جذور وتطور الاستراتيجية الإقليمية الإيرانية

بقلم: سوزان مالوني

Atlantic Council (2017)

www.jstor.com/stable/resrep03501

  • هيئة الترجمة في الحزب الشيوعي السوري(المكتب السياسي)

في عام ٢٠١٣، شهد الجمود الطويل الأمد بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية بشأن البرنامج النووي الإيراني تحولًا مفاجئًا بفعل زخم دبلوماسي جديد. فعقدٌ كامل من المفاوضات كان قد فشل في كبح الطموحات النووية الإيرانية، وبينما تمكنت واشنطن وحلفاؤها من إلحاق أضرار غير مسبوقة بالاقتصاد الإيراني عبر عقوبات مالية مبتكرة، أصرّ القادة الإيرانيون على أنهم لن يرضخوا.

ثم، ومن دون سابق إنذار تقريبًا، بدأت موازين الجمود بين الولايات المتحدة وإيران تتحرك. فقد تم استبدال الرئيس الإيراني المثير للجدل، محمود أحمدي نجاد، بشخصية سياسية أكثر اعتدالًا وأناقة، هو حسن روحاني، خاضت حملتها الانتخابية في حزيران2013على أساس إنهاء المواجهة النووية. كما تم تهميش كبير المفاوضين الإيرانيين، الذي كان ينظر إلى المحادثات النووية كمنبر للحديث عن دبلوماسية النبي محمد، هو سعيد جليلي، لصالح دبلوماسي قضى من حياته في الولايات المتحدة بقدر ما قضاه في إيران.، هو جواد ظريف. وفي الوقت ذاته، اكتسبت الجهود التي كانت تبذلها إدارة أوباما لإجراء حوار سري مع طهران والتي كانت تُعتبر حتى ذلك الحين بعيدة المنال وغير مثمرة إلى حد كبير حياة جديدة كآلية للتوصل إلى صيغة لحل القضية النووية.

لقد هزّت هذه الدبلوماسية ونتائجها الاتفاق النووي المؤقت في نوفمبر ٢٠١٣، ثم الاتفاق الشامل في يوليو ٢٠١٥منطقة شرق أوسط كانت أصلًا تعيش اضطرابات عميقة. وأصبح الاتفاق النووي الإيراني معيارًا لتحديد مستقبل المنطقة، كما تحول إلى محور جدل محتدم داخل واشنطن المنقسمة سياسيًا. ومع مرور الوقت، لم تهدأ المشاعر تجاه الاتفاق، بل انتقل الجدل من التفاصيل التقنية الدقيقة الواردة في الاتفاق المسمى ب (خطة العمل الشاملة المشتركة( المؤلفة من ١٥٩ صفحة، إلى التركيز مباشرة على طبيعة العلاقات بين إيران وجيرانها.

وكما أكد الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما مرارًا، فإن الاتفاق تناول بُعدًا واحدًا فقط من التحدي الإيراني، وضمن هذا الإطار المحدود يمكن اعتباره نجاحًا نسبيًا. فبفضل الاتفاق، تم خفض عدد أجهزة الطرد المركزي الإيرانية المركبة بمقدار الثلثين، كما تم تحديد سقف لمخزون اليورانيوم منخفض التخصيب، وتعطيل مفاعل البلوتونيوم، وتقييد الأبحاث النووية، وإخضاع جميع جوانب البرنامج النووي الإيراني لرقابة وتفتيش دوليين صارمين. وعلى الرغم من بعض المخاوف، فإن احتمال حدوث سباق انتشار نووي إقليمي بدا وكأنه تراجع منذ توقيع الاتفاق.

وفي خضم الاضطرابات والمآسي التي لا تزال تضرب الشرق الأوسط اليوم، فإن غياب اتفاق يقيّد القدرات النووية الإيرانية كان سيضاعف المخاطر بصورة خطيرة للغاية. وقد شكّل اختبار كوريا الشمالية لصاروخ بالستي عابر للقارات في يوليو ٢٠١٧، والصعوبة التي واجهتها واشنطن في صياغة رد فعال، تذكيرًا قويًا بأن حتى القيود غير الكاملة على الطموحات النووية الإيرانية تساعد في احتواء احتمالات التصعيد في المنطقة.

ومع ذلك، فمن الواضح أيضًا أن تداعيات الاتفاق النووي محدودة. ففي واشنطن، ساهمت المكاسب التي حققتها الدبلوماسية بشأن الملف النووي في خلق توقعات متفائلة لدى بعض أفراد إدارة أوباما، مفادها أن الاتفاق قد يفتح الباب أمام عملية أوسع لاعتدال السلوك الإيراني تجاه العالم. فقد صرح أوباما في أول مؤتمر صحفي له بعد الاتفاق قائلاً: “آمل أن نتمكن، بالاستناد إلى هذا الاتفاق، من مواصلة الحوار مع إيران بطريقة تشجعها على التصرف بشكل مختلف في المنطقة، وأن تصبح أقل عدوانية وأقل عداءً وأكثر تعاونًا، وأن تتصرف كما نتوقع من الدول في المجتمع الدولي”، لكنه أضاف أيضًا: “لسنا نعتمد على ذلك“.

من جانبهم، استغل المسؤولون الإيرانيون هذا الاهتمام الأمريكي بتوسيع نطاق الانخراط السياسي خلال المفاوضات، حيث ألمحوا مرارًا إلى أن الاتفاق سيفتح المجال أمام حوار جاد وتعاون ثنائي بشأن قضايا المنطقة.

لكن هذه التوقعات أثبتت عدم صحتها، على الأقل على المدى القصير. فخلال المفاوضات الشاقة، وحتى بعد تنفيذ الاتفاق، واصلت طهران القيام بما اعتادت عليه منذ ثورة عام ١٩٧٩: السعي إلى توسيع نفوذها في مختلف أنحاء الشرق الأوسط. بل إنها نجحت في استغلال الصراع الطائفي المتفاقم في المنطقة، وعززت موقعها المهيمن في أجزاء واسعة من الشرق الأوسط، وبدأت تدريجيًا بإعادة تشكيل النظام الإقليمي بما يخدم مصالحها.

ولم يكن هذا التطور نتيجة مباشرة أو مقصودة للاتفاق النووي أو للدبلوماسية الأمريكية، كما ادّعى بعض أصحاب نظريات المؤامرة. إلا أن تزامن هذين المسارين توسع النفوذ الإيراني وترسيخه بالتوازي مع التفاوض على الاتفاق النووي أدى إلى تصاعد شعور بعض جيران إيران بالتهديد، مما دفع خصومها، وعلى رأسهم السعودية، إلى تبني سياسات أكثر حزمًا، وأدى إلى تصاعد الصراع على النفوذ الإقليمي.

ونتيجة لذلك، بقيت التحديات التي تفرضها طهران على المصالح الأمريكية وحلفائها، وكذلك الردود عليها، لا تقل أهمية أو خطورة عما كانت عليه سابقًا. إن تحقيق الاستقرار في ساحات الصراع الرئيسية الثلاث في المنطقة العراق وسوريا وأفغانستان يتطلب الحد من الدور الإيراني أو تحييده أو تغييره، كما أن أي أمل في مستقبل أكثر سلمًا وازدهارًا للشرق الأوسط يستلزم تخفيف حدة التنافس الطائفي والاستراتيجي بين طهران ومنافسيها الرئيسيين في الخليج.

ومن هنا، فإن فهم الدوافع التي تحرك السياسات الإقليمية الإيرانية يُعد أمرًا أساسيًا لمواجهة هذا التحدي. فمثل أي دولة أخرى، تتضمن أجندة الجمهورية الإسلامية الإقليمية جانبًا من الواقعية السياسية، إلا أن ذلك ليس العامل الوحيد أو حتى الرئيسي في صياغة السياسة الإيرانية. ويعرض التحليل التالي خمسة عوامل أساسية مكّنت طهران من توسيع نفوذها خلال الثمانية والثلاثين عامًا الماضية، وخاصة من خلال استغلال البيئة الفوضوية التي خلّفتها التدخلات الأمريكية في العراق 2003وأفغانستان2001، إضافة إلى تداعيات الربيع العربي.

الإرث الامبراطوري:

في ظل أي قيادة يمكن تصورها تقريبًا، كانت إيران ستسعى إلى لعب دور يفوق حجمها الطبيعي في منطقة الشرق الأوسط الأوسع. فحتى في إيران ما قبل العصر الحديث، كانت القيادة المتمركزة في الأراضي التي تشكل إيران اليوم تمتلك نفوذًا واسع الامتداد. وبعد أن تقلصت مطالبها الإقليمية، خصوصًا بفعل التوسع الروسي، أعاد ظهور الدولة القومية الحديثة خلال الحقبة البهلوية 1925 -1979 إحياء تصميم قادتها على جعل إيران القوة الإقليمية المهيمنة وصاحبة سياسة خارجية مستقلة وفعّالة داخل محيطها.

وقد تعززت هذه الرؤية المعاصرة لتفوق إيران الطبيعي عبر العصر الحديث من خلال استدعاء متعمد لإرث البلاد بوصفها وريثة الإمبراطورية الفارسية القديمة وحضارة عظيمة. ولهذا، فإن تصور إيران لحقها الإمبراطوري لا يزال حاضرًا بقوة لدى شعبها وقيادتها على حد سواء.

تدين الدولة الإيرانية الحديثة بالكثير لجذورها التاريخية التي تعود على الأقل إلى عام ٥٥٩ قبل الميلاد، حين بدأ قورش العظيم حملاته العسكرية التي أسست لإمبراطورية فارسية مترامية الأطراف امتدت من شمال الهند حتى اليونان. ويخفي التماسك التاريخي لإيران كدولة تنوعها العرقي الكبير؛ إذ إن الفرس يشكلون ما يزيد قليلًا على نصف السكان فقط، بينما يشكل الأذريون الأتراك نحو ٢٥ بالمئة، والأكراد ما بين ٨ و١٠ بالمئة تقريبًا، إضافة إلى مجموعات متنوعة أخرى مثل القشقاي، والبُوير أحمديين، والتركمان، والأفشار، والبختياريين، والبلوش، والعرب، واللور.

ورغم أن الجيوش العربية الإسلامية غزت إيران في القرن السابع الميلادي، فإن التحول التدريجي لغالبية سكان إيران إلى الإسلام لم يكن مصحوبًا بتبنٍ كامل للغة العربية أو الثقافة أو العادات العربية.

وقد ساهم هذا التنوع، إلى جانب تقاليد الحكم الممتدة للأقليات حيث إن بعض أهم السلالات الحاكمة في إيران خرجت من الأذريين الأتراك في تعزيز ولاءات مشتركة تتجاوز القومية العرقية البسيطة. ومنذ أواخر القرن التاسع عشر، تعمدت جهود بناء الدولة الحديثة في إيران استحضار التراث الثقافي والسلالة الإمبراطورية كوسيلة لتعزيز الوحدة الوطنية وترسيخ الهوية القومية.

وتتجسد الجذور الفكرية لهذه الرؤية في الملحمة الوطنية الإيرانية “الشاهنامه” للشاعر أبو القاسم الفردوسي، التي كُتبت قبل أكثر من ألف عام. تمجّد الشاهنامه ملوك إيران العظام ومحاربيها، وتربط الإيرانيين وسكان الأراضي التي كانت جزءًا من الإمبراطوريات الفارسية القديمة بـ “ماضٍ ثقافي مشترك متخيَّل“.

وقد أصبحت هذه التقاليد والأساطير جزءًا من الحياة السياسية المعاصرة باعتبارها مرجعيات أساسية. فقد استند رضا خان، مؤسس الدولة البهلوية، بشكل مكثف إلى التاريخ الإمبراطوري المجيد لإيران، حتى إنه غيّر اسم البلاد من “بلاد فارس” إلى “إيران”في عام1935 للتأكيد على الامتداد الجغرافي الواسع للإمبراطوريات الفارسية القديمة.

وبالنسبة لرضا شاه، كان توظيف التاريخ وسيلة لترسيخ سلطته، أما ابنه محمد رضا شاه1941-1979 فكان يرى نفسه ودولته الوريث الشرعي لقورش العظيم والإمبراطوريات الإيرانية العريقة. وقد غيّر لفترة وجيزة التقويم الرسمي إلى تقويم يستند إلى أصول الملكية الفارسية، كما أقام عام ١٩٧١ احتفالًا ضخمًا بمناسبة مرور ٢٥٠٠ عام على تأسيس الإمبراطورية الأخمينية في برسبوليس، حيث خاطب قبر قورش العظيم أمام حشود من كبار الشخصيات الأجنبية، رابطًا نفسه بذلك الإرث بصفته “شاهنشاه” أي “ملك الملوك“.

قد يكون من السهل اعتبار رؤية البهلويين لإيران مجرد مظهر من مظاهر الترف أو تضخم الأنا، لولا أن هذا التصور لإيران متجذر بعمق في الهوية الوطنية الإيرانية، وقد أثبت قدرة لافتة على الاستمرار. فترسيخ أمجاد الإمبراطورية الفارسية القديمة ساهم في تشكيل نظرة الإيرانيين للعالم طوال العصر الحديث، حتى لدى أولئك الذين رفضوا هذه الرؤية.

ويحتل الماضي الإمبراطوري الإيراني مكانة مركزية في الحياة اليومية، ويتجلى ذلك في التمسك المستمر بالتقويم الشمسي والاحتفالات المرتبطة بعيد النوروز، رأس السنة الزرادشتية، إضافة إلى الاحترام العميق للتقاليد الشعرية في الثقافة الفارسية.

ولا تمثل هذه الأمور مجرد بقايا للتعددية الثقافية الإيرانية، بل تعكس أيضًا ادعاء إيران بحقها في تاريخ ومستقبل باعتبارها إحدى الحضارات العظمى والقوة الإقليمية الرئيسية. كما أن التفوق الديموغرافي والاقتصادي والعسكري لإيران الحديثة يعزز هذا الشعور بالأحقية والتفوق.

وكما قيل: “تعتقد إيران أنها تمتلك الثقل التاريخي والثقافي وحتى الأخلاقي الذي يؤهلها للتأثير بقوة في المنطقة التي كانت الإمبراطوريات الفارسية تهيمن عليها يومًا ما.” إن هذا الاعتزاز بمكانة الدولة الكبرى يتغلغل في التفكير الاستراتيجي الإيراني، ويغذي شعورًا بالمصير الهيمني، خاصة على حدودها.

وقد رفض الثوريون الإسلاميون في إيران هذه الرؤية، بسبب ما رأوه تهميشًا للإسلام وانبهارًا بالغرب. ومن الناحية الرسمية، تؤكد القيادة الإيرانية أن “عصر الإمبراطوريات في المنطقة قد انتهى”، وفي السنوات الأولى للجمهورية الإسلامية تم تثبيط المظاهر الثقافية المرتبطة بالماضي الإيراني ما قبل الإسلامي، في تعاكس واضح مع النهج الذي اتبعته الملكية.

ومع ذلك، ظل أثر “الإحساس المتجذر بالأحقية التاريخية الفارسية” واضحًا في طريقة تعامل طهران مع محيطها، وكذلك في الطريقة التي تنظر بها القوى الإقليمية الأخرى إلى التحركات والنوايا الإيرانية.

وقد أُعيد إحياء العديد من التقاليد السابقة للإسلام خلال الحرب العراقية الإيرانية بهدف تعزيز الدعم الشعبي. كما تكشف الخطابات الرسمية أحيانًا عن شعور بامتياز إمبراطوري عند الإشارة إلى دول كانت جزءًا من “فارس الكبرى” مثل البحرين.

أما الاتفاقيات التي اعتُبرت مجحفة وأدت إلى تقليص حدود الدولة الحديثة، مثل معاهدتي كلستان وتركمانجاي اللتين تنازلت إيران بموجبهما عن معظم منطقة القوقاز لصالح روسيا، فلا تزال تُستحضر باستمرار كعبرة وتحذير للدبلوماسية الإيرانية المعاصرة.

وقد سعت الجمهورية الإسلامية بجد إلى توسيع نفوذها الأمني والسياسي والاقتصادي في “جوارها القريب”، خصوصًا في العراق وعبر منطقة المشرق العربي. وكما صرح وزير الاستخبارات الإيراني السابق علي يونسي عام ٢٠١٥، فإن طهران تنظر إلى العراق على أنه “ليس فقط جزءًا من مجالنا الحضاري، بل هو هويتنا وثقافتنا ومركزنا وعاصمتنا… لأن جغرافيا وثقافة إيران والعراق غير قابلتين للفصل؛ فإما أن نحارب بعضنا أو نصبح كيانًا واحدًا“.

الطائفة الشيعية:

أضفت ثورة عام ١٩٧٩ إلى السياسات الإقليمية الإيرانية عاملًا تكوينيًا إضافيًا وقويًا، يتمثل في القوة التعبوية للإسلام. فقد احتل الدين موقعًا مركزيًا في الثورة نفسها وفي الدولة التي نشأت بعدها؛ إذ نجحت القيادة الكاريزمية لآية الله روح الله الخميني في توحيد معارضة كانت متنوعة أيديولوجيًا ومتباينة المصالح، بينما وفّرت الطقوس والمراسم الدينية شبكات تنظيمية ومالية فعّالة للتعبئة الشعبية والدعم.

أما الدولة التي تشكلت عقب الثورة فقد استندت إلى تفسير جديد للفقه الشيعي أتاح إنشاء نظام(ولاية الفقيه) وهو نظام هجين ذي عناصر ثيوقراطية فريدة.

ولذلك، ليس من المستغرب أن تتأثر السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية بالطابع الديني للدولة وقيادتها. وبالطبع، فإن توظيف الهوية الدينية كأداة للسياسة الداخلية والخارجية له سوابق عديدة في التاريخ الإيراني؛ إذ كانت إيران بلدًا ذا أغلبية سنية حتى قيام الدولة الصفوية الأولى (١٥٠١-١٧٢٢). وفي سعيهم إلى فرض السيطرة وبناء التوافق داخل البلاد، أدرك الصفويون بذكاء أهمية التحول المذهبي الجماعي ونشر أسطورة دينية-سياسية موحدة، خاصة في بلد يتمتع بتاريخ طويل من تقديس الملوكية.

احتفظت إيران الثورية بالطموحات الرسالية التي ميزت سابقتها الإمبراطورية، ولكن بصبغة دينية واضحة. فقد منحت الدولة الجديدة السلطة العليا للمرشد الديني وفق مبدأ “ولاية الفقيه“.

ويمكن العثور على الملامح الأولى للسياسة الإقليمية للجمهورية الإسلامية في دستور عام ١٩٧٩، الذي يكلّف طهران بـ “الدفاع عن حقوق جميع المسلمين”. ووفقًا لمقدمة الدستور، فإن القوات المسلحة الإيرانية والحرس الثوري الإسلامي مسؤولان “ليس فقط عن حماية حدود البلاد وصيانتها، بل أيضًا عن أداء الرسالة العقائدية للجهاد في سبيل الله؛ أي نشر سيادة شريعة الله في أنحاء العالم”. ويستند ذلك إلى الآية القرآنية:
”“وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم““ ,الأنفال: ٦٠

وبهذه الطريقة، قدمت الجمهورية الإسلامية نفسها باعتبارها مصدر إلهام ونموذجًا للعالم الإسلامي الأوسع. وكان قادة الثورة الإيرانية يتوقعون بالكامل أن يتكرر نموذج إقامة “الحكومة الإسلامية” في بلدان إسلامية أخرى. فقد دعا الخميني أتباعه إلى نشر رسالة الثورة خارج إيران، معلنًا أن الثورة “لم تُقم من أجل إيران وحدها، بل لهدف إسلامي، وكانت إيران مجرد نقطة البداية“.

وبعد ثلاثين عامًا، رأى ورثة الخميني في الانتفاضات التي شهدتها تونس ومصر ودول عربية أخرى خلال عامي ٢٠١٠-٢٠١١ تأكيدًا لتلك التوقعات.

وقد ظهرت آثار الدعوات الإيرانية المبكرة للنشاط الثوري بشكل خاص بين الشيعة في العراق، وهو ما أثار قلق القيادة العراقية آنذاك. فتحركت بغداد ضد شيعتها أولًا، ثم وجهت أنظارها نحو المحرضين الإيرانيين أنفسهم. وجاء الغزو العراقي لإيران في سبتمبر ١٩٨٠ والحرب التي استمرت ثماني سنوات ليضخما في البداية البعد الديني للسياسة الخارجية الإيرانية.

فقد دعت القيادة الإيرانيين إلى الدفاع عن وطنهم باعتباره “الجزء المحرر الوحيد من بلاد الإسلام”. كما انسجمت ظروف الحرب مع الموضوعات الثورية المتعلقة بالشهادة والتضحية والنضال. وتم تصوير الصراع على أنه إعادة تمثيل لحروب النبي ضد الكفار، أو بشكل أكثر تحديدًا، تشبيهًا بالحدث المؤسس في التاريخ الشيعي: معركة الحسين ضد يزيد.

ومن خلال استحضار الصور والمشاعر المركزية في الهوية الدينية للإيرانيين، سعت هذه الخطابات إلى تبرير الخسائر البشرية الهائلة للحرب، وإلى استمالة الولاءات المنقسمة المحتملة لدى الشيعة العراقيين.

ورغم أن هذا المسعى لم يحقق نجاحًا مباشرًا في سياق الحرب، فإن استثمار طهران أثمر على المدى الطويل نتائج استثنائية. فقد تحولت التنظيمات الشيعية العراقية التي أسستها إيران ورعتها عبر العقود التالية إلى قوى سياسية لا غنى عنها وأدوات مؤثرة لتمديد النفوذ الإيراني بعد الغزو الأمريكي للعراق.

وقد تعززت هذه العلاقة عبر شبكة واسعة من الروابط الشخصية التي نشأت عبر أجيال من التفاعل في الحوزات العلمية في النجف وكربلاء، ومن خلال دمج هذه الشبكات ضمن هيكل السلطة الإيراني بعد الثورة.

ورغم أن العقيدة والمصالح معًا شكّلتا أساسًا لخطاب إسلامي عالمي، فإن “الوحدة الإسلامية” التي سعت إليها إيران تحولت عمليًا إلى نوع من الانحياز الطائفي لصالح الشيعة في دول الخليج والعراق ولبنان. ففي هذه البيئات، ساهمت الشبكات القائمة والمظالم المحلية في منح المبادرات الإيرانية قدرة أكبر على التأثير.

ومع ذلك، واجهت طهران مرارًا حدود المصالح الطائفية. وكان أحد أبرز الأساليب التي استخدمتها لتجاوز هذه القيود هو توظيف العداء لإسرائيل كوسيلة لتوسيع جاذبيتها. وبهذه الطريقة، فإن “العداء لإسرائيل يعزز ادعاءات النظام الديني الإيراني بالقيادة الإقليمية… كما أن الخطاب الإيراني المعادي لليهود يُعد أحد الأسلحة الخطابية القليلة التي تحظى بجاذبية واسعة بين المسلمين السنة“.

ولم يقتصر تأثير الدين على صياغة خطاب الجمهورية الإسلامية وأهدافها الإقليمية، بل إن الشبكات والمؤسسات الدينية نفسها سهّلت هذا النفوذ، تمامًا كما ساهمت المساجد ومجالس العزاء سابقًا في تعبئة الثورة.

وقد تعزز انخراط إيران العميق في لبنان والعراق وسوريا بفضل الروابط الدينية بين السكان، مثل العلاقات الناشئة عن التعليم الديني، والخُمس والتبرعات الشرعية، والصلات العائلية والزواج، إضافة إلى أهمية المزارات الدينية والجمعيات الإسلامية والمؤسسات الدينية الأخرى.

واعتمدت الجمهورية الإسلامية على هذه الشبكات، واستثمرت بكثافة في توسيعها بما يخدم مصالحها. فإلى جانب تطوير المؤسسات الدينية المحلية في قم ومشهد، أنشأت طهران مراكز ثقافية في أنحاء العالم الإسلامي، كما قامت “بترميم وإعادة تصميم” مزارات شيعية مهمة في دمشق “لإظهار حضور إيراني واضح“.

وبعد إسقاط صدام حسين عام ٢٠٠٣، أعادت القيادة الإيرانية إحياء تقليد زيارة النجف وكربلاء باعتباره “وسيلة تحتفل بها طهران بما تصفه بالنصر الإسلامي”، وفي الوقت نفسه استمرارًا لتقليد تاريخي طويل من الرعاية الإيرانية للمزارات الشيعية في العراق.

كما استخدمت طهران موسم الحج إلى مكة بطريقة مختلفة ولكن بنفس القدر من التخطيط، بهدف تعزيز مكانة الدولة الثورية في مواجهة خصمها الرئيسي، السعودية. فمنذ الثورة، استغل الحجاج الإيرانيون بعض الطقوس المرتبطة بالحج للتنديد بالولايات المتحدة وإسرائيل والإشادة بقيادتهم.

وقد أعلن الخميني عام ١٩٨٣ أن “الجوانب السياسية للحج ليست أقل شأنًا من جوانبه الدينية”. وأدى ذلك إلى صدامات متكررة مع السلطات السعودية، التي يتعارض تفسيرها السلفي الأكثر تشددًا للإسلام السني مع الممارسات الشيعية، كما ترى أن التحركات الإيرانية تشكل تهديدًا مباشرًا لادعائها بقيادة العالم الإسلام.

أما المؤسسة الدينية الوحيدة التي لم تنجح الجمهورية الإسلامية في إخضاعها بشكل كامل لمصالحها فهي مؤسسة “المرجع الديني” أو “مرجع التقليد”. فمنذ عام ١٩٨٩، انفصلت هذه المكانة الدينية عن الهرم السياسي للجمهورية الإسلامية، وفشلت محاولات دمجها مجددًا في شخص المرشد الحالي آية الله علي خامنئي في تحقيق قبول واسع.

وتزداد أهمية هذا القصور مع بروز آية الله علي السيستاني كقوة سياسية مؤثرة في العراق بعد سقوط صدام. فالنموذج الشيعي الذي يمثله السيستاني يشكل تحديًا كبيرًا للهيمنة الإيرانية بين الشيعة في الشرق الأوسط، ولذلك سعت طهران إلى ضمان أكبر قدر ممكن من النفوذ استعدادًا للمرحلة التي ستلي غيابه الحتمي عن الساحة.

معاداة الإمبريالية:

تعكس المقاربة الإقليمية الإيرانية أيضًا رفضًا متجذرًا لهيمنة القوى العظمى، ودفاعًا شديدًا عن استقلال البلاد وسيادتها. وعلى الرغم من أن إيران لم تخضع للاستعمار المباشر يومًا، فإن تجربتها خلال القرنين التاسع عشر وأوائل القرن العشرين كساحة تنافس بين القوى الكبرى غرست فيها التزامًا عميقًا بالسيادة الوطنية ورفضًا قويًا للنفوذ الأجنبي.

وقد ظهر الاستياء من التدخل الخارجي مرارًا في السياسة الإيرانية الداخلية والخارجية: ففي عام1892 أجبرت المعارضة الشعبية الحكومة على إلغاء امتياز التبغ الذي مُنح لشركة بريطانية كبرى؛ وفي عام ١٩١١، أدى التدخل البريطاني والروسي إلى حل البرلمان وإنهاء آمال الثورة الدستورية؛ وفي سبتمبر ١٩٤١، شهدت البلاد الغزو المتحالف البريطاني-السوفياتي ونفي رضا شاه؛ وبالطبع، جاء انقلاب عام ١٩٥٣ الذي أطاح برئيس الوزراء القومي الإيراني ليترك أثرًا عميقًا في الذاكرة الوطنية الإيرانية.

وظل هذا الشعور عنصرًا أساسيًا حتى خلال الثورة الإسلامية. فقد كان استياء آية الله الخميني من قرار عام ١٩٦٣ بمنح الحصانة القانونية للمواطنين الأمريكيين المقيمين في إيران هو ما دفعه إلى تحدي القيود الحكومية على النشاط السياسي، الأمر الذي أدى لاحقًا إلى نفيه.

كما ركز أحد أبرز الانتقادات الفكرية للنظام الملكي على تغلغل الغربيين والقيم الغربية داخل المجتمع الإيراني. فقد وصف المفكر جلال آل أحمد هذه الظاهرة بمصطلح “غرب‌زدگی” أو “التسمم بالغرب”، وشبّهها بوباء الكوليرا الذي يصيب إيران.

وبعد الثورة، تبنت الحكومة الجديدة رسميًا سياسة عدم الانحياز تحت شعار “لا شرقية ولا غربية”. إلا أن الحماسة ذات الطابع الرسالي الديني، إلى جانب الإصرار على حماية استقلال إيران، ساهمت في دفع سياسات معادية للولايات المتحدة ولعدد من القوى الكبرى الأخرى.

وعلى المستوى الإقليمي، أنشأت القيادة الإيرانية بنية مؤسساتية تهدف إلى “تصدير الثورة”، من خلال دعم التنظيمات المسلحة، وزعزعة استقرار الدول المجاورة بالقوة أو عبر الدعاية، إضافة إلى التهديدات وعمليات الاغتيال التي استهدفت شخصيات في الخارج اعتُبرت أعداءً للجمهورية الإسلامية.

ورغم أن الدستور الإيراني يتضمن بندًا يمنع التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، فإنه يؤكد أيضًا أن الجمهورية الإسلامية “تدعم النضالات العادلة للمستضعفين ضد المستكبرين في كل أنحاء العالم“.

وما بدأ كتأثير تعبوي محدود بين التجمعات الشيعية في الكويت والبحرين والسعودية، فإنه تطور لاحقًا إلى جهاز رسمي واسع يسعى إلى تغيير الوضع القائم في الخليج والعالم الإسلامي، سواء بالكلمة أو بالفعل، عبر إدارة حروب بالوكالة في لبنان والعراق، ودعم أعمال عنف ضد مجموعة واسعة وغير محددة بدقة من الخصوم حول العالم.

كما يشكل هذا التوجه العميق المعادي للإمبريالية أساس العداء المستمر الذي تبديه طهران تجاه الولايات المتحدة، وهو عداء يطغى على علاقاتها بجيرانها، وكذلك بعلاقاتها مع عدد من الدول والقادة غير المسلمين الذين يشاركونها الموقف المناهض لأمريكا.

ومنذ الثورة، رفض القادة الإيرانيون شرعية الدور الأمني الأمريكي في المنطقة، وسعوا إلى تقليص أو إنهاء وجود أي قوى خارجية في الخليج.

أما بالنسبة لإيران، فإن علاقاتها بالدول المجاورة المتحالفة مع واشنطن تُنظر إليها باعتبارها مصدر تهديد دائم لا يمكن مواجهته إلا بالمواجهة المباشرة أو غير المباشرة. ولذلك، فإن التدخل الإيراني في أنحاء المنطقة يهدف إلى رفع كلفة هذا التحالف، سواء عبر استهداف المصالح والمنشآت الأمريكية بالعنف، أو من خلال معاقبة الخصوم الإقليميين بسبب تعاونهم مع الأولويات الأمنية الأمريكية.

السياسة الداخلية:

كان للديناميكيات الداخلية في إيران تأثير مباشر على أجندتها الإقليمية ونهجها السياسي. ففي الماضي، أدت الصراعات بين الأجنحة السياسية إلى بعض أكثر ملامح السياسة الخارجية الإيرانية استفزازًا، مثل الاستيلاء على السفارة الأمريكية عام ١٩٧٩. وحتى اليوم، لا تزال المنافسات الداخلية تتداخل مع الأنشطة الخارجية لإيران، الأمر الذي يجعل مؤسسات الدولة المختلفة تتبنى أحيانًا سياسات متناقضة بصورة مباشر.

وقد لعبت الجوانب المؤسسية المرتبطة بترسيخ النظام الجديد دورًا مهمًا في تشكيل السياسة الخارجية للدولة بعد الثورة. فجزء كبير من عملية “تصدير الثورة” قامت به منظمات وشخصيات مرتبطة بالحكومة، لكنها لم تكن خاضعة بالكامل لسلطتها الرسمية. وفي الواقع، فإن بعض أكثر الانتهاكات الصارخة للأعراف الدبلوماسية الدولية — مثل احتلال السفارة الأمريكية — نُفذت من قبل مجموعات كانت تعمل خارج إطار الدولة الرسمي.

وفي هذا السياق، أدى اتساع الانقسام بين التيار التقليدي والتيار الراديكالي داخل المؤسسة الدينية، إلى جانب ميل الخميني إلى إدارة الخلافات عبر وساطات غير مباشرة، إلى منح الفصائل المتنافسة مساحة لممارسة ما يشبه “سياسات خارجية موازية“.

ويمتلئ تاريخ إيران بعد الثورة بأمثلة على امتداد التنافس الداخلي إلى السياسة الإقليمية والخارجية. ومن أشهر هذه الأمثلة فتوى الخميني في فبراير ١٩٨٩ التي حكم فيها بإهدار دم الكاتب سلمان رشدي بسبب روايته “الآيات الشيطانية”. فقد أعادت الفتوى تأجيج الغضب الشعبي، ومنحت دفعة جديدة للتيارات الأكثر تشددًا داخل الجمهورية الإسلامية، لكنها جاءت على حساب الجهود التي كانت تبذلها طهران آنذاك لإعادة تأهيل علاقاتها الدبلوماسية بعد الحرب.

وظهر توتر مشابه في العلاقة بين إيران والسعودية، وكذلك مع بقية دول الخليج، حيث كانت التوترات مرتفعة أصلًا بسبب المواقف المتعارضة من الحرب في سوريا. فبعد إعدام السعودية لرجل دين شيعي معارض مطلع عام ٢٠١٦، بدا أن القيادة الإيرانية تميل إلى ضبط النفس في ردها، غير أن السفارة السعودية في طهران تعرضت للهجوم والحرق بمشاركة فعلية من قوات أمن إيرانية.

وبالمثل، ظلت محاولات إيران للتقارب الدبلوماسي مع مصر مقيدة بالمرارة المستمرة تجاه اتفاقية السلام المصرية مع إسرائيل، وهو ما يتجلى في الإصرار الإيراني على عدم تغيير اسم أحد شوارع طهران الذي يحمل اسم خالد الإسلامبولي، منفذ اغتيال الرئيس المصري الأسبق أنور السادات.

في البداية، شكّل الصراع الداخلي الإيراني نقطة ضعف للدولة؛ فمثلًا، أدى تراجع الجاهزية العسكرية بسبب انعدام الثقة بالمؤسسة العسكرية إلى تفاقم آثار الغزو العراقي في بدايات الحرب العراقية الإيرانية. إلا أن هذا التنافس الداخلي ساهم مع مرور الوقت في بناء مؤسسات قوية ومنظمة لفرض النفوذ الإقليمي، وعلى رأسها الحرس الثوري الإيراني، وذراعه الخارجية “فيلق القدس”، إضافة إلى قوات الباسيج(المتطوعون) شبه العسكرية.

وبفضل ذلك، حصلت الجمهورية الإسلامية على أفضلية كبيرة مقارنة بمنافسيها الإقليميين، إذ امتلكت “القدرات المؤسسية والبيروقراطية اللازمة لخوض انخراط طويل الأمد ومتعدد الأبعاد داخل دول أخرى“.

كما أثرت التحولات الداخلية الإيرانية بشكل واضح على علاقاتها بجيرانها. فبعد انتهاء الحرب، ساهم صعود المحافظين البراغماتيين بقيادة الرئيس آنذاك هاشمي رفسنجاني في دفع عملية تقارب تدريجية وإن كانت متعثرة أحيانًا بين طهران والدول العربية.

وفي السنوات الأخيرة، ومع تصاعد التنافس السياسي الداخلي وصعود جيل جديد من المحافظين، ازداد نفوذ المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية اليومية. فقد ارتفع بشكل كبير عدد المسؤولين المنتخبين وكبار الشخصيات الذين لديهم ارتباطات حالية أو سابقة بالحرس الثوري أو بأجهزة الأمن الأخرى خلال الخمسة عشر عامًا الماضية.

وشهدت الفترة نفسها توسعًا هائلًا في الإمبراطورية الاقتصادية المرتبطة بالحرس الثوري. ومع تنامي النفوذ الداخلي للأجهزة الأمنية، أصبحت مقاربة إيران للعلاقات الدبلوماسية مع خصومها الإقليميين أكثر تشددًا وتشاؤمًا.

الارتياب وأمن النظام:

لعلّ العامل الأهم الذي يحكم طموحات إيران وأنشطتها في الشرق الأوسط الأوسع هو الشعور العميق والدائم بانعدام الأمن لدى قيادتها، وهو شعور نابع من الذاكرة التاريخية والتجارب القاسية. فالقادة الإيرانيون بعد الثورة متأثرون بثقافة سياسية مهووسة بما تعتبره “تعرّض إيران التاريخي للاستغلال” على يد القوى الأجنبية. ويمثل “الشيطان الأكبر” أي الولايات المتحدة — مجرد حلقة جديدة في سلسلة من القوى العالمية الجشعة التي استغلت إيران وقوضت سيادتها خدمةً لمصالحها الخاصة.

وقد استمر هذا “التفسير التآمري للسياسة” في تشكيل حالة من انعدام الثقة الفطري تجاه الحكومات الأجنبية وأهدافها عند التعامل مع إيران. كما أن أحداث العقد الأول بعد الثورة بما شهده من تحديات عنيفة لوجود النظام من الداخل والخارج زادت من ترسيخ هذا الشعور بالهشاشة والارتياب.

وقد عمّقت تلك السنوات المبكرة إحساس إيران بالعزلة والاغتراب عن النظام الدولي. فغزو صدام حسين لإيران عام1980 عزز مخاوف القيادة الثورية، إذ بدا وكأنه يحقق توقعاتها بوجود محاولة عسكرية مدعومة أمريكيًا لإعادة تنصيب قيادة موالية للغرب في طهران.

وبعد نجاح إيران المفاجئ نسبيًا في شن هجوم مضاد واستعادة أراضيها المحتلة عام1982، دار نقاش داخلي حول كيفية مواصلة الحرب. وفي النهاية، عززت القناعة التي عبّر عنها علي خامنئي بأن الحرب “لم تكن حربًا بين بلدين أو جيشين، بل كانت حربًا بين تحالف عالمي غير معلن ضد أمة واحدة” موقف القادة العسكريين المتشددين الداعين إلى نقل المعركة إلى داخل العراق.

وكانت الجمهورية الإسلامية مقتنعة بتفوقها الأخلاقي والعسكري، ورأى قادتها أن أي تسوية لا تنتهي بالنصر الكامل تشكل خطرًا جوهريًا.

كما أن رد الفعل الدولي الباهت تجاه الغزو العراقي، ثم استخدام صدام حسين للأسلحة الكيميائية لاحقًا، رسّخ لدى القيادة الإيرانية وخصوصًا داخل الأجهزة الأمنية قناعة بأن القوانين والمعايير الدولية ليست سوى واجهة تخفي الطمع الحقيقي للولايات المتحدة وحلفائها.

ومن هنا، أصبحت “الاعتماد على الذات” الخيار الوحيد المقبول لدى الجمهورية الإسلامية، وتحول هذا المبدأ إلى جزء راسخ من الرؤية الاستراتيجية للقيادة الإيرانية.

ونتيجة لتلك التجارب المبكرة، أصبحت طهران تضع بقاء النظام فوق كل اعتبار، وارتبطت غريزة الحفاظ على الذات بقناعة متجذرة بأن العالم بقيادة واشنطن يسعى إلى القضاء على الدولة الثورية الإيرانية.

وتكمن هذه الشكوك العميقة والاغتراب عن النظام الدولي في صميم تصلب القيادة السياسية والأمنية الإيرانية. ووفقًا للرواية التي يتبناها الحرس الثوري: “في مواجهة نظام الهيمنة، هناك خياران فقط: الخضوع أو المقاومة. والانتصار سيكون لمحور المقاومة“.

وثمة مفارقة في هذا الارتياب الإيراني المتجذر؛ فهو غالبًا ما يولّد ردود فعل تؤدي إلى تعزيزه. فعدم ثقة طهران بالقوى الكبرى دفعها إلى تبني أساليب الحرب غير التقليدية، والاستثمار المتكرر في الجماعات الوكيلة في أنحاء المنطقة بهدف توسيع نفوذها أو تعزيزه. لكن النتيجة غير المقصودة لهذا الاعتماد على الوكلاء كانت “جعل الجمهورية الإسلامية عرضة دوريًا لخطر التخلي عنها أو جرّها إلى صراعات من قبل حلفائها“.

كما ساهم ذلك أيضًا في إنتاج النتائج نفسها التي تدّعي طهران وأحيانًا خصومها الإقليميون أنها تعارضها، وعلى رأسها توسع الوجود العسكري الأمريكي في الخليج، والذي يُبرَّر عادة بالخطر الإيراني.

ومع ذلك، فإن شعور إيران بانعدام الأمن ليس أمرًا فريدًا. فمعظم جيرانها، رغم علاقاتهم الأمنية الطويلة والقوية مع واشنطن، يتشاركون أيضًا شعورًا بالهشاشة في البيئة الإقليمية، وغالبًا ما تتفاقم هذه المخاوف بفعل الأزمات الداخلية.

وكما يشير الباحث توماس جونو، فإن التنافس الاستراتيجي البنيوي بين إيران وجيرانها الخليجيين يفاقم هذا الجانب من الرؤية الإيرانية في محيطها القريب. إذ إن “معضلة الأمن الإيرانية شديدة من الناحية الهيكلية؛ فعلاقاتها مع جيرانها معرضة بشكل كبير لانعدام الثقة وسوء الفهم، ولدوامات متصاعدة من الصراع“.

وربما كان المثال الأكثر تدميرًا لهذه الحلقة هو ما جرى في سوريا خلال السنوات الماضية، حيث لعبت نظرة إيران التآمرية للتهديد دورًا أساسيًا في تعميق استثمارها المكلف في دعم نظام بشار الأسد.

فقد جاء تصوير إيران للانتفاضة السورية منذ عام2011 على أنها مؤامرة خارجية مدفوعة بالطائفية منسجمًا مع توجهها الأيديولوجي والسياسي والديني القائم أصلًا. ومع تفكك المعارضة السورية وتطرف بعض فصائلها وسعيها للحصول على دعم خارجي، “تحولت الكذبة إلى حقيقة جزئيًا” من وجهة النظر الإيرانية.

كما أن صعود تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) كقوة عسكرية وأيديولوجية زاد من ترسيخ شعور القيادة الإيرانية وحتى جزء من المجتمع الإيراني بخطورة ما يجري في سوريا. ففي نظر طهران، يمثل داعش مؤامرة دبرتها الولايات المتحدة، وتبقى الجمهورية الإسلامية الهدف النهائي لها.

وكما قال أحد القادة السابقين في الحرس الثوري مطلع عام ٢٠١٧:
“عدونا الرئيسي هو أمريكا. لقد أرادت أمريكا والغرب تدمير سوريا، باعتبارها إحدى دول محور المقاومة، ثم الانتقال بعد ذلك إلى غزو إيران“.

تطور مقاربة الجمهورية الإسلامية تجاه المنطقة:

منذ الثورة الإسلامية، اتسمت السياسات الإقليمية الإيرانية بدرجة كبيرة من الاستمرارية. فالتوترات الثنائية المزمنة بين إيران ومعظم جيرانها كانت تُؤجَّج بشكل دوري بفعل التحركات والتدخلات الإيرانية، بينما كانت الضغوط الأمريكية تُدعَم من خلال حلفائها الإقليميين. وفي الوقت نفسه، ظل جميع الأطراف مترددين في السماح بانفلات التصعيد الإقليمي بشكل كامل. وكانت النتيجة نوعًا من “عدم الاستقرار المُدار”، حيث لعبت واشنطن دورًا أساسيًا بوصفها قوة موازنة.

إلا أن هذا التوازن بدأ يتآكل خلال الخمسة عشر عامًا الماضية، بدءًا من إسقاط نظام صدام حسين.عام2003 فقد أدى ذلك إلى إزالة أخطر خصوم طهران، كما أتاح إلى جانب الحملة الأمريكية في أفغانستان مجموعة غير مسبوقة من الفرص والتهديدات الإقليمية.

وهكذا، وجدت الثورة الإسلامية نفسها في آن واحد محاصرة وأكثر جرأة. وانطلاقًا من قناعة راسخة لدى قادتها بأن التنازل يؤدي إلى مزيد من الضغوط، اختار حراس النظام الانتقال إلى الهجوم بدلًا من تقديم التنازلات.

وحتى الآن، يبدو أن حساباتهم قد أثمرت؛ إذ إن موقع إيران في النظام الإقليمي اليوم(2017) أقوى بكثير مما كان عليه قبل عام ٢٠٠٣، كما أن تصاعد التنافس الطائفي والاستراتيجي بينها وبين جيرانها يبدو، في كثير من الأحيان، يصب في مصلحتها.

وقد ساهمت المبادرات الإيرانية المحدودة نسبيًا عبر تقديم التمويل والتدريب والسلاح والدعم العملياتي لقوى معارضة في اليمن والبحرين في إشعال جبهات جديدة على خطوط التصدع الهشة في العالم العربي، كما دفعت السعودية إلى الانخراط في مستنقع عسكري واقتصادي مُنهِك في اليمن منذ 2015.

وبالنسبة لكثيرين في واشنطن ومنطقة الخليج، فإن اتساع النفوذ الإيراني يُنظر إليه كنتيجة مباشرة للاتفاق النووي وما تبعه من تخفيف القيود عن الاقتصاد الإيراني. غير أن هذا التفسير يتجاهل عوامل أكثر تأثيرًا، أهمها الفراغ الذي أوجدته الولايات المتحدة في العراق بعد إسقاط صدام حسين، إضافة إلى الفرص التي وفرتها الفوضى الناتجة عن الربيع العربي، وما أعقبها من ردود فعل سلطوية.

كما أن القلق من صعود إيران الإقليمي يتجاهل أيضًا حجم التنازلات التي اضطرت القيادة الإيرانية إلى تقديمها. فقد تطلب هذا التوسع تحولًا مهمًا وإن كان غير معلن في التكتيكات الإيرانية، بعيدًا عن فكرة إنشاء “دول ثورية” مشابهة للنظام الإيراني تقوم على مبدأ ولاية الفقيه.

وقد فشل هذا الهدف بوضوح؛ فلم تعتمد أي دولة أخرى في العالم النموذج الإيراني الفريد من الحكم الديني الهجين. وفي الوقت نفسه، استثمرت طهران بكثافة في محاولة التأثير على الحوزات الدينية العراقية، لكن المكانة الدينية والسياسية المستقلة للمرجع الشيعي الأعلى آية الله علي السيستاني بقيت تذكيرًا واضحًا بأن الحكم الديني في إيران أضعف من النفوذ المعنوي والسياسي للمؤسسات الدينية نفسها.

وبدلًا من ذلك، تعزز النفوذ الإقليمي الإيراني عبر عاملين أساسيين يتعارضان في جوهرهما مع المبادئ التقليدية للجمهورية الإسلامية.

أولًا، إن دور إيران في العراق وسوريا شكّل بداية تحول في العقيدة العسكرية الإيرانية، من عقيدة دفاعية بالأساس كانت فيها قدرات إيران على إسقاط القوة محدودة وتعتمد بشكل رئيسي على الحرب غير التقليدية إلى نموذج أقرب إلى خوض حروب خارج الحدود بشكل تقليدي.

وبعبارة أخرى، فإن النفوذ الإقليمي الإيراني لم يتحقق عبر قوة الأفكار أو الإلهام الثوري أو حتى عبر توجيه الحلفاء العقائديين، بل عبر نشر قواتها العسكرية النظامية للمشاركة في حروب خارج أراضيها.

كما أن إضفاء الطابع الرسمي على النفوذ الإيراني في العراق، عبر دمج الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران ضمن المنظومة الأمنية الرسمية العراقية( الحشد الشعبي منذ2015)، يتناقض بشكل متزايد مع تأكيد إيران الدائم أن أهدافها العسكرية ذات طبيعة دفاعية فقط.

وقد يؤدي ذلك إلى تآكل قدرات الردع الإيرانية، وتعريضها لنفس مشاعر العداء تجاه “القوى المتنمرة” و”الإمبريالية”، وهي المشاعر التي شكلت طويلًا جوهر الخطاب الأيديولوجي للجمهورية الإسلامية نفسها.

كما أن الانخراط الإيراني الواسع في النزاعات الداخلية على أطرافها الجغرافية يخلق توقعات والتزامات واسعة مماثلة في أي مرحلة ما بعد الصراع في العراق وسوريا، وهو ما سيختبر قدرة إيران واستعدادها للمساهمة الفعلية في بناء أنظمة مستقرة وذات سيادة.

ومن ناحية أخرى، أدت الحرب السورية فعليًا إلى تنازل إيران عن اعتراضاتها التقليدية على تدخل القوى الخارجية في صراعات المنطقة. فالتعاون العلني بين طهران وموسكو، بما في ذلك السماح غير المسبوق للطائرات الروسية باستخدام قواعد جوية إيرانية لدعم عملياتها في سوريا، يقوض أحد المبادئ الأساسية للثورة الإسلامية، ويبدو وكأنه يتجاوز الحظر الدستوري على وجود قواعد عسكرية أجنبية في إيران.

كما يعكس ذلك استعدادًا متزايدًا لدى الحكومتين لتعميق التنسيق بينهما بشأن سوريا. وغالبًا ما توصف العلاقة بين طهران وموسكو بأنها “زواج مصلحة”، لكن تعاونهما في سوريا يبدو وكأنه تطور إلى شراكة استراتيجية، وإن كانت بطبيعتها هشة وغير مستقرة.

وأخيرًا، أصبحت السياسات الإقليمية الإيرانية أكثر استعدادًا لإعطاء الأولوية للمصالح الاقتصادية. فعلى الرغم من أن إيران لطالما سعت إلى الحفاظ على التجارة الدولية وجذب الاستثمارات الأجنبية، فإن علاقاتها الاقتصادية مع جيرانها كانت تاريخيًا محدودة الأهمية.

لكن هذا الواقع بدأ يتغير. فإسقاط الولايات المتحدة لأبرز خصوم إيران الإقليميين طالبان وصدام حسين فتح أمام طهران سوقين مهمتين يمكنها الاستفادة فيهما من القرب الجغرافي والروابط العائلية والإثنية والدينية.

كما شكّلت هاتان الساحتان منفذًا مهمًا للعملات الصعبة والسلع الأساسية خلال أشد فترات العقوبات الاقتصادية. وتحركت طهران بسرعة للاستفادة من الفرص الاقتصادية في البلدين، مدعومة بإنشاء مناطق تجارة حرة في المحافظات الحدودية الإيرانية.

وقد أدى ذلك إلى زيادة كبيرة في التجارة والاستثمارات الإيرانية الإقليمية، ومعظمها خارج قطاع الطاقة. وعلى المدى الطويل، قد يسهم هذا في تخفيف الميل الإيراني نحو التدخل والعنف، لأن الدولة التي يصبح اقتصادها مترابطًا مع اقتصادات جيرانها ستكون أكثر حرصًا على الاستقرار الإقليمي.

وهناك سوابق تدعم هذا الاحتمال؛ فبعد التجربة المدمرة في الثمانينيات، أدركت طهران والرياض أن مصالحهما تُخدم بشكل أفضل عبر التفاهم داخل منظمة أوبك بشأن سياسات الإنتاج والأسعار النفطية.

ومع ذلك، ليس من الواضح تمامًا ما إذا كانت القيادة الإيرانية قادرة على تبني هذا التحول على نطاق أوسع. لكن توجد بعض المؤشرات على أن بعض أجنحة القيادة الإيرانية تدرك مدى الضرر الذي ألحقه الطابع الأيديولوجي لسياساتها الإقليمية بالمصالح الوطنية المباشرة للبلاد.

ففي أوائل عام ٢٠١٥، أشار الرئيس الإيراني حسن روحاني في خطاب له إلى أن الاقتصاد الإيراني “يدفع الدعم لكل من السياسة الخارجية والسياسة الداخلية، فلنجرب العكس لعقد من الزمن، بحيث تدعم السياسات الداخلية والخارجية الاقتصاد، لنرى كيف ستكون حياة الناس ودخولهم وفرص العمل للشباب“.

ولم تحدث أي من هذه التطورات بمعزل عن غيرها، بل تزامن تعزيز إيران لموقعها الإقليمي مع تحولات عميقة شهدتها الدول العربية، إضافة إلى تغيرات في أسواق الطاقة وتكنولوجيا المعلومات والتركيبة الديموغرافية للحكام والمحكومين.

وقد رأت القوى الإقليمية المنافسة لإيران أن هناك إعادة تشكيل أساسية للتوازن الإقليمي تصب في مصلحة طهران. وفي البداية، لجأت هذه الدول إلى النهج الذي اعتمدت عليه منذ الثمانينيات، والمتمثل في الاتكال على المظلة الأمنية الأمريكية والتقاطع الطبيعي في المصالح مع واشنطن.

لكن ذلك لم يعد كافيًا لعدة أسباب. ومع انتقال السلطة إلى جيل جديد من القادة في دول الخليج، برز توجه أكثر حزمًا لمواجهة المكاسب الإيرانية ميدانيًا، ولفرض قدر أكبر من الانضباط الاستراتيجي على الموقف العربي الذي اتسم تاريخيًا بالتشتت والانقسام.

وبدافع من الشعور بالفرصة والخطر معًا، صعّد ولي العهد السعودي آنذاك محمد بن سلمان المواجهة مع إيران. وحتى يوليو ٢٠١٧، ظل هذا الصراع محصورًا بشكل غير مستقر ضمن سلسلة من الحروب بالوكالة، إلا أن مؤشرات التصعيد السعودي الجديد، إلى جانب الميل الإيراني المتجذر إلى الرد والهجوم بدلًا من التسوية، فضلًا عن الإدارة الأمريكية الجديدة مع فوز دونالد ترامب بانتخابات الرئاسة عام2016غير المتوقعة آنذاك، كلها كانت تنذر بمخاطر كبيرة لتصعيد أوسع في المنطقة.

—————————————————————————————–