هل فشلت الولايات المتحدة في سياسة احتواء الشرق الأوسط؟

المحامي نشأة الطعيمة

مع بداية ولاية الرئيس الأمريكي هاري ترومان، نهجت الولايات المتحدة سياسة الاحتواء وتم هذا مع نهاية الحرب العالمية الثانية منذ عام 1946، وكان الهدف الأساسي منها تطويق نفوذ الاتحاد السوفيتي وعدم تمدده في أوروبا وفي الشرق الأوسط وفي أفريقيا دون الدخول معه في حرب عسكرية مباشرة. وقد عُرِفت هذه السياسة آنذاك باستراتيجية (الاحتواء ) التي وضعها الدبلوماسي الأميركي جورج كينان في شباط 1946، وكانت من أهم ركائز السياسة الخارجية الأمريكية للحرب الباردة بمواجهة الاتحاد السوفيتي وعنوان لها ، وكان من أهم مظاهر هذه السياسة تقديم المساعدات المالية والدعم السياسي للحلفاء والعزل ودعم المعارضة والمقاطعة السياسية والاقتصادية للخصوم ، كما عملت على تشكيل حلف شمال الأطلسي (الناتو) مع الدول الأوروبية وتركيا وهو تحالف عسكري لمواجهة الاتحاد السوفيتي وحلف وارسو قبل انهيار وهذا الحلف لا يزال قائماً إلى اليوم وتعمل على استخدامه وتوظيفه لخدمة مصالحها وسياستها الخارجية.

لم تكن سياسة الاحتواء جديدة عند الساسة الأمريكيين، فهم استخدموها سابقاً في خمسينيات القرن التاسع عشر لاحتواء الأقاليم التي رفضت الانضمام الى الفيدرالية الأمريكية تحت عنوان (طوق الحرية) مع رفع شعار “أقاليم حرة و تجارة حرة ومياه حرة”، وتم حينها ممارسة سياسة الضغط الأقصى عليها وحصارها حتى انهارت الواحدة تلو الأخرى وانضمت أخيراً إلى الفيدرالية الأمريكية. كما مارست الخارجية الأمريكية سياسة الاحتواء بالاتفاق مع الدول الأوروبية لإنشاء طوق ضد ألمانيا لاحتواء توسعها قبل وبعد الحرب العالمية الأولى والثانية بشعار مناهضة الفاشية وضد الاتحاد السوفيتي قبل الاعتراف به من قبل الرئيس الأمريكي روزفلت عام 1933، ثم تم تغيير الشعار إلى مواجهة التمدد الشيوعي للاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة.

تطور مفهوم سياسة الاحتواء الأمريكية في تسعينيات القرن العشرين ليشمل في نفس الوقت أكثر من دولة أو مناطق إقليمية بالكامل تحت مسمى سياسة (الاحتواء المزدوج) كما هو الحال في ما يحدث في منطقة الشرق الأوسط والصراع العربي الصهيوني أو في الصراع الإيراني- العراقي ، خلال أعوام 1993-2001، حيث تميزت تلك السياسة من خلال اتباع نهج ووسائل متعددة مثل الحصار والعزل داخل الحدود ودعم المعارضة الداخلية للدولتين وتوظيف الخلافات العرقية والدينية لتعقيد الخلاف وتعميقه بين الشعبين مع تشديد العقوبات العسكرية والاقتصادية والمالية والتجارية الطرفين المتصارعين تارة، أو تخفيفها عن أحد الطرفين أو مساعدته في الخفاء أو عبر الوسطاء مرة أخرى بهدف استمرار الصراع بينهما وإضعافهما أو السيطرة عليهما.

غيّرت الولايات المتحدة سياستها الخارجية بعد هجمات 11 أيلول /سبتمبر 2001 من سياسة الاحتواء بالمساعدة المالية والاقتصادية أو سياسة الضغط والعزل وتشكيل الأحلاف لمواجهة الخصم إلى سياسة الاحتواء بالقوة العسكرية من أجل تنفيذ أهدافها الاستراتيجية في الهيمنة والسيطرة على مقدرات وخيرات دول وشعوب العالم، فكانت ولاية الرئيس الأمريكي جورج بوش بداية التحضير لهذا التحول كما ارتبط مع هيمنة اليمين الجمهوري والمحافظين الجدد على البيت الأبيض وعلى السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية، وأيضاً تزامن من بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي وتفكك حلف وارسو، فتم توظيف حدث هجمات 11 أيلول إعلامياً بشكل واسع مبرراْ لتحريك الجيش الأمريكي خارج حدود الولايات الأمريكية لغزو أفغانستان في أكتوبر 2001 بحجة القضاء على طالبان والقاعدة بعد اتهامهما القيام بعملية 11 أيلول، فطالبت حكومة أفغانستان بتسليمها أسامة بن لادن زعيم القاعدة، وبعد ذلك أقدمت على غزو العراق في آذار 2003 بخطاب تحريضي بامتلاكه لأسلحة الدمار الشامل وقمع شعبه في داخل العراق وتهديد أمن واستقرار المنطقة ودعم الإرهاب .

لم يلق هذا التحول في سياسة الاحتواء الأمريكية باستعمال القوة العسكرية وتحريك الجيش الأمريكي خارج الحدود الأمريكية، القبول عند الشعب الأمريكي ولا عند حلفائها في حلف شمال الأطلسي باستثناء بريطانيا التي ساهمت بقوة عسكرية في غزو العراق، لأن المبررات التي ساقتها الخارجية الأمريكية اتسمت بالضبابية وعدم الوضوح ولم تقدم الأدلة الكافية للإقناع ، كما أثبتت التحقيقات اللاحقة الجارية بعد احتلالها للعراق والسيطرة عليها عدم صحة المبررات التي ساقتها الإدارة الأمريكية حول امتلاكها لأسلحة الدمار الشامل. هذا إضافة إلى النتائج الكارثية التي آلت إليها الأوضاع الداخلية في كل من أفغانستان والعراق لجهة التدمير الشامل للبنى التحتية أو لجهة الأعداد الكبيرة للقتلى، وايضاً لجهة الخسائر الضخمة التي تكبدتها الادارة الأمريكية في الأموال والعتاد وأعداد القتلى في الجيش الأمريكي، فكانت تلك النتائج من أهم عوامل الفشل لسياسة الاحتواء الأمريكية في المنطقة، يضاف إليها التحولات الخطيرة التي أصابت العراق كدولة بعد الغزو الأمريكي لها، فتحولت من دولة ذات سيادة ومستقرة وتملك كامل المقومات الواعدة للنمو والتطور، إلى دولة فاشلة وفاقدة للقيادة ومنقسمة طائفياً وعرقياً وأصبحت مصدر قلق وعدم استقرار لمحيطها العربي والإقليمي، ومن جهة أخرى فقد أشارت تفجيرات لندن في 7 أيلول عام 2005 إلى عجز وفشل عقيدة بوش الهجومية من القضاء على الإرهاب كما تدعي، حيث أصبحت دول الشرق الأوسط من أكثر المناطق المتفجرة في العالم، فشكّلت الصراعات الدائرة فيها واحدة من أهم مظاهر عدم نجاح سياسة الاحتواء الأمريكية في المنطقة. كما نجد في السياسة العدائية التي مارستها الإدارات الأمريكية المتعلقة مع القضية الفلسطينية والانحياز المطلق للكيان الصهيوني والدعم المستمر العسكري والسياسي والاقتصادي والمالي لإسرائيل لاستمرارها في قهر الشعب الفلسطيني وتشريده ومنعه من تحقيق حلمه في دولة مستقلة ولأجل تمكينها من الهيمنة على المنطقة.

فجميع تلك الأسباب والعوامل قد أدت إلى تفاقم الصراع في المنطقة والى عدة حروب، كحرب حزيران عام 1967 وحرب تشرين 1973 وما نتج عن ذلك من تداعيات كحرب غزة وامتدادها إلى لبنان وحزب الله اللبناني، ثم الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ومن بعدها إغلاق مضيق هرمز وتأثير ذلك على التجارة وعلى الاقتصاد العالمي ومواد الطاقة ثم دخول الحوثيين في اليمن على خط المواجهة الأمريكية الإيرانية ومحاولتهم السيطرة على باب المندب وعلى الملاحة الدولية في البحر الأحمر. فجميع ذلك يمكن اعتباره من أهم مظاهر فشل سياسة الاحتواء الأمريكية، والأهم من كل هذا وذاك فقد عجزت واشنطن عن منع التوسع الإقليمي السياسي والاقتصادي والتجاري لكل من الصين وروسيا في منطقة الشرق الأوسط، ومع ازدياد فشل سياسة الاحتواء استخدمت واشنطن سياسة الردع الأقصى والحاسم عبر الضربات العسكرية على الحوثيين وإيران وأرسلت كبرى بوارجها وأساطيلها البحرية لحماية حلفائها الإقليميين ومنع توّسع الحرب الإقليمية أو منع ايران والحوثيين من السيطرة على باب المندب وأيضاً لحماية التجارة العالمية والاقتصاد العالمي من الانكماش والتضخم. كما لجأت واشنطن إلى تشكيل تحالف دولي لتأمين الملاحة الدولية في ممر مائي بالغ الأهمية في البحر الأحمر وباب المندب لإيقاف ضربات الحوثيين، إلا أن النتيجة كانت استمرار الصراع والضربات العسكرية بينهما وعدم استسلام ايران واذرعها للشروط الأمريكية التي أعلنتها واشنطن لإنهاء الحرب على إيران، كما تبين من أن إيران من خلال اتباعها سياسة الصبر الاستراتيجي في الحرب عليها وأيضاً من خلال كسب الوقت والمراهنة عليه، قد أثقلت واشنطن في استنزاف تدريجي لقدراتها عبر تورطها في المزيد من العمليات العسكرية، وبالتالي فشلها في تحقيق أهدافها من هذه الحرب. ومن جهة أخرى، فإن فشل أمريكا في حربها على إيران ومن أجل الضغط عليها، أعطى الضوء الأخضر لإسرائيل للقيام بالمزيد من العمليات العسكرية والضربات الإضافية على حزب الله في لبنان، وسمح لها باحتلال مساحات واسعة في الجنوب اللبناني مما أدى إلى معاناة ومآسي كبيرة على الشعب اللبناني بسبب اتباع اسرائيل سياسة الارض المحروقة في الجنوب اللبناني.

حاولت واشنطن قبل غزوها للعراق في 20 آذار من عام 2003 ممارسة سياسة الاحتواء المزدوج على إيران وعلى العراق في نفس الوقت، في حين كان العداء مستحكم بين الطرفين، إلا أنه وبسبب الفشل الذي منيت به تجاوزت تلك السياسة إلى العمل العسكري وإزالة أحد طرفي النزاع والسيطرة على العراق واحتواء إيران عبر منحها امتيازات جيوسياسية في العراق، فكانت النتيجة كارثة على الشعب العراقي وأصبح العراق بلد يحتضن أغلب التنظيمات المسلحة المتطرفة ومنطلقاً منه نحو دول المنطقة ونحو المصالح الأمريكية التي أصبحت هدفاً لعملياتها.

أظهرت حرب الأربعين يوماً الأخيرة التي بدأتها أمريكا وإسرائيل على إيران أنها تجاوزت حدود إيران وحدود العمليات العسكرية والسياسية والاقتصادية والتجارية لتطال أغلب دول الشرق الأوسط وتلحق بها أضرار بالغة وتتحول أيضاً إلى حرب إرادات واستنزاف شاملة، بل نجد أيضاً أن إيران استطاعت بسببها أن تمسك بكثير من مفاصل النظام العالمي الاقتصادي والتجاري، وقد نجحت إلى هذه اللحظة في اللعب على تلك المفاصل من خلال إغلاقها لمضيق هرمز والتحكم بحركة الملاحة البحرية في البحر الأحمر في باب المندب عبر أذرعها في اليمن، هذا إضافة إلى أن الواقع أثبت قدرة إيران على توظيف الوقت وإطالة زمن الصراع لصالحها من خلال إحكام قبضتها الحديدية على الداخل الإيراني من جهة، رغم الأضرار التي لحقت بها من جراء الضربات العسكرية، ومن جهة أخرى تبين أن الشعب الإيراني كان ملتفاً حول النظام الإيراني ومتضامناً معه خلافاً لحسابات واشنطن قبل بدء الحرب التي كانت تراهن من أن الداخل الإيراني سوف ينفجر على هيمنة نظام الملالي على السلطة.

تبين مع استمرار الحرب الامريكية على إيران فشل سياسة الاحتواء السياسي أو العسكري الأمريكية التي تم ذكرها ، كما تبين هشاشة ومحدودية قدرة الولايات المتحدة على حماية حلفائها الإقليميين في منطقة الشرق الأوسط، وتبين أيضاً عقم الضغوط الاقتصادية والمالية والتجارية التي مارستها واشنطن على إيران للإطاحة بها وتغير النظام فيها مما أدى إلى تراجع الثقة بها وبسياساتها، الأمر الذي أدى بحلفائها في المنطقة إلى إعادة حساباتهم في الاعتماد على حماية الولايات المتحدة لهم والبحث عن بدائل حماية أنظمتهم من الاعتداء أو التغيير.