هذه هي المادية التاريخية

المادية التاريخية matérialisme historique مذهب فلسفي يعنى بدراسة الظواهر الاجتماعية والإنسانية في ضوء مبادئ التحليل الماركسي marxisme بصورة عامة، ومبادئ المادية الجدلية matérialisme dialectique المعنية بظواهر الكون والطبيعة بصورة خاصة، فهي تستمد من المادية الجدلية مبادئها في تحليل الظواهر والوقائع الاجتماعية. 

إن التشكيلة الاجتماعية-الاقتصادية التي تعدّ الأساس الذي تبني عليه المادية التاريخية تحليلاتها للمجتمع تتكون على الدوام من بنائين أساسيين هما البناء التحتي، ويتكون من قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج (مجموع علاقات المجتمع الاقتصادية)، وفيه يكمن سر التطور الإنساني للمجتمعات كافة، حيث توصف قوى الإنتاج بقابليتها للتطور المستمر، في حين تقع علاقات الإنتاج في تناقض مستمر مع قوى الإنتاج إلى أن تأخذ علاقات الإنتاج أنماطاً جديدة تتوافق فيها مع قوى الإنتاج، فتدخل التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية في مرحلة جديدة من مراحل التطور، لكن مجمل البناء التحتي يدخل أيضاً في تناقض مع البناء الفوقي الذي يتكون من المؤسسات والنظم والمعايير والأخلاق والقيم والثقافة وغيرها من مكونات البناء الفوقي، وسرعان ما تجد مكونات البناء الفوقي نفسها مرة أخرى أسيرة للتغيرات في البناء التحتي ومدعوة لأن تأخذ أنماطاً جديدة تتوافق مع مرحلة التطور الجديدة. أي أن كل مرحلة من مراحل التطور تنفي المراحل السابقة. 

يعتبر الماركسيون أن التشكيلة الاجتماعية-الاقتصادية هي الأساس في تحليل المجتمع، ويظهر مفهوم التأثير المتبادل أو الجدلية في العلاقة بين العناصر المكونة للوحدة في تحليل العلاقة بين عناصر البناء الاجتماعي بمختلف مستوياته، منها العلاقة القائمة بين عناصر البناء الفوقي والقاعدة المادية الاقتصادية في المجتمع؛ إذ تؤدي التحولات المستمرة في القاعدة المادية إلى تغيرات مماثلة في البناء الفوقي، كما تسهم التغيرات الأخيرة أيضاً في تعزيز مسار التطور في عناصر القاعدة المادية، وتساعد على إحداث تطورات كيفية وكمية متعددة، مما يجعل العلاقة بين العنصرين قائمة على مبدأ التأثير المتبادل. ولا يمكن فهم تطور أحد العنصرين بمعزل عن العنصر الآخر، أو بمعزل عن التأثير الذي يمارسه هذا العنصر. 

ودرست المادية التاريخية مراحل التطور الاقتصادي-الاجتماعي ابتداءً بمرحلة المشاعية التي لم تعرف فيها البشرية أي شكل من أشكال الملكية، انتقالاً إلى مرحلة العبودية التي تملك فيها البشر بعضهم بعضاً، مروراً بمرحلة الإقطاعية التي سادت فيها ملكية الأرض، وحدث فيها تقدم نسبي لحرية الإنسان، نتيجة تطور قوى الإنتاج، مما أدى لوجود علاقات إنتاجية جديدة، وانتهاءً بمرحلة التطور الرأسمالي التي انتشرت فيها أشكال جديدة من الملكية، رافقها تطور في المجالين العلمي والتقني. وتبشّر المادية التاريخية بالمرحلة الشيوعية التي تعد المرحلة الأخيرة من التطور البشري، والتي تحمل في ثناياها مظاهر الصراع والتناقض، لتصبح بعدها خالية من أي تناقض داخلي.