محاولة لتعريف السياسة


مازن كم الماز


يحتاج المرء أحيانًا إلى العودة إلى الأسس أو البديهيات، لأن هذه تغيب وسط الصخب والنقاشات ذات النبرة المرتفعة، الأقرب إلى جعجعة بلا طحين… ما هي السياسة؟ قد يبدو هذا السؤال صادمًا للوهلة الأولى أو عسير الجواب حتى،

فما يبدو بديهيًا في صخب الأحاديث والمناكفات اليومية يبدو فجأة معقدًا إذا حاول الإنسان تعريفه أو التعبير عنه بكلمات واضحة محددة.

ليست السياسة أن تقف إلى جانب هذا الزعيم أو ذاك،

ولا إلى جانب ذلك التيار السياسي أو الفكري،
أو
إلى جانب أحد خصومه،

ولو أن هذا هو أحد تجليات السياسة.

السياسة هي آلية اتخاذ القرارات فيما يتعلق بحياة جماعة من البشر، كيف تُدار الخلافات داخلها، وكيف يجري اختيار قادتها، وكيف تُدار مواردها. صحيح أن موضوعها الأشهر هو الحكومة، لكن السياسة تمارس في كل مكان،

في المعامل والجامعات والشوارع والسجون، طبعًا، وحتى المدارس.

هناك محاولة لتعريف مكثف للسياسة بأنها تحديد من سيحصل على ماذا ومتى وكيف.

للدول أو الحكومات أشكال مختلفة حسب اتساع دائرة من يتخذ القرار،
فإذا كان من يتخذ القرار فردا واحدًا، تُسمى بالأوتوقراطية وحتى بالديكتاتورية في حالة الحكم الفردي الأشد استبدادًا، أو مجموعة صغيرة من الأفراد أو ما يسمى بـ”أوليغاركية”، إلى الديمقراطية أو حكم الأكثرية، أو في تعريف آخر حكم الشعب نفسه بنفسه.

الوصول إلى السلطة يكون عبر أحد طريقين:
التغلب أو اختيار الناس للحاكم. في تاريخنا، وجد كل من إمامة المتغلب و”البيعة الشرعية” للإمام،

ولو أن الطريقة الأولى كانت القاعدة والثانية هي الاستثناء. بينما ذهب كثيرون إلى ضرورة اتباع أو الخضوع للإمام المتغلب حقنًا للدماء عند البعض، ولتفادي الفوضى عند آخرين،

قال آخرون، وبعضهم من كبار الأئمة ممن يقلدهم اليوم ملايين المسلمين، كأبي حنيفة النعمان، برفض شرعية إمامة المتغلب وأصروا على ضرورة البيعة العامة، حتى إنهم شرعوا الخروج على الحاكم الظالم،

بل وشاركوا أو دعموا ثورات ضد أخطر حكام زمانهم.

يمكن القول إن السياسة كانت تمارس في الدول العربية والإسلامية القروسطية عبر الثورات والانتفاضات، كان ذلك هو الطريق الوحيد عمليًا منذ استحال الحكم إلى ملك عضوض، أي وراثي، لتغيير السلطة أو سلوكها أو الاحتجاج على قراراتها وممارساتها.

أما بالعودة إلى زماننا اليوم وإلى سوريا تحديدًا، يمكننا القول إن فتح آفاق السياسة أمام المجتمع
يتطلب في الحقيقة شرطًا حاسمًا، هو وجود إمكانية حقيقية لتغيير السلطة سلميًا أو لتداول السلطة. هذا فقط سيمنح الأحزاب السياسية معنى ومغزى لوجودها،

بدونه ستتحول فقط إلى معارضة أبدية تقف أمام خيارين: إما النجاح في إسقاط النظام أو الاستمرار في معارضته “إلى الأبد”؛ وستبقى “السياسة” كما كانت طوال حكم النظام السابق، معارضة فقط محصورة بعدد محدود من المنشغلين بالشأن العام المستعدين لتقديم التضحيات أمام قمع النظام، والذين يقضون وقتهم في نقد الحكومة، بدون العمل على دراسة مجتمعهم ووضع مشاريع بديلة أو مناقشة المسائل الحيوية في حياة وتطور المجتمع، أي شكل سلبي ونخبوي لممارسة السياسة يكرس عجز السلطة نفسها عن مخاطبة المجتمع أو فهمه أو الاعتراف بوجوده وبحقه في إدارة شؤونه أو نقدها على الأقل.
ليس فقط الأحزاب والتي تشكل ضرورة لممارسة السياسة أو لوجودها، بل الناس المحكومون أيضًا سيكونون بلا خيارات عمليًا أكثر من الخضوع أو الثورة عندما تُسد في وجوههم كل السبل، ليس فقط للترقي الاجتماعي والاقتصادي والوظيفي، بل ربما للحصول على أساسيات الحياة نفسها.
هنا سنكون أمام سلطة تستمد “شرعيتها” وسلطتها من جهازين فقط: جهاز القمع المباشر، وجهاز القمع غير المباشر،
أو الجهاز المنتج للبروباغندا الخاصة بها. في مواجهتها، يقف مجتمع عارٍ من كل وسيلة للدفاع، سوى الهدم البطيء أو العنيف، ما دام البناء الذي يشكل السلطة يقام وينظم لقمعه ونهبه فقط.