوم على أساس اجتماعيّ-اقتصاديّ، وتنفد شيئًا فشيئًا إمكانية شحنه بأوهام متخيلة تتمحور حول طوائف وأعداء. وفي حين قد تنطوي المرحلة الحالية على مخاطر كثيرة على المجتمع السوري المنهك من حكم استبدادي مديد، ووضع اقتصادي وأمني مترد، وغير مطمئن -على أقل تقدير- في قطاعات واسعة منه للسلطة الحالية إلى الآن، فإنّ الوضع الحالي قد يمثّل فرصة بالنسبة إلى القوى الماركسية السورية.

فحتى لو رأينا إلى السلطة الحالية على اعتبارها سلطة لا تزال في طور التشكّل، بحكم تصارع عدة تيارات داخلها، وعدم اتضاح خريطة حلفائها الفعليين، والضغوط الخارجية التي تُمارس عليها في اتجاهات متعددة، فهي تثبت في كلّ فرصة أمرين: أولهما، أنَّها لا تسعى في أيّ اتجاه يعترف بوجود تعددية سياسية وفكرية وأيديولوجية يُفترض أنْ تكون بدهية في بلد له تاريخ سياسي مديد مثل سوريا، وحرصها على تلافي كلّ ما يتيح لهذه التعددية أنْ تتخذ شكلها الطبيعي، واعتبارها الديمقراطية ضربًا من الرفاهية لا داع إليها الآن. أمّا الثاني، فهو أنّها لا تتوانى، من دون أي شرعية، عن تبني سياسات تساهم في تعميق إفقار الشعب السوري، بدايةً من فاتورة كهرباء تزيد في أحيان كثيرة عن راتب موظف لشهر كامل، وزيادة أسعار الوقود والمواصلات والخبز، وصولًا إلى الحديث عن خصخصة الصحة، وغياب الشفافية في حملات جمع التبرعات الاستعراضية التي جرت في العام المنصرم وثبات أنّ هذه الحملات لم تكن سوى مسكّن مؤقت لا يشفي هذه البلاد من أيّ من أمراضها المزمنة.

إن الاتجاه الاقتصادي الذي سلكه النظام البائد في حقبة الأسد الابن، أدى إلى عدم تطوير القطاع الزراعي في سوريا، وتراجع الصناعة السورية ونفور كثير من الصناعيين الكبار من العمل في البلاد بسبب الظروف غير الملائمة والفساد والشبكات الطفيلية المرتبطة مباشرةً بالنظام البائد، فقادنا إلى تغيرات اقتصادية-اجتماعية عميقة، ظهر بفعلها نافذون اقتصاديون جدد كل ما يملكونه هو صلة وطيدة بشبكات الفساد المتجذرة في السلطة، وولّد أزمات عميقة (من اتساع الشرائح التي ترزح تحجت خط الفقر، وازدياد معدلات البطالة، وأزمات بيئية لا تنتهي). كان هذا الاتجاه الاقتصادي أحد الأركان الرئيسة للانفجار الاجتماعي في عام 2011، غير أنّه اتخذ منحى أكثر رداءةً خلال سنوات الحرب، مع ظهور اقتصاد ظل يقوم على فرض “الأتاوات” على الشعب السوري وتجارة الكبتاغون وحرق الغابات وغير ذلك.

راهنًا، مع السعي الحثيث من السلطة السورية الجديدة نحو اندماج بالسوق الرأسمالي العالمي، دون اكتراث بما يُمكن أنْ يفضي إليه هذا الاندماج غير المدروس من توسيع الفوارق الطبقية وتعميق الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المستفحلة أساسًا، والحديث المستمر حول خصخصة القطاع العام، مما سينعكس سلبًا على الغالبية العظمى من السوريين اللذين يرزح أكثر من 80% منهم تحت خط الفقر. يبدو الخلاص السوري في قطاع حكومي قوي، مع ضرورة إصلاح القائم منه وتحصينه ضد الفساد والنهب وتجييره لحسابات معيّنة، ومشروطًا بتحقيق تنمية سورية أساسها الاستثمار والإنتاج المحليين على أسس شفافة وعادلة، على أنْ تكون هذه التنمية قائمة على سياسات وخطط مناسبة وعادلة، وأنْ تشجع نمو قوى الإنتاج، لا سيّما في المجالات المرتبطة بالقاعدة المادية للإنتاجين الصناعي والزراعي اللذين يعدان عمادا الاقتصاد السوري.

كلّ العوامل السابقة تؤكّد الحاجة إلى وجود تجمّع ماركسي سوري يقوم على أرضية مشتركة، في النظرية والرؤية، دون التخلي عن جوهرية الديمقراطية في السياق السوري، إذ أنّ المرحلة الحالية تستلزم التمسك بإطلاق سيرورة التحوّل الديمقراطي، بوصفها السبيل الوحيد لانتقال آمن وجوهري للبلاد، والتي يُمكن لها أنْ تكتسب شرعية شعبية حقيقية. لكن، على الرغم من أهمية وجود تجمعات واسعة للقوى السياسيّة التي تعرّف ذاتها بأنّها “وطنية-ديمقراطية”، ومشاركة القوى السياسية الطامحة إلى نظام ديمقراطي يمثّل السوريين دون إقصاء، تبدو هذه الجبهات العريضة في أحيان كثيرة مكبَّلة بسبب تنوّع اتجاهاتها، ومصالحها تاليًا، إذ نرى أنّ كثيرًا من القوى السياسية التي لطالما طالبت بالانتقال الديمقراطي تتبنى في المرحلة الحالية نهجًا لا يتسم بأيّ نقدية تجاه السلطة القائمة، بل ويبرر كثيرًا مما حدث ويحدث إلى الآن. في الوقت ذاته، تبدو بعض القوى التي لطالما كانت جزءًا من المعارضة السياسية للأسدين راديكالية إلى حد التهور واللاعقلانية في طروحاتها بعد سقوط نظام الأسد.

هنا يُمكن لماركسيّة عقلانيّة، تتعامل مع معطيات الواقع الموضوعية، دون أنْ تتخلى البتة عن حسها النقدي، أنْ تقدّم إجابات شافية على كثير من الأسئلة المطروحة في الشارع السوري حاليًا. فالقطاع العام الذي تنادي به الماركسية قد يكون طوق النجاة الوحيد اجتماعيًا-اقتصاديًا بالنسبة إلى غالبية الشعب السوري، في الوقت الذي تتجه السلطة إلى بيعه أو خصخصته. والماركسية في تركيزها على جوهر الصراعات لا مظهرها، يُفترض بها أنْ تكافح كلّ تمييز أساسه الجنس أو القومية أو الدين أو الطائفة، وتجنب ضروب التمييز هذه هو ركن أساس من أركان المواطنة المتساوية. ويُمكن للقوى الماركسية، بل وعليها، أنْ تطوّر صيغة مركّبة تجمع بين مقاومة مراكز النفوذ الإمبرياليّ، وأنظمة الاستبداد، والقوى التكفيرية، دون أن تنزلق باتجاه الدعوة إلى أنظمة وطنية استبدادية، أو إلى أنظمة ديمقراطية عميلة، لتكون صوت الغالبية الحقيقية من السوريين والتيار المعبر عن مصالحهم.