الافتتاحية : الروافع الأربعة لليسار الماركسي السوري

تعيش سوريا ، في فترة ما بعد يوم 8 كانون الأول 2024، وضعاً عاماً يتميز بالخصائص التالية:

  1. فقدان الاستقلال الوطني، أو في عبارة مخففة، هيمنة وتحكم الخارج الأميركي بالداخل السوري، مع تأثيرات تركية واسرائيلية، ويمكن القول بأن المسار السوري في الخمسة عشر شهراً الماضية قد رسمت خطوطه الرئيسية واشنطن ثم أنقرة ثم تل أبيب، بترتيب القوة والتأثير، وهذا أمر كانت ملامحه شبه متبلورة في فترة 2011-2024 عندما تحكم الخارج الدولي ومن ثم الاقليمي بالحريق السوري في تلك الفترة ، حيث كان النظام السوري رهينة لروسيا وإيران، وتحكمت واشنطن وأنقرة بالمعارضة السورية المسلحة وبـ”الائتلاف”، ولم يخفِ وزير الخارجية التركي هاقان فيدان مؤخراً أن “إسقاط نظام بشار الأسد كان نتيجة توافق دولي- إقليمي، ولذلك لم تحصل إراقة دماء”، وفق تعبيره، وبدوره فإن الرئيس الأميركي دونالد ترامب كان أكثر صراحة في الحديث عما جرى في يوم 8 كانون الأول 2024 السوري.
  2. اتجاهات عند السلطة السورية الجديدة نحو تكرار تجربة حزب البعث بعد يوم 8 آذار 1963 في إقامة حكم استبدادي، عبر احتكار السلطة من خلال “مرحلة التمكين” وتوزيع المناصب وفق مبدأ “الولاءات لا الكفاءات”، وقد استغلت السلطة الجديدة لممارسة “التمكين” الشعبية التي أخذتها في الأشهر الأولى لسقوط النظام السابق والتي لم تكن ناتجة عن برنامج السلطة الجديدة للحكم بل فرحاً بسقوط نظام كان صفحة سوداء في التاريخ السوري، وهي شعبية بدأت بالتبخر في مجرى عام 2026.
  3. اتجاهات عند السلطة الجديدة نحو ممارسة سياسة رأسمالية متطرفة في القضايا الاقتصادية-الاجتماعية وفق الوصفات الليبرالية لصندوق النقد الدولي، عبر رفع الدعم الحكومي في كافة المجالات، وتعويم العملة، وترك الاقتصاد السوري مفتوحاً على غاربه أمام الشركات الأجنبية، وكل من يراقب الخمسة عشر شهراً الماضية يستطيع أن يلاحظ شراهة للمال والاستغلال، أو استعداداً لهما، عند أفراد في السلطة الجديدة ومن يرتبط بهم من “رجال أعمال” و”تجار” و”صناعيين”.
  4. اتجاهات عند السلطة الجديدة تعطي إشاراتها عن كوامن لسياسات يمكن وصفها بالرجعية، من دون أقواس تحيط بهذه الكلمة، في القضايا الدستورية والتشريعية والقانونية والثقافية وفي قضايا اجتماعية تتعلق بالزي والمشرب والمأكل، في سياسات معاكسة لاتجاهات أساسية عند المجتمع السوري، وخاصة عند أبناء المدن الكبرى الذين كانوا آباء التيارات السورية الحديثة الليبرالية والقومية، ظهرت منذ تأسيس الدولة السورية في عام1920، وتوحي هذه السياسات، في هذا المجال الرابع مع مجال الحريات الديمقراطية، بأن السلطة الجديدة السورية تريد وترغب في تكرار تجربة الخميني، الذي وصل للحكم عام 1979 في ايران من خلال ثورة لعب فيها الشيوعيون والليبراليون والقوميون العرب والكرد دوراً رئيسياً كان موازياً لدور الاسلاميين، إلا أن الخميني وبعد “التمكين” أسفر عن وجهة وتوجهاته وأزاح الجميع في فترة 1979-1983 وفرض حكم الإسلاميين، وهو ما أدخل إيران في مأزق كبير ما زالت حتى عام 2026 تدفع أثمانه وضرائبه الفادحة.

هذه الخصائص الأربعة للوضع السوري، في مرحلة ما بعد سقوط نظام حافظ الأسد وابنه، تتطلب سياسات معارضة في المجالات الأربعة المذكورة. ولكن من يراقب خريطة الاتجاهات السياسية السورية ، من عروبية وليبرالية واسلامية وليبرالية وقومية كردية واتجاه أوجلاني ينادي بـ(الأمة الديمقراطية)، يلاحظ أن هذه الاتجاهات السياسية لا تجتمع على خط معارض للسلطة الجديدة في هذه الحقول الأربعة، مجتمعةً، بل تجتمع على واحدة منها هو الخط الديمقراطي، فيما في موضوع الهيمنة الخارجية أو الموضوع الاقتصادي –الاجتماعي أو الموضوع الدستوري- التشريعي- القانوني- الثقافي ، هناك رؤى متباينة ومختلفة عند هذه الاتجاهات السياسية السورية المذكورة.

الماركسيون السوريون، وهذا مصطلح يشمل التنظيمات الشيوعية الآتية من رحم حزب 1924 والتنظيمات الشيوعية المبنية على مفهوم (اليسار الجديد) مثل حزب العمل الشيوعي وكذلك الحزب اليساري الكردي في سوريا الذي يمزج بين الماركسية والرؤية القومية الكردية منذ تأسيسه في عام1965، يجتمعون الآن على موقف موحد تجاه هذه القضايا الأربعة، أو هكذا توحي رؤاهم وممارساتهم في الخمسة عشر شهراً الماضية، نحو النضال من أجل امتلاك سوريا لقرارها الوطني المستقل بعيداً عن إملاءات وهيمنات الخوارج الأميركية-التركية-الإسرائيلية، ومن أجل الظفر بالحريات الديمقراطية لجميع السوريين نحو مؤتمر وطني عام تنبثق عنه سلطة انتقالية سورية في المجالين التنفيذي والتشريعي مع هيئة لصياغة دستور جديد وفق منطوق القرار 2254 لعام 2015 الذي يرسم طريقاً انتقالياً بثمانية عشر شهراً وهو القرار الذي يؤكد القرار 2799 الصادر في 6 تشرين الثاني 2225 على “المبادئ والأهداف الرئيسية” الواردة فيه، مع العلم بأن القرار 2799 قد قام مجلس الأمن الدولي بالتصرف فيه “بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة”، كما يجتمع الماركسيون على مقاومة السياسات الليبرالية المتطرفة في بلد يعيش تسعون بالمئة من سكانه في الفقر أو تحت خط الفقر، ويجتمعون على رؤى حديثة ومتقدمة لسوريا الجديدة في المجالات الدستورية-التشريعية-القانونية-الثقافية وفي القضايا الاجتماعية.

خلال ثلث قرن ونيِف بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، حصلت أقوال وتخرصات من معادين للشيوعية وللماركسية، كانوا وما زالوا يعانون من الرهاب تجاههما، عن “موت الماركسية والشيوعية”، وشاركهم في تلك التخرصات التاركون للشيوعية في فترة ما بعد موت التجربة الماركسية السوفياتية من أجل تبرير هذا الخلع للقميص عندهم، ولكن في بلدان ، مثل تشيلي التي تعاني هي وبلدان أميركا اللاتينية من الهيمنة الإمبريالية الأميركية والتي هي بلد خرج من تجربة قاسية من الحكم الديكتاتوري مع معاناة من فوارق طبقية هي الأكبر في أميركا اللاتينية ومع وجود اتجاهات يمينية ثقافياً وتشريعياً يحملها اليمين الشعبوي الجديد والذي يشبه الترامبية والذي هو متحالف مع الكنيسة الكاثوليكية، نجد تنامياً متزايداً لقوة الشيوعيين في تشيلي تظهرها صناديق الاقتراع، وآخرها الانتخابات الرئاسية في الخريف الماضي.

ليست سوريا بمختلفة عن تشيلي…