الحرب في الخليج

  • مازن كم الماز –

لا تبدو الحرب قريبة من نهايتها، هذا إذا أخذنا بالحسبان أهداف المتحاربين، فالنظام الايراني تعرض لهزة خطيرة لكنه ما يزال متماسكًا و قادرًا على إلحاق الضرر بخصومه، بل وعلى جر العالم إلى أزمة اقتصادية وأزمة طاقة جدية خلال بضعة أيام فقط إذا استمر بإغلاق مضيق هرمز واستهداف حقول النفط والغاز ومرافئ تصديرها.

من الواضح أن نتنياهو مصمم على مواصلة الحرب حتى إسقاط النظام الايراني أو حتى تفكيك إيران كدولة موحدة حتى من دون امتلاكه وصفة لفعل ذلك. استمرت حربه على غزة لأكثر من سنتين في ظروف مشابهة دون أهداف أو خطة واضحة المعالم، صحيح أن ايران ليست غزة لكن نتنياهو نفسه لا يشعر بنفس الضغوط التي يتعرض لها المتحاربون الآخرون، فهو لن يدفع ثمن هذه الحرب الباهظة لا ماديًا ولا اقتصاديًا، ومن منظوره لا يهتم كثيرًا لبوادر أزمة طاقة عالمية، قد تزيد متاعب الاقتصاديات العالمية المرهقة أصلًا، بقدر اهتمامه باقتناص هذه الفرصة لإعادة رسم المنطقة.

في الحرب الماضية التي استمرت ١٢ يومًا كان تدخل ترامب هو الذي أنهاها عبر مسرحية أخرجها الأخير بعد ضرب طائراته لمركز البرنامج النووي الايراني ثم الرد الايراني المنضبط. هذه المرة ترامب تورط بالحرب مباشرةً ولا يمكنه أن يلعب ذات الدور، إذ بات عليه هو أيضًا أن يبحث عن مخرج لائق. كانت تلك بلا شك حركة نتنياهو الذكية لتأمين نتيجة مختلفة عن الحرب السابقة.

يمكن فهم صدمة ترامب من تماسك النظام الايراني بعد الضربة القاسية التي تعرض لها في أول دقائق الحرب التي استأصلت رأسه بضربة واحدة. هذا شاهدناه أيضًا في حالة حزب الله الذي بقي يقاتل لشهرين رغم استئصال قيادته العليا وحتى الكثير من كوادره، لكن هذا لا يعني أن النظام الايراني أو ما تسمى أذرعه ستنتصر فيما إذا تمكنت من البقاء أو النجاة من حرب ترامب-نتنياهو الاستئصالية، فالوضع في إيران مأزوم قبل الحرب وستدخل أزمته مرحلة أعمق بعد كل الخراب الذي جلبته الحرب على الشعب والبنية التحتية والاقتصاد، خاصةً إذا استمرت العقوبات وأضيف إليها انهيار كامل في العلاقات بين النظام وجيرانه الخليجيين. وتذكر هذه الحالة بحالة نظام صدام بعد حرب الخليج الأولى عام 1991 ونظام الأسد بعد 2011 عندما دخل النظامان في مرحلة تعفن مزمنة انتهت بتحولهما إلى نمور من ورق سينهاران عند أول تحدي جدي.

الشيء الآخر الذي تثبته الحرب اليوم هو تراجع دور الأيديولوجيا كعامل تحشيد واستنفار سياسي، فالتحالفات والعداوات اليوم هي بنت المصلحة. لكن مهما تحدثنا عن أزمة النظام الإيراني وعدويه في واشنطن وتل أبيب تبقى أزمة أنظمة الخليج هي الأعقد هنا، فهذه الأنظمة التي تتعرض لأقسى هجوم في تاريخها منذ غزو صدام للكويت، وخلافًا لما حدث عندها عندما هبت الولايات المتحدة لنجدتها و الدفاع عنها، تقف اليوم مكشوفة أمام هجمات الدرونات والصواريخ الإيرانية، وفوق ذلك ستجد نفسها مضطرة لدفع فاتورة الحرب الباهظة ثم لمحاولة التعامل مع واقع اقليمي عالمي جديد جسده تصريح السفير الامريكي في تل أبيب هاكابي عن حق إسرائيل في السيطرة على كامل الشرق الأوسط “من النيل إلى الفراتً” كما قال الرجل; طالما كانت علاقة هذه الدول معقدة ومضطربة مع أية قوة إقليمية صاعدة من شاه إيران السابق إلى عبد الناصر وقاسم وصدام والأسد، وصولًا إلى أردوغان. ورغم استثمار هذه الدول في إضعاف والقضاء على هذه القوى، لم تتمكن حتى اليوم من خلق شبكة علاقات إقليمية تثبت أمن هذه الدول واستقرارها وبقائها وسيبقى الجميع ينظر إليها على أنها الإوزة التي تبيض ذهبًا، وأخيرًا ذهبت سدى هنا محاولاتها رشوة ترامب بمليارات الدولارات لكسبه إلى جانبها، وغالبًا ستضطر لدفع المزيد كيفما انتهت هذه الحرب، وقد تكون هذه الدول هي الوحيدة، إلى جانب نتنياهو، المهتمة بتفكيك إيران كدولة، فابن الشاه قد لا يكون أفضل بالنسبة لها من ابن المرشد ولو أن تفكيك الدول هو أيضًا لعبة خطيرة غير مضمونة النتائج.

أما إذا تحدثنا عن المكاسب هنا، فيبدو أن بوتين وربما الصين يحصدون مكاسب من أخطاء غيرهم، ليس فقط بالمراهنة على تزايد مصاعب أميركا في الخليج، بل ربما على رفع جزئي للعقوبات عن النفط الروسي ومحاولة لعب دور أكبر بين إيران وجيرانها العرب وخلق متنفس اقتصادي سياسي للنظامين الروسي والصيني مع محاولة مضاعفة خسائر الأمريكيين في الخليج، خاصةً أن هذه كلها مكاسب مجانية دون أية تكلفة عمليًا.

الحديث عن الأنظمة هنا لا يجب أن ينسينا الشعوب أو الناس العاديين الذين يدفعون هم في النهاية ثمن كل حماقات سياسييهم و جرائمهم.