كان يوم 13 تشرين الأول/ أكتوبر2025 يومًا أميركيًا بالشرق الأوسط، عندما قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب للصحفيين، في الطائرة، وقبيل ساعات من وصوله إلى إسرائيل، إن “حرب غزة قد انتهت”، بخلاف قول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام مجلس الوزراء الإسرائيلي، عندما طلب موافقته على خطة ترامب لإنهاء حرب غزة، إن “الأمر لا يتعدى توقفًا تكتيكيًا مشروطًا للحرب”. وفي الخطاب أمام الكنيست، ظهر ترامب بمظهر صاحب البيت، حتى وصل الأمر به للتدخل في شؤون إسرائيلية داخلية، مثل طلبه من رئيس دولة اسرائيل أن يمنح العفو عن نتنياهو في تهم الفساد التي تجري محاكمته من سنوات بسببها، أو طلبه تقارب نتنياهو وزعيم المعارضة يائير لابيد. ومن ثم بعد مغرب ذلك اليوم في شرم الشيخ، كان ترامب يستقبل الضيوف وليس الرئيس المصري، ثم يرأس جلسة المؤتمر الدولي-الإقليمي للتوقيع على خطة ترامب لإنهاء الحرب والتي بدأ هو بقلمه عملية التوقيع التي شملت أيضًا مصر وتركيا وقطر كدول ضامنة لتطبيق الخطة، مع غياب لافت لنتنياهو عن حضور المؤتمر بعد اعتراضات عديدة لم يقاومها ترامب، وكذلك غياب الروس والصينيين، وطبعًا إيران.
هذا المشهد كان تكرارًا لليوم الأخير من حرب الـ12 يومًا الإسرائيلية-الأميركية على إيران في حزيران الماضي، عندما حدد ترامب ساعة وقف اطلاق النار وهو ما اضطر نتنياهو لإرجاع طائرات إسرائيلية كانت متجهة لقصف إيران.
منذ خطابه في الأمم المتحدة في 27 أيلول 2024، يكرر نتنياهو أنه يقوم بصنع “شرق أوسط جديد” عبر ما كان يشنه آنذاك من حرب في لبنان قُتل من خلالها، بنفس يوم خطابه ذاك، أمين عام حزب الله حسن نصر الله ، وذلك بعد إحدى عشر شهرًا من بدء حربه على غزة إثر هجوم حركة حماس على منطقة غلاف غزة في يوم 7 أكتوبر 2023، ولكن مجرى سنتين من مرحلة 7 أكتوبر، التي أنتجت ثلاثة حروب، تشي بأن الذي أمسك أخيرًا بمقود عربة الشرق الأوسط كانت واشنطن التي أعلن ترامب بخطابه ذاك أمام الكنيست عن “فجر تاريخي للشرق الأوسط الجديد “، فيما رأينا إسرائيل في مرحلة ما بعد 7 أكتوبر كيف منعتها واشنطن من شن الحرب على إيران وحزب الله في نفس أسبوع ذلك اليوم لهجوم حركة حماس، ثم سمحت لها بالهجوم في خريف 2024 على لبنان، ومن الواضح أن ترامب الذي أوقف الحرب على إيران هو الذي أعطى الضوء الأخضر لنتنياهو في فجر يوم 13 حزيران 2025 لبدئها، فكل المؤشرات تدل على أن إسرائيل لا تستطيع ترجمة قوتها العسكرية إلى السياسة ليس فقط ما بين البحر والنهر، بل وأيضًا في عموم المنطقة وأنها لا تستطيع منفردة أو أن تقوم تحت قيادتها بإنشاء “الشرق الأوسط الجديد” بالاعتماد على ما يطرحه إسرائيليون عن “تحالف أقليات” تقوده تل أبيب.
ولكن يبدو أن ترامب يريد “شرق أوسط جديد”، والأرجح أن مرحلة 7 أكتوبر قد أعطت سياسة أميركية جديدة فيها انقلاب على سياسة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما الانسحابية من الشرق الأوسط إلى الشرق الأقصى للتركيز على مجابهة صعود القوة الصينية، بكل ماتضمنته هذه النظرة الانسحابية من غض النظر أو إغماض العين الأميركية عن التمدد الإيراني في عموم إقليم الشرق الأوسط مقابل وضع سقوف لبرنامج طهران النووي وفق اتفاق 2015 أو السماح الأميركي للروس بالتدخل العسكري في سوريا وإقامة وجود جيو-سياسي لهم خارج محيطهم الإقليمي، وكانت وجهة أوباما بأن ذلك التوجه تجاه طهران وموسكو سيبعدهما عن الصين، وهي نفس النظرة عنده التي جعلته لا يتشدد تجاه روسيا بعد احتلالها لشبه جزيرة القرم في عام 2014.
هذا “الشرق الأوسط الجديد” تريده واشنطن، أولًا كبديل عن الطاقة الروسية الغازية والنفطية الروسية للقارة الأوروبية التي تريد واشنطن فطم الأوروبيين عنها، وثانيًا كامتداد إقليمي لحلف الأطلسي- الناتو، كما كانت مشاريعها المرسومة بشكل مشترك بينها ولندن من إنشاء حلف بغداد بالخمسينيات ضد السوفيات في فترة الحرب الباردة، والآن تريد “الناتو الشرق أوسطي” ضد التحالف الصيني-الروسي-الإيراني الذي ظهر بوضوح ليس فقط سياسيًا، بل وحتى في التعاون العسكري والاقتصادي بفترة الحرب الأوكرانية منذ بدئها عام 2022، وعلى الأغلب أن ظهور ذلك التحالف الثلاثي هو الذي أنتج شعورًا أميركيًا بأن هناك حرب باردة جديدة على مستوى العالم كما كانت الحرب الباردة بين واشنطن وموسكو بين عامي 1947و 1989، وأنه إذا كانت الحرب الأوكرانية منذ يوم 24 شباط 2022 إحدى ميادينها أو ميدانها الأول، فإن هجوم حركة حماس في يوم 7 أكتوبر 2023، الذي أيدته إيران وصمتت عنه موسكو وبكين، قد قرأته واشنطن بوصفه أحد تجليات تلك الحرب الباردة ضدها من ذلك التحالف الثلاثي أولًا ضد مشروع الكوريدور الهندي، وأيضًا لتقويض خطة التطبيع السعودي-الاسرائيلي، وعمليًا فإن الحروب الثلاثة التي أنتجتها مرحلة 7 أكتوبر 2023 (بما فيها سقوط النظام السوري في يوم 8 كانون الأول 2024 الذي ما كان ليتم لولا ضعف رعاته الروس والايرانيين بفعل ما بعد يومي 24 شباط 2022و7 أكتوبر 2023) قد أنتجت مشهدًا شرق أوسطيًا من الواضح أن الولايات المتحدة هي صاحبة اليد العليا فيه، وليست اسرائيل.
كل ما سبق سيرسم ملامح ومضامين (اليوم التالي) لمرحلة 7 أكتوبر،على صعيد عموم منطقة الشرق الأوسط، وعلى صعيد دواخل دول المنطقة، بما فيها سوريا ما بعد 8 كانون الأول 2024 التي تظهر الأشهر العشرة الماضية توافقات أميركية-تركية حول ما جرى بعد بشار الأسد هي أكبر من التوافقات الأميركية-الإسرائيلية، ويبدو أن الموضوع الفلسطيني يحوي كوامن لتباينات أميركية- إسرائيلية حوله هي أعلى من التوافقات، كما أن إسرائيل من خلال حركاتها الخاصة تشكل في بعض الأحيان عبئًا على واشنطن تدفع حلفاء الولايات المتحدة إلى نسج تحالفات جديدة لا يريدها البيت الأبيض مثلما حصل مؤخرًا عبر الاتفاقية الدفاعية الباكستانية-السعودية التي أتت من مفاعيل الغارة الإسرائيلية على قطر والتي أظهرت لدول الخليج بأن المظلة الأميركية ليست واقية من إسرائيل، كما يبدو أن تركيا لها دور رئيسي في هذا “الشرق الأوسط الجديد” عند الأمريكان وهو أمر يتعلق بالموضوع الأوراسي حيث “العالم التركي” الذي هو فاصل جغرافي بين الصين وروسيا ويحوي مكونات إثنية في داخلي الصين وروسيا يمكن أن تكون كوامن محتملة لتفجير البنى الداخلية بالبلدين مثل الإيغور والداغستانيين، إضافة لكون منطقتي بحر قزوين والقفقاس تحويان غاز تركمانستان ونفط وغاز أذربيجان كبديل مع الشرق الأوسط عن الطاقة الروسية عبر المعبر التركي إلى القارة الأوروبية.
السؤال الآن في مرحلة ما بعد 7 أكتوبر: هل تنجح الولايات المتحدة في إقامة “الشرق الأوسط الجديد”، وهو نفس المشروع الذي طرحته بعد احتلال العراق عام 2003، ثم أصبحت إيران من خلال سيطرتها على بلاد الرافدين، ومن ثم غزة ولبنان وسوريا واليمن، هي “القوة الإقليمية العظمى” حسب تعبير الجنرال رحيم صفوي في عام 2013 وهو القائد السابق للحرس الثوري الايراني ثم مستشار علي خامنئي؟
