ما تزال السلطة السوريّة المستجدة على مدى أكثر من 4 أشهر لحكمها للبلاد بلا ملامح واضحة وثابتة. وفي حين أنَّ هذا ربما يرجع في جانب منه إلى تهرّب السلطة من أن تعبّر عمّا تحمله من تصوّرات ورؤى لشكل البلاد مستقبلًا، غير أنَّنا لا نستطيع أن نغفل أنَّ هذه السلطة ليس في وسعها أن تتبلور، أيضًا، لطبيعة السياسة بوصفها “مملكةً للأفعال الموضوعيّة”، حيث لا تستطيع الذات السياسيّة أن تؤثر في الموضوع إلّا وفقًا لتوازنات القوى القائمة والفاعلة الأخرى. وأيًا كانت الأهداف الكامنة في رؤية سلطة الأمر الواقع للبلاد، فإنَّ هذه الأهداف لا يُمكن أن تتحقق سوى عبر “إدارة للممكنات” وعلى مراحل عدّة متلاحقة ومتداخلة.
تُبنى هذه المقاربة الأوليّة للسلطة الحاليّة في ظلّ محاولتها المستمرة أن تنجو من عوائق عديدة تظهر أمامها وأخرى باقية من زمن النظام السابق، ويتملّك شريحة كبيرة من السوريين الأمل في أن تكون هذه السلطة قادرة على أن تتخطى هذه العوائق وتطلق سيرورة انتقال آمن وديمقراطيّ للبلاد. على المستوى الداخليّ، ترتبط هذه العوائق بقدرة السلطة، حتى بصفتها الانتقاليّة، على أن تحوز قبول قطاعات واسعة من السوريين، لا سيّما بعد الأحداث التي شهدها الساحل السوريّ خلال الأيام اللاحقة للتمرد المسلّح في 6 آذار، وأنَّ السلطة لم تسلك طريق الانتقال الأكثر أمانًا المتمثل في تطبيق مبادئ القرار الأمميّ رقم 2254، وأثارت مخاوف السوريين من احتماليّة أنَّ ما يتشكّل الآن قد يكون البداية لعودة الديكتاتوريّة أو حكم الفرد بزيّ جديد بعد سقوط الأسد، عقب إقامتها مؤتمر للحوار بدا شكليًا وعلى عجل، وما تضمنه الإعلان الدستوريّ من مركزة للسلطة وغياب للآليات الرقابيّة؛ بالإضافة إلى الوضع الاقتصادي الذي يزداد تراجعًا بالنسبة إلى شرائح واسعة من السوريين، وعدم قدرة السلطة إلى الآن على أن تفرض الأمن والانضباط على امتداد الأراضي السوريّة.
على المستوى الدوليّ، وفي حين تبذل السلطات أقصى جهودها لإعادة علاقات سوريا بالدول العربيّة والغربيّة الفاعلة، تظلّ العقوبات الأميركية هي العائق الأساس، لأنَّها لا تقتصر على منع تعامل الجهة المستهدفة مع الولايات المتّحدة فحسب، بل تمتد إلى معاقبة أيّ طرف ثالث يتعامل معها. لذلك، تُدرك السلطة أهمية رفع العقوبات الأميركيّة عن سوريا بالنسبة إلى إتاحة الفرصة للتعافي ورفع القيود عن إعادة الإعمار، من الناحية الاقتصاديّة، ولرمزيتها السياسيّة، كموافقة دوليّة فعليّة، ولو كانت مؤقتة ومشروطة، على السلطة الحالية.
وعلى الرغم من أنَّ سلطة الأمر الواقع تتحمّل مسؤولية كبيرة في الحالة السوريّة الراهنة، لعدم مضيها في المسار الأكثر أمانًا بالنسبة إلى السوريين، أي في انتقال سياسيّ ديمقراطيّ جامع وشامل، فإنَّ مقاربة أيّ سلطة لا يُمكن أن تنطلق من بنيتها الداخليّة، وإلّا فإنَّها ستكون مقاربة اختزاليّة أو ثقافويّة، تنحو إلى أن ترى إلى السياسة بوصفها تطبيقًا مباشرًا لحمولة أيديولوجيّة أو نصوص فكريّة. وربما تكون النظرة الأدق إلى السلطة هي رؤية وظيفيّة، فهي التي أنجزت
الخطوة الأخيرة من إسقاط نظام الأسد، الذي كان بالأساس ناتجاً عن توافق دوليّ وإقليميّ، وليس عن فعل داخليّ. غير أنَّ إنجاز هذه المهمة وحدها لن يطلق يد السلطة الحاليّة في البلاد، أو يحررها من الضغوط. فإذا ما كانت قد أظهرت كفاءةً في أن تُسقط النظام بأقل الخسائر، فإنَّ العوائق الداخليّة والدوليّة ما تزال قائمة، وينتظر المجتمع الدوليّ منها أمورًا عدة، وعليها أن تثبت كفاءةً سياسيّة وقدرة أمنيّة على إنجاز انتقال سياسيّ آمن.
لذلك، فإنَّ مقاربة سلطة الأمر الواقع الحاكمة لسوريا الآن، تبدأ من إدراك الظروف الدوليّة المحيطة بالسلطة، والواقع الذي تعمل فيه، والضغوطات الواقعة عليها. والأهم من ذلك أنَّها سلطة لم تتشكّل بعد، بل تقود مرحلة تُسطّر فيها الكلمات الأولى في فصل جديد من تاريخ البلاد، وهي مرحلة يخشى سوريون أن تكون الفرصة الأخيرة للنجاة بالبلاد من دوامة القمع والألم التي ابتلعتهم لعقود من الزمن، ويرجون أن الوقت الراهن هو المرحلة الأخيرة من مخاض عسير لولادة سوريا الجديدة.
