المحامي نشأت الطعيمة
بعد نجاح الثورة الإيرانية والإطاحة بنظام الشاه الايراني الحليف الاستراتيجي القوي لأمريكا في منطقة الشرق الأوسط عام ١٩٧٩ واستبداله بنظام إسلامي متشدد معادٍ للولايات المتحدة الأمريكية، ومنذ ذلك التاريخ أصبحا واشنطن وطهران عدوين لدودين لبعضهما، فأصبحت أمريكا عند طهران هي الشيطان الأكبر في العالم، كما أصبحت طهران عند الولايات المتحدة الأمريكية في مقدمة الدول المعادية للنظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، وصُنفت من الدول الراعية للإرهاب بعد الهجوم الانتحاري في بيروت عام ١٩٨٣ على السفارة الأمريكية الذي تسبب في مقتل العشرات من الأمريكيين والفرنسيين، وكذلك بسبب الهجوم على مقر القوة المتعددة الجنسيات في بيروت وأدى إلى مقتل ٢٤١ جنديًا أمريكيًا في نفس العام، حيث كان هذا الحدث أشد إيلامًا ودموية للقوات المسلحة الأمريكية من حرب أمريكا في فيتنام، واعتبرت أمريكا إيران وراء هذ العمل عبر حزب الله اللبناني. كما أصبحت إيران، بسبب سياساتها الخارجية المعادية لدول المنطقة والخليج العربي ومحاولاتها تصدير ثورتها ومعتقداتها الإسلامية المتشددة عاملًا عدم استقرار للمنطقة، وكذلك عامل جذب للعديد من الفصائل الإسلامية المسلحة عبر شعاراتها المعادية لإسرائيل من جهة ثانية، فأصبحت تلك الفصائل أذرع لها تحركها وفق مصالحها الاستراتيجية، وامتدادًا لنفوذها الإقليمي الذي أصبح يشكّل أحد عناصر القوة لها ومهددًا للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط وفي منطقة الخليج العربي بشكل خاص، كما أصبح هذ التمدد الإيراني تحديًا لطموحات إسرائيل التوسعية في الدول العربية المحيطة بها مثل لبنان وسوريا وبقية الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة.
نظرت الولايات المتحدة الأمريكية لهذا التحول السياسي الحاصل في ايران منذ عام ١٩٧٩ ابتداء من أزمة الرهائن التي استمرت حتى عام ١٩٨٢ كخصم ايديولوجي لها وتحديًا لحضورها الاستراتيجي في الشرق الأوسط أمام الاتحاد السوفيتي آنذاك.
تعتبر الحرب على إيران في ٢٨ فبراير عام ٢٠٢٦ استمرارًا لحالة العداء الطويلة بين أمريكا وإسرائيل من جهة مع إيران، وهي امتداد للغارات الجوية التي نفذتها الولايات المتحدة الأمريكية في يونيو عام ٢٠٢٥ بالتنسيق مع اسرائيل باستهداف المنشآت النووية الإيرانية.
ومن جهة أخرى، ووفق التقديرات الاستراتيجية، لم تتحقق شروط و أهداف الحرب الاخيرة على إيران بين أمريكا وإسرائيل بالكامل، فقد صرح رئيس الوزراء الاسرائيلي لأكثر من مرة إنه يريد إسقاط النظام الايراني باعتباره يشكل خطراً وجوديًا على إسرائيل وإن ايران ستكون قوة إقليمية حين امتلاكها للسلاح النووي، وإسرائيل ترغب في إخراجها من اي معادلة قوة في المنطقة في مواجهة إسرائيل في الهيمنة والتوسع والسيطرة على محيطها. أما الولايات المتحدة الأمريكية فقد أعلنت أن الهدف من العملية العسكرية على إيران هو تدمير القدرات الصاروخية والعسكرية الإيرانية التي أصبحت تشكل خطرًا على المنطقة وعلى مصالح الولايات المتحدة الأمريكية وأيضًا منعها من امتلاك السلاح النووي، وفي تصريحات معلنة أخرى للرئيس الأمريكي ترامب حتى يمنع الحرب على إيران، عليها إنهاء تخصيب اليورانيوم بشكل كامل وفرض قيود مشددة على برنامج الصواريخ الباليستية ووقف دائم لدعم الجماعات الحليفة لطهران في منطقة الشرق الأوسط مثل حماس في غزة وحزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن. أمّا غير المعلن بشأن دوافع وأسباب الحرب عند الولايات المتحدة الأمريكية هو إنهاء القوة الإيرانية وملء الفراغ العسكري والأمني في منطقة الشرق الاوسط بعد حرب غزة والضربات التي لحقت بأذرع إيران بالمنطقة مثل منظمة حماس في غزة وحزب الله في لبنان وسقوط نظام الأسد الابن في دمشق الحليف الاستراتيجي لإيران، إضافة إلى جملة من التفاهمات الإقليمية والدولة مع كل من تركيا وروسيا في ما يتعلق بالمنطقة وبالحرب على أوكرانيا، وهو ما ترافق مع غزو فنزويلا وخطف رئيسها والتحكم في مقدراتها في البترول والطاقة.
إن جملة تلك العوامل دفعت أمريكا إلى شن الحرب على ايران بهدف السيطرة على مصادر قوتها من بترول وغاز ومصادر الطاقة الأخرى، وقطع الطريق على التمدد الاقتصادي الصيني المتسارع في المنطقة الذي يهدد أمريكا في إمبراطوريتها كقطب قوة وحيد في العالم.
كان الرد الايراني على المطالب الامريكية المعلنة قبل أن يتم شن الحرب عليها عبر المرشد الأعلى علي خامنئي قبل اغتياله، فقد صرح قبل الضربة التي أطاحت به أن إيران لن ترضخ للمطالب الأمريكية مؤكدًا أن أيّ تفاوض مع أمريكا لا يمكن أن يقوم على (شروط حمقاء).
منذ عام ٢٠٢٥ بدأت أمريكا وإيران عدة جولات من المفاوضات للوصول إلى اتفاق سلام بينهما، غير أنهما لم يتوصلا إلى أي تفاهمات بسبب تمسك كل طرف بشروطه ومطالبه المعلنة، وفي ٢٢ يونيو من عام ٢٠٢٥ أعلن الرئيس الامريكي ترامب و بالتنسيق مع إسرائيل (التي كانت بدأت ضرباتها الجوية لإيران في 13 حزيران) عن تنفيذ عدة غارات عسكرية استهدفت المنشآت النووية الإيرانية وأسفرت عن تدمير شامل للمواقع النووية في كل من فوردو ونطنز وأصفهان بحسب تصريح الرئيس الأمريكي ترامب، وفي ٢٨ فبراير من عام ٢٠٢٦ استهدفت أمريكا وبالتنسيق مع إسرائيل بضربات جوية واسعة النطاق عدة مواقع في أغلب المدن الإيرانية وفي مقدمتها العاصمة طهران وتم خلالها وفي اليوم الأول القضاء على أغلب القادة الإيرانيين من الصف الأول والثاني وكان من ضمنهم المرشد الأعلى علي خامنئي، وقد أعلنت أمريكا حينها أن الهدف من العملية العسكرية هو تدمير القدرات الصاروخية والعسكرية الإيرانية ومنعها من امتلاك السلاح النووي وفي تصريحات أخرى للرئيس الأمريكي انه يرغب في إسقاط النظام أو تغيير سلوكه.
أقدمت إيران بعد الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إغلاق مضيق هرمز المهم الذي يعد الشريان الرئيسي الحيوي بالنسبة للاقتصاد العالمي وفي إمداد الطاقة حيث يمر عبره أكثر من ٢٠% من التجارة العالمية و٢١% من البترول العالمي و٣٥% من إمدادات الغاز وأكثر من ٣٠% من الاسمدة الزراعية ومواد الطاقة المتعددة والبتروكيميائية، كما استهدفت إيران بالصواريخ والطيران المسير أغلب دول الخليج العربي ومنشآت البترول والغاز والطاقة، وبالمقابل فرضت الولايات المتحدة الأمريكية حصارًا محكمًا على جميع الموانئ الإيرانية.
أقدمت إيران بعد الضربات الصاروخية الامريكية عليها، على استهداف دول الخليج العربي بالصواريخ وكانت بذلك تستهدف عدم استقرار المنطقة وأيضًا أمن الطاقة ورفع كلفة الحرب على واشنطن وتل أبيب وتوسيع دائرة الحرب الاقليمية قدر الإمكان وإيصال الحرب إلى فوضى شاملة في المنطقة وإرباك الأسواق العالمية وهي بذلك تحاول الإمساك بأوراق مهمة لفرض شروط لصالحها عند التفاوض في وقف الحرب.
كانت فاتورة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران كبيرة جدًا على أغلب دول العالم، غير أن إيران كانت في مقدمة الدول المتضررة. فقد أصبحت من جراء الضربات الجوية التي استمرت لأربعين يومًا على بنيتها الاقتصادية والعسكرية والمدينة وعلى قيادتنا السياسية والعلمية أمام تحدي غير مسبوق في تاريخها الحديث، وبحسب صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية فقد تعرض أكثر من ١٧ ألف موقع للدمار، كما قدرت وسائل إعلام إيرانية تكلفة إعادة إعمار إيران بنحو ٢٧٠ مليار دولار، إضافة إلى ما سيلحق بها من الحصار البحري الذي فرُض عليها والذي سيكلّف إيران خسائر تتجاوز الأربعمائة مليون دولار في اليوم وفق تقدير مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية الإيرانية.، كما أدت الضربات الممنهجة على أهم المواقع الصناعية والبتروكيميائية إلى تفاقم أزمة البطالة داخل إيران، فأصبح ما يقارب من نصف القوة العاملة الإيرانية معرضة للبطالة مما سيؤدي إلى كارثة اقتصادية وشيكة إن لم ترفع العقوبات المفروضة عليها وفق تقديرات النخب الاقتصادية والسياسية الإيرانية في بريطانيا. كما لحقت بإسرائيل بحسب تقديرات أولية لخبراء عسكريين واقتصادية أضرار تراكمية بفعل الصواريخ الإيرانية وصواريخ حزب الله اللبناني الموجهة إلى الكيان الاسرائيلي بلغت ١٥ مليار دولار وشملت القواعد العسكرية وقطاع الصناعات البتروكيميائية والبنى التحتية المدنية والمباني السكنية وتعويضات الأهالي بفعل الصواريخ الإيرانية وصواريخ حزب الله اللبناني، وهذا التقدير لا يتضمن كلفة العمليات الجوية الإسرائيلية ضد ايران ولا كلفة القبة الصاروخية التي تكبدتها اسرائيل لحماية أجوائها. كذلك لحقت بدول الخليج العربي أضرار واسعة لم يتم تقديرها من جرار استهداف مطاراتها والطاقة والكهرباء فيها، وبنيتها التحتية والخدمات المدنية بشكل عام. هذا وقد صرح رئيس البنك الدولي بأنه سيكون هناك من جراء الحرب على إيران تداعيات متسلسلة ومتلاحقة على الاقتصاد العالمي حتى وإن توقف إطلاق النار بين الأطراف المحاربة، وأن التضخم في العالم سيرتفع من ٢٠٠ إلى ٣٠٠ نقطة، وأن هذه الحرب ستطال جميع مواد الطاقة والتجارة، كما قدّر مسؤول برنامج التغذية العالمية بأن عشرات الملايين في المنطقة وفي أفريقيا سيواجهون خطر الجوع بسبب هذه الحرب وبسبب إغلاق مضيق هرمز، أما وكالة الطاقة الدولية فقد وصفت إغلاق مضيق هرمز بأنه سبب أسوأ أزمة طاقة في التاريخ وأن تداعيات هذه الحرب ستستمر طويلًا.
بسبب كثرة انعطافات تلك الحرب وتوقع تعدد مساراتها، فإنه من الصعب رسم خارطة طريق دقيقة لها من النواحي الداخلية والإقليمية والدولية، فالحروب لا تزال مستمرة بين جميع أطرافها سواء عبر السلاح أو من خلال الحلول الدبلوماسية، وليس من المتوقع أن تكون قصيرة كما كان يرغب الرئيس الأمريكي باستسلام إيران والرضوخ لشروطه المعلنة بمجرد قطع رأس النظام الإيراني، حيث أنه لا يمكن أن يقبل الرئيس الامريكي ولا إدارته في الحزب الجمهوري وصقوره اليمينية المتطرفة بوقف الحرب قبل أن يتحقق البعض من أهدافهم الاستراتيجية المعلنة للحرب ضد إيران من أجل إعلان الانتصار فيها والا سيكون مصيرهم السياسي محرجًا أمام الجمهور الأمريكي، وهذا الأمر ينسحب أيضًا على رئيس وزراء الكيان الصهيوني وعصابته في الداخل الإسرائيلي. أما بالنسبة للنظام الايراني فقد اتضح من سياق حرب الاربعين يومًا أنه يمتلك قدرة كبيرة على الصمود أمام قوتين كبيرتين في العالم وهو يعتبر نفسه انتصر في هذه الحرب طالما قد نجا من السقوط، وبقاء النظام عند القادة الإيرانيين هو نصر بحد ذاته، لذلك يكون من المستبعد أن يقدم تنازلات استراتيجية هامة لأمريكا.
يتضح من سياق الحرب على إيران أن الدول العربية وجامعتها ومؤسساتها وأنظمتها الرسمية فاقدة لأي دور إيجابي يكون في مصلحة شعوبها، فرغم الهزائم المتكررة التي لحقت بها بمواجهة الكيان الصهيوني، وبقادتها، بقيت ولا تزال في غيبوبة وموات بطيء، ولا تفكر إلا في بقاء نظمها المستبدة وارتهانها للخارج وتستمد استمرارها منه. وقد تكون هذه الحرب فرصة أمامها للنهوض عبر امتلاك الإرادة السياسية للتحرر والمراجعة الجادة لأجل التغيير الوطني الديمقراطي.
