- مصطفى سعد –
شهد القرن التاسع عشر تحولات اقتصادية ونهضة صناعية كبرى، هذه التحولات خلقت الماركسية. عمل كارل ماركس وفريدريك أنجلز على صياغة المادية التاريخية كمنهج يسعى ويحاول اكتشاف القوانين التي تحرك المجتمعات كرد فعل علمي ونظري لفهم أنماط الإنتاج وتناقضاتها الواضحة.
انتقلت النظرية الماركسية إلى ما وراء البحار، عند مجتمعات أقل تطور اقتصادي واجتماعي من بلدان “المركز”، وبعد سنوات قليلة قامت الثورة البلشفية على عكس ما توقع المعلم الكبير.
تعرضت الماركسية لتشوهات عديدة من “ماركسيين” نصيين يتعاملون مع النظرية كنص مقدس أو في أحسن الأحوال كقوانين طبيعية تم اكتشافها في لندن لكنها صالحة لكل زمان ومكان، يتحدثون بالماركسية كرجل دين لا يستطيع أن يقول إلا قال فلان أو عن فلان أو ورد في الكتاب المقدس، أي أن يردد عبارات ماركس وأنجلز ولينين دون بذل أي مجهود في فهم السياقات المختلفة للقائلين ولبيئته التي يعيش فيها.
بينما الماركسية كما نفهمها كحزب “أداة تحليل” ومنهج يستوعب التكوينات الاجتماعية غير الكلاسيكية التي لم يشهدها ماركس في مانشستر أو لندن أو برلين.
فالتبيئة لا تعني ترجمة المصطلحات وتكرارها بل عبر بناء جديد للنظرية مؤلف من ثلاث طوابق، طابق معرفي وطابق سياسي وثالث ثقافي.
في سوريا مثلاً ومنذ وصول البعث إلى سدة الحكم عملت السلطة لتكون أداة الضبط الاجتماعي والمسيطرة على الاقتصاد والمحركة له عبر القطاع العام، هذا جعل العمال السوريين موظفين لدى الدولة وبعثيين، مما أضعف الروح الثورية المستقلة وحوّل العمل السياسي إلى “وظيفة” داخل الجبهة الوطنية التقدمية أو إلى عمل سري انتهى المطاف بمناضليه إلى السجن أو النفي أو الموت.
فالمجتمع السوري مأزوم ومحكوم بتداخل بين الطبقي والطائفي والمذهبي والقومي والعشائري، هذا التداخل أو الاختلاط ليس جديداً أو وليد اللحظة وإن كان اليوم يظهر بصورة أوضح، لكن كان يتم تجاهله من قبل الماركسية التقليدية التي مثلها خالد بكداش وتجاهل كل الانتماءات ما قبل وطنية، مؤكداً على زوالها الحتمي بالتطور الاقتصادي الذي سيحدث في القريب العاجل بعد انهيار الإمبريالية السريع. لكن الواقع أثبت أن هذه الولاءات ما زالت قادرة على إعادة إنتاج نفسها وتغييب الصراع الطبقي.
كان الحزب الشيوعي السوري أسير الارتباط بموسكو والتبعية لها حتى ولو تعارضت مع المصالح الوطنية، على سبيل المثال لا الحصر الموقف من مشروع تقسيم فلسطين وقيام دولة إسرائيل 1947-1948. دون أي اعتبار للبيئة المحلية.
كان البعد المعرفي للماركسية قاصر تماماً، لم يستخدم الحزب المنهج الدياليكتيكي لفهم أنماط الإنتاج المحلية وفي البعد السياسي عجز عن تحديد القوى الثورية التي هي بالتأكيد ليست البروليتاريا في بلد غير صناعي.
كانت الماركسية والشيوعية كأفكار ورؤى حتى للقضايا المحلية والإقليمية تأتي ديلفري من القائد جوزيف ستالين
بينما نرى نماذج ماركسية وشيوعية في العالم نجحت عند تبيئتها ضمن مجتمعاتها المحلية كالتجربة الإيطالية والسودانية والصينية.
في الصين رأى ماو تسي تونغ أن الاعتماد على “بروليتاريا المدن” يشبه الانتحار السياسي، فقام بـ”تصيين” الماركسية عبر استراتيجية “تطويق المدن بالأرياف”. لم تكن هذه مجرد خطة عسكرية، بل كانت إعادة تعريف للماركسية بوصفها “ثورة وطنية ديمقراطية” تقودها كتلة من الفلاحين والمثقفين والبرجوازية الوطنية ضد الإقطاع والاستعمار.
قدّم عبد الخالق محجوب نموذجاً فريداً في المنطقة العربية؛ حيث رفض التبعية العمياء لموسكو. جادل محجوب بأن الماركسية يجب أن تتحدث “باللسان السوداني”، مما أدى لنمو الحزب الشيوعي السوداني كقوة جماهيرية مرتبطة بالنقابات والاتحادات المهنية، ومحاولته الجادة لفهم “المسألة الدينية” كجزء من التكوين النفسي للشعب وليس مجرد “أفيون”.
النموذجان السابقان ربطا الماركسية بفكرة التحرر الوطني ونجحا دون الاعتماد على البروليتاريا أو تحريف الماركسية، بل عبر فهم عميق لها.
كذلك أكبر حزب شيوعي في أوروبا الغربية الحزب الشيوعي الإيطالي الذي كان يرى أن الطريق إلى الاشتراكية يمر عبر التعددية.
ونحن كماركسيين وشيوعين علينا زرع هذه النظرية في التربة السورية وهذا يقتضي الاجتهاد أكثر في فهم ودراسة المسألة الزراعية في سوريا وتحولات البرجوازية الصغيرة التي كانت في السلطة السابقة والموجودة في السلطة اليوم، وتحليل “رأسمالية المحاسيب” وكيف تحولت الدولة من راعية للاقتصاد إلى سمسار فاشل لصالح طبقة أوليغارشية جديدة صنعها النظام السابق لم تسقط كلها بسقوطه لكن أضيف إليها آخرون. والماركسية في بلادنا “كما نراها” لا تتدخل في المعتقد الشخصي ومن هنا علينا التصالح مع الموروث الديني والثقافي والحضاري للمجتمع عوضا من الصدام معه.
أما من الجانب السياسي فالأهم إقران الماركسية بالتحرر الوطني ورفض الهيمنة الخارجية على البلاد وربط التغيير الاجتماعي بالحريات السياسية والديمقراطية وهذا ما ذكره حزبنا منذ 1978. ورفض استبداد أو ديكتاتورية السلطة أو الطبقة الحاكمة وأن تكون هيمنتها على طريقة المفكر الماركسي أنطونيو غرامشي وهذا ما يتطلب بناء ثقافة مضادة للثقافة السائدة.
وقد قدم العديد من الماركسيين العرب أفكارا مهمة جدا حول تبيئة الماركسية مثل حسين مروة والطيب التيزيني ومهدي عامل وسمير أمين وغيرهم. علينا إعادة قراءة هذه المحاولات ومحاولة اكتشاف المزيد مما ينقصنا لتبيئة الماركسية.
إن تبيئة الماركسية لا تعني “تحريفها”، بل هي استعادة لروح ماركس النقدية التي تقول: “الفلاسفة فسروا العالم، لكن المهم هو تغييره”. التغيير في سوريا أو أي بلد آخر لا يمكن أن يتم بأدوات مستعارة بالكامل، بل بوعي عميق بالخصوصية التاريخية، وتحويل الماركسية من “دين علماني” إلى “بوصلة للتحرر”.
