محمد سيد رصاص
هناك قلة بين قادة الحزب الشيوعي السوري الذين كانوا يمتلكون الثقافة النظرية ، وأكثرهم كان يملك قدرات سياسية أو تنظيمية أو كليهما ولكن من دون البعد النظري. من هذه القلة كان الدكتور أحمد فائز الفواز مالكًا لثقافة نظرية واسعة تمتد للفلسفة والتاريخ، وقد أتاحت له سنوات إقامته في ألمانيا الشرقية بالستينيات، والتي امتدت لحوالي العقد من الزمن من أجل تكملة دراسة الطب والتخصص بعد ذهابه إلى هناك إثر حملة الاعتقالات ضد الشيوعيين عام 1959، الاطلاع على الفلسفة الألمانية، وقراءة كارل ماركس بالألمانية، وخاصة كتابه الفلسفي الرئيسي “مخطوطات 1844″، وكذلك مؤلفات جورج لوكاتش.
لهذا، عندما انشق الحزب الشيوعي السوري في 3 نيسان 1972، فإن الدكتور الفواز كان من أنصار عدم الاكتفاء باستقلال الحزب السياسي والتنظيمي عن موسكو، وإنما أيضًا بضرورة تبيئة الماركسية فكريًا في البيئة المحلية، وهو في هذا كان مشتركًا في الرؤية مع الياس مرقص وياسين الحافظ، وكان يرى بأن ماوتسي تونغ قد قام بتصيين الماركسية وكذلك هوشي منه في فييتنام، وكلاهما لم يكتف بقيادة تحرير بلده من الأجنبي، بل قاما بتوحيدها ثم مهدوا طريقًا لتحديثها. وهذا السبب هو الذي جعل الدكتور الفواز معجبًا بخط (الشيوعية الأوروبية) الذي دخل في صدام مع السوفيات على قضايا نظرية وسياسية بالسبعينيات، وعندما ترجم عام 1978 كتاب أمين عام الحزب الشيوعي الإسباني سنتياغو كاريُو: “الشيوعية الأوروبية والدولة”، فإن الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي) جلب مئات النسخ من بيروت لتوزيعها، وهو كتاب قاد إلى حرب نظرية ضده شنها كتّاب سوفيات، عندما دعا كاريُو إلى تصالح الشيوعيين مع مفهوم الديموقراطية ونبذ مقولة (ديكتاتورية البروليتاريا).
في ذلك العام، وفي آب 1978 بالعدد 204 من جريدة “نضال الشعب”، الناطقة باسم الحزب الشيوعي (المكتب السياسي)، كتب الدكتور الفواز مقالًا بعنوان: “ملاحظات أولية حول الديمقراطية”، هو أول نص عند حزب يساري سوري في مرحلة ما بعد 8 آذار 1963 يدعو إلى تبني مفهوم الديموقراطية، بعيدًا عن مقولات (الديمقراطية الشعبية) و(الديمقراطية الثورية)، وهما كانتا قد سادتا أوساط اليسار بفروعه الماركسية والعروبية منذ الستينيات، ثم كان الدكتور الفواز صائغًا رئيسيًا لموضوعات المؤتمر الخامس للحزب أواخر ذلك العام، والتي كان فيها تبني لبرنامج وطني ديمقراطي معارضًا لنظام حافظ الأسد، هذا البرنامج الذي يربط الوطنية بالديمقراطية وأن الأوطان تُبنى بالديمقراطية لكل أبنائها وأن الديكتاتوريات وصفة للهزائم وخراب الأوطان.
في نهاية عام 1979 تم التوصل إلى تشكيل (التجمع الوطني الديمقراطي) الذي ضم أحزاب وحركات يسارية عروبية وماركسية، وقد طرح (التجمع) في بيانه الأول الصادر في 18 آذار 1980، والذي أعلن عن وجود التجمع، “برنامج التغيير الجذري والكامل للنهج القائم” عبر ست خطوات آخرها “إقامة حكومة وحدة وطنية تحلّ مجلس الشعب وتدعو لانتخابات حرّة لجمعية تأسيسية تصوغ دستورًا جديدًا للبلاد يقوم على مبادئ الحرية والديمقراطية والمساواة بين المواطنين”، وتسبقها خمس خطوات (رفع الحصار عن المدن وسحب الجيش، إلغاء حالة الطوارئ، إطلاق الحريات الديمقراطية بما فيها حرية تأسيس الأحزاب وإصدار الصحف، إطلاق سراح جميع المعتقلين بلا استثناء، وإلغاء تسلّط أجهزة المخابرات).
منذ يوم ذلك البيان بدأت حملة الاعتقالات على الحزب الشيوعي (المكتب السياسي)،ثم أخذت مداها الواسع في شهري تشرين الأول والثاني من ذلك العام. اعتقل الدكتور الفواز في 5 تشرين الأول 1980 وتعرض لتعذيب شديد، قاد إلى شلل جزئي مؤقت بيديه استمر لأشهر كان يحتاج خلالها لمساعدة في تناول الطعام وشرب الماء أو الشاي، ثم حكمت عليه محكمة أمن الدولة بخمسة عشر عامًا وخرج عام 1995 من السجن.
استأنف الدكتور الفواز نشاطه السياسي بعد الخروج من السجن، وفي فترة ما بعد موت حافظ الأسد عام 2000 لم تتملكه أوهام سيطرت على كثير من المعارضين بأن “بشار الأسد يقود تيارًا اصلاحيًا ضد تيار المحافظين من الحرس القديم”، كما رأى أن غزو العراق عام2003 سيجلب الكوارث للمنطقة. وعندما رأى رياض الترك تغيير اسم الحزب والتخلي عن الماركسية والمراهنة على الموجة الأميركية، كان الدكتور الفواز من الرافضين لذلك، كما أنه كان يرى أن موجة الليبرالية الجديدة، التي سيطرت على الكثير من المعارضين السوريين، تحوي خطورة فصل الوطنية عن الديموقراطية التي رأى هؤلاء وأيدوا حملها وجلبها عبر دبابة الأجنبي، وهو منذ عام 2003 كان يرى أن الخارج لا يبني الداخل بل هو صاعق مفجر له، واستشف ذلك من عراق ما بعد 2003، ثم ثبت ذلك في تجارب عربية عديدة. وفي عام 2011، كان الدكتور الفواز من أنصار رفض التدخل الخارجي في سوريا، وكان يدعو إلى حل انتقالي تسووي سوري رآه الوسيلة الوحيدة لتجنيب البلاد بحرًا من الدماء، وقد تنبأ الدكتور الفواز منذ خريف 2011 بأنه بحر قادم، وقد عبّر عن ذلك في مؤتمر حلبون لهيئة التنسيق الوطنية في 17 أيلول من ذلك العام.
صحيح أن الدكتور أحمد فائز الفواز قد ابتعد في السنوات الأخيرة عن العمل السياسي المباشر، إلا أن من كان يلتقي معه كان يشعر بأنه من القلة في الوسط السياسي السوري الذين يمتلكون الحكمة وملكة القبض المعرفي على الحدث السياسي والقدرة على استشراف المستقبل.
لقد ترك بصمات كبرى في التاريخ السياسي السوري، وستبقى ذكراه حيّة طويلًا.
20 تشرين الأول/ أكتوبر2025
———————————————–
