1 رابط المقالة:
https://newlinesmag.com/argument/uneasy-allies-the-real-relationship-between-turkey-and-syrias-new-rulers/#:~:text=The%20relationship%20between%20Syria’s%20current,needed%20a%20reliable%20local%20partner
إليزابيث تسوركوف
هيئة الترجمة في الحزب الشيوعي السوري(المكتب السياسي)
10/06/2026
شهدت علاقة تركيا بالقيادة السورية الجديدة تطورًا لافتًا. فما بدأ، قبل سقوط بشار الأسد، شراكة قلقة قائمة على الضرورة ومحفوفة بريبة متبادلة، تحوّل إلى تحالف رسمي، وإن ظل رباطًا يحكمه الاحتكاك أكثر مما يحكمه الانسجام. لا يتعلق الأمر بعلاقة تبعية، بل بشراكة قائمة على الاعتماد المتبادل، حيث تسلك دمشق، وقد ازدادت جرأة، مسارها الخاص في كثير من الأحيان، بل تتحدى أنقرة صراحة أحيانًا. غير أن مساعي سوريا لتوسيع تحالفاتها وتعزيز هامش حركتها، وبالتالي استقلاليتها، تصطدم باستمرار بواقع صلب: فالنظام السوري الجديد لا يزال مرتبطًا بالدعم التركي، وتبقى أنقرة، في نهاية المطاف، الضامن الأساسي لاستقرار سوريا في القطاع الأمني. يستند هذا التحليل إلى مقابلات حصرية مع مسؤولين حكوميين سوريين رفيعي المستوى، وضباط عسكريين واستخباراتيين، وفاعلين دوليين رئيسيين على تماس مع قيادتَي البلدين.
بدأت العلاقة بين حكام سوريا الحاليين وأنقرة بريبة عميقة من الجانبين. لكن، بحسب وسيط مستقل تعامل مع الحكومة التركية، “احتاجت تركيا إلى شريك محلي موثوق للتعامل مع تمدد الجماعات الجهادية في إدلب، إذ لم ترغب في مواجهتها مباشرة”. ويوضح هذا المصدر أنه كان ثمة قدر كبير من عدم الارتياح داخل المؤسسة الأمنية التركية إزاء التعامل مع الفصيل الجهادي الذي كان يقوده آنذاك الرئيس الانتقالي السوري الحالي أحمد الشرع. ومع ذلك، أثبتت “هيئة تحرير الشام”، كما كان يُعرف الفصيل منذ تأسيسه عام2017، أنها شريك مفيد في مواجهة تنظيم “الدولة الإسلامية”، فضلًا عن كونها قوة منظمة قادرة على ضبط الأمن في محافظة إدلب الحدودية التي تؤوي ثلاثة ملايين سوري، وقادرة – وهذا هو الأهم بالنسبة لأنقرة – على منع تدفقهم بأعداد كبيرة إلى الأراضي التركية. أما بالنسبة إلى “هيئة تحرير الشام”، فقد كانت الشراكة مع تركيا العلمانية، التي قبلت بها اعتبارًا من عام 2018، مثار جدل عميق أفضى إلى انشقاقات في صفوفها وبين قادتها. غير أن الهزائم المتكررة التي مُني بها الثوار السوريون دفعت الهيئة إلى إدراك أنها عاجزة عن الدفاع عن إدلب بمفردها. واتسعت العلاقة بعد التدخل التركي المباشر في إدلب مطلع عام 2020 لوقف هجوم شنّه نظام الأسد والميليشيات المدعومة من إيران وسلاح الجو الروسي. وهكذا نشأت شراكة قلقة بين الطرفين.
ومع ذلك، اتسمت الفترة الممتدة بين عام 2020 وسقوط الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 بالخلاف. فقد بدا بقاء الأسد في السلطة أمرًا شبه مضمون في نظر العالم، وبدأت أنظمة عربية بتطبيع علاقاتها معه. وحاولت تركيا أن تسلك المسار ذاته، ما أثار قلقًا وترقبًا لدى فصائل المعارضة السورية وسكان المناطق الشمالية التي ظلت خارج سيطرة نظام الأسد بفضل الحماية التركية. وعلى الرغم من تصريحات علنية متكررة لمسؤولين أتراك، بمن فيهم الرئيس رجب طيب أردوغان، بشأن احتمال لقاء الأسد، رفضت دمشق هذه الإشارات حتى الأشهر الأخيرة من حكمه، مشترطة انسحاب القوات التركية من شمال سوريا أولًا.
وثمة مصدر آخر للتوتر بين “هيئة تحرير الشام” وتركيا، تمثّل في سعي الهيئة الدؤوب لتوسيع نفوذها وقوتها. فإذ لم تكن تملك القوة الكافية للتقدم في مناطق نظام الأسد، اختارت التوسع في شمال حلب، وهي منطقة تخضع لسيطرة تركية مباشرة، بالتعاون مع فصائل موالية لأنقرة توحّدها مظلة “الجيش الوطني السوري”. وكانت تركيا قد أنشأت هذه المظلة عام 2016 من فصائل معارضة سابقة، واستخدمتها لمحاربة “قوات سوريا الديمقراطية- قسد”، وفي 20 حزيران/يونيو 2022، تسلل مئات من مقاتلي “هيئة تحرير الشام” إلى عفرين وسيطروا على بلدة جنديرس الصغيرة الخاضعة لـ”الجيش الوطني”، سعيًا ليس فقط لتوسيع نفوذهم، بل أيضًا للسيطرة على نقاط التفتيش الفاصلة بين إدلب الخاضعة للهيئة والمناطق التي يسيطر عليها “الجيش الوطني”، والتي كانت مصدر دخل عبر فرض رسوم على المركبات العابرة. واضطرت الهيئة إلى الانسحاب بعد ثلاثة أيام تحت وطأة التهديدات التركية. وكما وثّق باتريك هيني وجيروم دريفون في كتابهما “تحوّل بفعل الناس: طريق هيئة تحرير الشام إلى السلطة في سوريا”، فقد أضرّت هذه الخطوة بعلاقة الهيئة بأنقرة. ومتجاهلًا السياسة التركية في شمال سوريا الرامية إلى إحكام السيطرة الكاملة على مناطق “الجيش الوطني”، أمر الشرع، الذي كان آنذاك زعيم “هيئة تحرير الشام”، بشنّ توغل ثانٍ في تشرين الأول/أكتوبر 2022، متجاوزًا أصواتًا داخل قيادة الهيئة كانت تدعو إلى التخلي عن الأطماع التوسعية تفاديًا للغضب التركي. وفي هذه المرة، بحسب مسؤول أميركي، هددت تركيا بشنّ ضربات جوية على الهيئة، ما أفضى إلى انسحاب آخر.
واندلع خلاف إضافي بين تركيا والهيئة أواخر عام 2023، حين انشق أبو أحمد زكور، المسؤول عن إدارة المصالح المالية للهيئة والتواصل مع العشائر، وفرّ إلى المناطق الخاضعة للسيطرة التركية في شمال حلب. فأرسلت الهيئة مسلحين للقبض عليه في إعزاز، وبعد أن هددت بتفجير المنزل الذي كان يحتمي فيه، استسلم زكور. لكن بينما كانت الهيئة تنقله إلى إدلب، اعترضت تركيا القافلة وحررته ونقلته إلى مكان آمن. وبحسب أعضاء في فصيل “فرقة السلطان مراد” التابع لـ”الجيش الوطني”، الذي وفّر الحماية لزكور خلال لجوئه في شمال حلب، فقد زوّد الأتراك من خلالهم بمعلومات مستفيضة عن الديناميكيات الداخلية للهيئة. وبعد سقوط نظام الأسد، أعاد زكور ترميم علاقته بالهيئة، ويشرف اليوم على ملف تواصل الحكومة السورية مع العشائر.
الطريق إلى دمشق
لم تتمكن تركيا من تطبيع علاقاتها مع نظام الأسد، فآثرت الإبقاء على الوضع القائم في إدلب. غير أن القصف المستمر الذي كانت تشنّه قوات النظام على المناطق المقابلة لخطوط التماس أدى إلى تفريغها من سكانها، ما دفع الهيئة إلى التخطيط لعملية تهدف إلى دفع خطوط التماس جنوبًا والسماح بعودة النازحين – وهي “عملية ردع العدوان” التي أفضت في النهاية إلى سقوط الأسد. وبحسب مصادر أميركية وحكومية سورية وأخرى من “الجيش الوطني السوري”، إضافة إلى وسطاء مستقلين على تواصل مباشر مع قيادتَي تركيا والهيئة، عارضت أنقرة هذه الخطة. فمنذ التدخل الروسي في سوريا عام 2015، كانت كل معركة كبرى ضد نظام الأسد تجلب معها دمارًا هائلاً ونزوحًا جماعيًا، وأحيانًا خسارة أراضٍ للثوار. وخشيت تركيا أن يفضي استمرار العنف إلى تدفقات جديدة من النازحين نحو حدودها. وقال لي مسؤول في وزارة الخارجية السورية: “الأتراك لم يكونوا راغبين ببقاء نظام الأسد، لكنهم رأوا أن الهجوم لا يستحق المخاطرة، وكانوا محقين حين قالوا إن هذا سيرتد علينا سلبًا”، في إشارة إلى مخاوفهم من نزوح اللاجئين نحو تركيا. وبحسب مسؤولَين حكوميَّين سوريَّين، أوضحت أنقرة معارضتها للهجوم لأسعد الشيباني، الذي كان آنذاك مسؤولًا عن العلاقات الخارجية للهيئة، ووزير الخارجية السوري حاليًا.
قررت الهيئة المضي في العملية رغم المعارضة التركية. وقد بدأت بعدد محدود من المقاتلين لا يتجاوز عشرة آلاف، وبأهداف متواضعة نسبيًا، إلا أنها تحوّلت سريعًا إلى زحف خاطف عبر البلاد توّج بالسيطرة على دمشق، نتيجة الانهيار الكارثي لجيش الأسد وضعف الدعم الخارجي من الميليشيات المدعومة من إيران وروسيا. وبحسب عدد من قادة “الجيش الوطني السوري”، وردتهم في اليوم الثاني من الهجوم تعليمات من الاستخبارات التركية بعدم المشاركة فيه، غير أن مقاتلين وقادة داخل صفوف “الجيش الوطني” أبدوا حماسًا للمشاركة، ما دفع القادة الكبار في فصائله إلى إبلاغ الأتراك بأنهم فقدوا السيطرة على بعض وحداتهم.
واتفق جميع من تحدثت إليهم من مصادر سورية وأميركية، وكذلك الوسطاء المستقلون، على أن الموقف التركي تبدّل بسرعة. وكما عبّر لي أحد المسؤولين السوريين: “بمجرد أن استشعرت تركيا أن الأمر سيكون مختلفًا هذه المرة، قالت: نحن معكم، امضوا حتى النهاية”. غير أن تركيا، حتى في تلك اللحظة، لم ترغب في زجّ فصائلها الموالية في معركة تحرير دمشق. وبحسب عدد من قادة “الجيش الوطني”، طلبت تركيا من الفصائل، بعد سيطرة الثوار على حماة في 5 كانون الأول/ديسمبر 2024، حشد قواتها باتجاه سد تشرين لانتزاعه من “قوات سوريا الديمقراطية” ذات القيادة الكردية. أي أنه حتى بعد أن غيّرت تركيا موقفها ودعمت معركة السيطرة على دمشق، حاولت توظيف فصائلها الموالية لخدمة أولويتها الأمنية القومية الأولى: مواجهة “قوات سوريا الديمقراطية” المتأثرة بحزب العمال الكردستاني، والتي استغلت انهيار قوات الأسد للتمدد غربًا.
لكن مقاتلي “الجيش الوطني” وقادته لم يرغبوا حينها في خوض معارك تركيا ضد “قوات سوريا الديمقراطية”، بل في الالتحاق بالهجوم المتسارع نحو دمشق. وبحسب عدة مصادر من “جيش الإسلام”، أحد فصائل “الجيش الوطني”، أبلغت قيادته الأتراك بوجود حالة تمرد بين صفوف مقاتليه، وغادر رئيس أركانه المعروف بأبي معروف رفقة غالبية المقاتلين. وكان أبو معروف و”جيش الإسلام” من أوائل مقاتلي المعارضة الذين وصلوا إلى دمشق، سالكين الطريق الصحراوي.
أسقطت “هيئة تحرير الشام” نظام الأسد من دون دعم تركي مباشر، إلا أنها عاجزة عن ضبط الأمن في سوريا ما بعد الأسد من دون مساعدة تركيا. فأنقرة هي الضامن العسكري والأمني الأول لدمشق، بفضل تدخلها المباشر في شمال سوريا وقدراتها العسكرية. وقد وضع هذا التدخل، الذي توسّع بشكل كبير مطلع عام 2020، الجنود الأتراك جنبًا إلى جنب مع مقاتلي الهيئة والفصائل الإدلبية الأخرى مثل “أحرار الشام” و”فيلق الشام”. وتعاون الطرفان لوقف تقدم قوات نظام الأسد نحو إدلب، وكان الاستخدام التركي المكثف لطائرات الهجوم المسيّرة هو ما أوقف ذلك الهجوم فعليًا. وتلقّت غرفة العمليات التي كانت تديرها الهيئة آنذاك، والمعروفة باسم “الفتح المبين”، أسلحة ومعدات تركية، بعد أن دربت أنقرة الفصائل الحليفة للهيئة – لا الهيئة نفسها – على استخدامها.
توسيع دائرة التحالفات
تجمع دمشق وأنقرة مصالح مشتركة واضحة، أبرزها ضمان استقرار سوريا وبسط السيطرة على كامل أراضيها. لكن على الرغم من هذه المصالح المشتركة، أدى حرص دمشق على صون استقلاليتها إلى خلافات مع أنقرة. فعند تسلّمها السلطة، سعت القيادة السورية الجديدة إلى توسيع تحالفاتها إلى ما هو أبعد من تركيا وقطر، اللتين كانت تربطها بهما علاقات سابقة. وبعد ثلاثة أسابيع من فرار الأسد، منح الشرع أول مقابلة تلفزيونية له لقناة ناطقة بالعربية، وكان اختيار قناة “العربية” السعودية متعمدًا، بحسب مسؤول سوري، تمامًا كما كان اختيار المملكة العربية السعودية وجهةً لأول زيارة خارجية، وفق مصادر مطلعة عدة.
ويعود هذا التوجه نحو تنويع تحالفات سوريا إلى عوامل عدة. أولها الرغبة في اكتساب مزيد من النفوذ والاستقلالية عبر تقليل الاعتماد على حليف واحد. وقال لي مسؤول سوري رفيع المستوى إن “الشرع يريد تحقيق توازن بين تركيا وقطر من جهة، والسعودية من جهة أخرى”. أما العامل الثاني فهو الرغبة في تجنّب استفزاز القوى المناهضة للتيارات الإسلامية، مثل السعودية والإمارات ومصر والأردن وإسرائيل. فهذه الدول العربية تحظر جماعة “الإخوان المسلمين”، التي تنظر إليها بوصفها تهديدًا محتملًا لاستقرار حكمها، وتوظّف أنظمتها التعليمية ووسائل إعلامها لمهاجمة هذه الجماعات. في المقابل، عزّزت تركيا وقطر موقعهما الإقليمي عبر تبني خطاب إسلامي شعبوي ودعم جماعات “الإخوان المسلمين”. وكما أوضح لي المسؤول السوري الرفيع: “سوريا تريد أن تكون أقرب إلى الحضن السعودي منها إلى تركيا، التي تثير حساسيات مع إسرائيل والمنطقة“.
ومن العوامل المؤثرة الأخرى التي تدفع نحو التقارب مع السعودية والإمارات الغنيتين بالنفط، محدودية قدرة تركيا على الاستثمار في سوريا أو تقديم المساعدات لها، إذ إن قطر كانت تتكفل حتى برواتب الفصائل الموالية لتركيا قبل عام 2025. أما السبب الأخير، بحسب وسطاء تعاملوا مع القيادة السورية الجديدة، فيتعلق بطبيعة الشراكة التركية نفسها، التي وصفوها بأنها أكثر أبوية وتدخلية ومشروطة، مقارنة بحلفاء دمشق الجدد. وثمة قلق تركي متزايد إزاء توسّع تحالفات دمشق؛ إذ يقول مسؤول سوري رفيع: “يدرك الأتراك أن دمشق تسعى لتوسيع تحالفاتها، لذلك يعاودون الكرّة دومًا، ويطلبون المزيد“.
نفوذ متحوّل على الأرض
خسرت تركيا في الميدان السوري كثيرًا من الأصول التي كانت تملكها قبل سقوط الأسد – أي السوريين العاملين تحت إمرتها المباشرة – إلا أنها لا تزال تؤدي دورًا مهمًا في دعم الجيش والاستخبارات السورية وتقديم المشورة لهما. وهكذا، تكيّف طابع النفوذ التركي مع واقع جديد يقتضي التعامل مع دولة لا مع ميليشيا معارضة. وبحسب مسؤول حكومي سوري رفيع وعدد من قادة “الجيش الوطني” السابقين الذين أصبحوا اليوم ضباطًا في الجيش السوري، كانت تركيا تدير وحدة استخباراتية في عفرين تحت إمرة مباشرة لضابط رفيع في جهاز الاستخبارات الوطني التركي. وأرادت تركيا أن تضم هذه الوحدة ضباطًا سوريين على درجة عالية من الكفاءة، بحسب هذه المصادر، لتشكّل نواة جهاز الاستخبارات السوري بعد سقوط الأسد. غير أن دمشق أنشأت جهازها الاستخباراتي الخاص، وانتهى الأمر باستيعاب أفراد الوحدة التي كانت تديرها تركيا ضمن هذا الجهاز، تحت إمرة سورية.
ومن الأصول الأخرى التي كانت تركيا تملكها، عشرات الميليشيات الموالية العاملة في شمال سوريا، والتي مُنح جميع قادتها الجنسية التركية. وكانت هذه الفصائل تعمل تحت إمرة تركية مباشرة، وأرسلت مرتزقة إلى ليبيا وأذربيجان (في حربها ضد أرمينيا) والنيجر، ما مكّن تركيا من ممارسة نفوذها بأدنى كلفة ممكنة. وبحسب ما نقلته “سوريا ديركت”، حاولت تركيا ضمان حصول قادة هذه الفصائل على مناصب رفيعة في الجيش السوري الجديد، كما طلبت أنقرة أن يشكّل مقاتلو “الجيش الوطني” نصف عديد القوات المسلحة. لكن دمشق لبّت الطلبين جزئيًا فقط. وبحسب مسؤول حكومي سوري رفيع وضباط كبار في الجيش السوري، أوضح مسؤولو الهيئة لقادة هذه الفصائل السابقة، بعد إدماجها في الجيش السوري، أن تواصلهم الدوري السابق مع رؤسائهم الأتراك لم يعد مقبولًا.
وإلى جانب خسارة تلك الأصول، حققت تركيا بعض المكاسب أيضًا. فدمشق تفتقر إلى القدرات الاستخباراتية والعسكرية التي تحتاجها أي دولة، وتسهم تركيا جزئيًا في سد هذا الفراغ. وتؤدي أنقرة دورًا بارزًا أيضًا في تزويد القيادة السورية والجيش بالمعلومات الاستخباراتية، بحسب ضباط استخبارات سوريين، وقد توسّع هذا التعاون الاستخباراتي بشكل ملحوظ منذ سقوط الأسد. وبحسب مصادر في الجيش السوري تحدثت إلى “نيولاينز”، استُخدمت طائرات مسيّرة تركية على الساحل في آذار/مارس 2025، ووفرت معلومات استخباراتية حيّة حين تصدّت الأجهزة الأمنية السورية لهجمات شنّها مئات من المتمردين العلويين. (وقد ارتكبت هذه القوات، إلى جانب مدنيين سنّة مسلحين، لاحقًا مجازر واسعة بحق مدنيين علويين). وحلّقت الطائرات المسيّرة التركية مجددًا فوق شرق سوريا ووفرت معلومات استخباراتية خلال الحملة الخاطفة ضد “قوات سوريا الديمقراطية” في كانون الثاني/يناير 2026.
كذلك، تُعدّ تركيا الشريك الأول للجيش والشرطة السوريين، إذ توفر التدريب لآلاف المقاتلين، فضلًا عن الأسلحة، وتؤدي دورًا استشاريًا مستمرًا، بحسب مصادر في الجيش السوري. وقد جلس ضباط أتراك في غرف العمليات في حلب وفي مقار حديثة الإنشاء، مشرفين على الهجوم ضد “قوات سوريا الديمقراطية”، لكنهم اقتصروا هذه المرة على دور استشاري وتزويد المعلومات الاستخباراتية، خلافًا للهجمات السابقة التي كانت تقودها تركيا مباشرة عبر فصائلها الموالية ضد القوات الكردية.
كما تحتفظ تركيا بنفوذها عبر أكثر من مئة نقطة عسكرية أقامتها خلال الحرب الأهلية في أنحاء شمال سوريا. وبحسب مصادر في الجيش السوري تحدثت إلى “نيولاينز”، لم تُخلِ تركيا سوى عدد قليل من هذه القواعد منذ سقوط الأسد، وتصرّ على الإبقاء على وجودها إلى حين معالجة تهديد “قوات سوريا الديمقراطية”، فإن كثيرًا منهم بعيدون جغرافيًا عن القواعد التركية، ما يجعل من الصعب تبرير استمرار الوجود التركي في إدلب تحديدًا. وقال مسؤول رفيع في وزارة الخارجية السورية لـ”نيولاينز”: “مسألة القواعد الأجنبية لا تقتصر على تركيا وحدها، بل تشمل أيضًا الولايات المتحدة وروسيا وإسرائيل. ولم تكن هذه المسألة أولوية حتى الآن، لأن لدينا قضايا أمنية أخرى كثيرة نتعامل معها، إضافة إلى ملف رفع العقوبات”. غير أن طلب الحكومة التركية إقامة وجود عسكري في قاعدة T4 الاستراتيجية في بادية حمص “مستبعد تمامًا”، بحسب مسؤول أميركي، بفعل الاعتراض الإسرائيلي (وضربات جوية إسرائيلية استهدفت محاولات للجيش التركي لاستطلاع مواقع محتملة للتمركز).
وثمة مظاهر أكثر إثارة للقلق لاستمرار النفوذ التركي؛ إذ لا تزال الاستخبارات التركية تدير سجنًا يضم معتقلين سوريين عند معبر هوار كيلس الفاصل بين جنوب تركيا ومحافظة حلب. وبحسب ناجين من الاعتقال في هذا السجن ومصادر من “الجيش الوطني” تحدثت إلى “نيولاينز”، يضم السجن معتقلين يُنظر إليهم كتهديد للأمن القومي التركي، من بينهم أشخاص يُشتبه بانتمائهم إلى تنظيم “الدولة الإسلامية” أو “قوات سوريا الديمقراطية” وإدارتها المدنية، إلى جانب معتقلين سياسيين معارضين للسياسات التركية في سوريا. ويشتهر السجن بظروفه اللاإنسانية واستخدام التعذيب فيه. وبحسب مصادر في الجيش السوري، نُقل عدد من المعتقلين في منتصف عام 2025 إلى عهدة الدولة السورية وأُودعوا سجن الراعي في شمال سوريا، فيما نُقل آخرون يُشتبه بانتمائهم إلى حزب العمال الكردستاني إلى الأراضي التركية نفسها.
الشرق السوري: من هو صاحب القرار؟
منذ سقوط الأسد، خاضت دمشق و”قوات سوريا الديمقراطية” جولات عدة من المفاوضات بشأن إدماج هذه القوات في الجيش السوري وضم مناطق شمال شرق سوريا الخاضعة لسيطرتها إلى نطاق حكم دمشق. ولم تشهد هذه المفاوضات اختراقًا فعليًا إلا بعد أن شنّت دمشق هجومًا خاطفًا على مناطق شرق سوريا ذات الغالبية العربية في منتصف كانون الثاني/يناير 2026، فسيطرت على دير الزور والرقة والمناطق ذات الغالبية العربية في الحسكة. وانتهى الأمر بـ”قوات سوريا الديمقراطية” إلى قبول اتفاق أسوأ بكثير من العرض الذي قدمته دمشق في مطلع كانون الثاني/يناير 2026، نتيجة الخسائر الميدانية التي منيت بها. وقد كشفت المفاوضات المطوّلة التي سبقت هذا الهجوم الخاطف عن الطابع المعقد للعلاقة بين دمشق وأنقرة، إذ كانت تركيا طرفًا في المفاوضات باعتبارها ترى في “قوات سوريا الديمقراطية” تهديدًا لأمنها القومي.
وبينما تدعم أنقرة الهدف النهائي المتمثل في استعادة دمشق السيطرة على شرق سوريا وضم “قوات سوريا الديمقراطية”، فإنها اختلفت أحيانًا مع دمشق حول أفضل السبل لتحقيق ذلك. وبحسب مصادر عدة شاركت في المفاوضات أو اطّلعت عليها من مشاركين فيها، كانت دمشق في جميع لحظات الخلاف تلك هي من يحدد المسار.
ولم يكن واضحًا دائمًا للمفاوضين الأكراد أن دمشق هي من تقود زمام المفاوضات. وبحسب دبلوماسي أميركي شارك في المفاوضات: “أحيانًا تُخفي دمشق أنها هي من يمسك بزمام الأمور، وتدّعي أن تركيا تعارض هذا الأمر أو ذاك بهدف الضغط على قوات سوريا الديمقراطية. فإذا واجهت اعتراضًا على مسألة ما، كانت تقول إن تركيا لديها مشكلة معها. في الحقيقة، كانت هذه كلها لعبة محكمة يديرها الجولاني [الشرع] والشيباني، فقد تعاملا مع الميليشيات طويلًا بما يكفي ليعرفا كيفية تفكيكها“.
وأرادت تركيا استمرار الهجوم ضد “قوات سوريا الديمقراطية” حتى بعد سقوط الأسد، بحسب قادة سابقين في “الجيش الوطني” ووسيط مستقل على تماس مع دمشق وأنقرة. لكنها لم تحقق ما أرادت؛ إذ أبلغ حكام دمشق الجدد أنقرة معارضتهم لأي هجوم من هذا القبيل، وأرسلوا قوات من الجيش السوري (التي كانت في السابق تابعة لهيئة تحرير الشام) إلى خطوط التماس في دير حافر، وهي منطقة كانت “قوات سوريا الديمقراطية” قد سيطرت عليها خلال الانسحاب السريع لقوات النظام، لضمان عدم وقوع أي تحرك إضافي.
استقلالية مشروطة
لا تزال الدولة السورية ضعيفة، عاجزة عن السيطرة حتى على أراضيها بالكامل، وتواجه تهديد ثلاثة تمردات مختلفة على الساحل وفي البادية وفي الشرق، ناهيك عن احتلال إسرائيل أجزاء واسعة من جنوب سوريا. لذا فإن دمشق بحاجة إلى شركاء أمنيين موثوقين لسد الفراغ الأمني القائم، وتُعدّ تركيا، بفضل ارتباطها التاريخي بالمعارضة السورية المسلحة عمومًا وبـ”هيئة تحرير الشام” خصوصًا، الشريك الأنسب لدمشق.
لكن على الرغم من هذا الاعتماد الواضح على أنقرة، تسعى دمشق إلى صون استقلاليتها. فالفصيل الجهادي الذي أسسه الشرع، والمعروف باسم “جبهة النصرة”، تطوّر من خلية صغيرة لا يتجاوز عدد أفرادها عشرين شخصًا أواخر عام 2011، ليصبح القوة الحاكمة في سوريا، عبر سعي حثيث، بل قاسٍ أحيانًا، من قيادته العليا لتوسيع نفوذها وسيطرتها. والأفراد الذين يواجهون الخطر ويقبلون بمخاطر جسيمة لبلوغ السلطة، لا يكونون عمومًا على استعداد، متى بلغوها، لأن يصبحوا أدوات طيّعة بيد أي دولة.
– ومنذ نشأتها، صمدت الشراكة القلقة بين “هيئة تحرير الشام” وتركيا بفعل المصالح التي تربط الطرفين. وكان للهيئة على الدوام نفوذ وتأثير كبيران، لأن العلاقة قامت أصلًا على الاعتماد المتبادل. ومنذ سقوط الأسد، تطورت هذه الشراكة لتصبح تحالفًا، ولأنها لا تزال قائمة على مصالح مشتركة، فإن الجرأة المتزايدة لدمشق لم تُضعف متانة هذه العلاقة.
