نظرة أخرى إلى الشرعية والانفصالية

سمير سالم

سعت السلطة المؤقتة منذ إمساكها بزمام البلاد إلى القفز فوق مسألة الشرعيّة، فألبست نفسها شرعية أعدتها بمفردها على عجلٍ من خلال مؤتمرين، عسكري ومدني، غابت عنهما أطراف عسكرية وازنة محليًا وسياسيًا، والغالبية العظمى من الشخصيات والقوى السياسية المدنية، لتخرج بمواثيق تمنحها شرعية أقرب ما تكون إلى النظم الملكيّة، ولم تتوانى عن خرق هذه المواثيق مرة تلو الأخرى، كان آخرها تجاوز الرئيس المؤقت، أحمد الشرع، للإعلان الدستوري بإصداره العفو العام في اليوم الأول من رمضان، في تجاوز للقضاء والإعلان الدستوري الذي يضمن له صلاحيات غير مسبوقة سوريًا في الأساس!

تعتبر الشخصيات المقرّبة من السلطة، ومن في فلكها، توصيف السلطة بسلطة الأمر الواقع اتهام لها، أمّا توصيفها بالسلطة المؤقتة فينطوي عندهم على شيء من التشكيك، وهو بالمناسبة توصيف بيانين لمجلس الأمن الدولي لها في14آذار2025 و 10آب 2025، مع تجاهل عندهم أنّ لهذه المصطلحات معنى محددًا في القانون الدوليّ بعيدًا عن النوايا والنزعات. فيدّعون لهذه السلطة شرعية “شعبية”، على غرار الأنظمة الديكتاتورية والأوتوقراطية كلّها، على الرغم من أنّ هذه الشعبية حتى لم يجر قياسها إلى الآن.

أُرجأ طرح أسئلة كثيرة، من أبرزها سؤال الشرعية، على مدار فترة حُكم السلطة الجديدة بفعل اندلاع، وإشعال، معارك مستمرة، بدايةً من الساحل السوريّ في آذار 2025، وصولًا إلى معارك شمال شرق الفرات في مطلع العام الجاري، مرورًا بما شهدته جرمانا وأشرفية صحنايا والسويداء. سمحت هذه المعارك للسلطة بأنْ تستدعي عصبيات ما قبل دولاتيّة، بل وتشكرها وتثني عليها، لتدمر أحلام جزء مما كانوا يرون أنْ في الإمكان لسلطة جاءت بين ليلة وضحايا، وبمفردها، أنْ ترسم درب الانتقال السياسي، وتمضي فيه، لتقدم لهم في نهاية الدرب الديمقراطية والحريات السياسية والفردية على طبق من ذهب. لكن إن نظرنا خلفًا، من اللحظة الحالية، نرى أنّ المسار السياسي للسلطة لم ينطو سوى على تغييرات شكلية في الحكم، وإن كانت مصحوبة بأجواء كرنفالية، كإطلاق الهوية البصرية وحملات التبرع التي لم تأتِ أُكلها -والمآسي التي شهدتها المخيمات في مطلع العام الجاري، خير دليل- دون أي تغيير بنيوي في النظام، أو حتى تحسّن ملموس في حياة شرائح واسعة من السوريين.

مع “هزيمة” “أعداء” السلطة واحدًا تلو الآخر، تنقشع العصبية التي حمت نفسها بها في محطات عديدة، لتظهر بجلاء أكبر أمام السوريين الذين تستمر معاناتهم كلّ يوم، بداية من استمرار فصل الموظفين من أعمالهم في بلاد يرزح أكثر من 80% من مواطنيها تحت خط الفقر دون أنْ تتدفق الاستثمارات الأجنبية، التي داعبت بها رموز السلطة أحلام السوريين المنهكين، من كلّ حدب وصوب، مرورًا باعتماد الولاء معيارًا وحيدًا وجوهريًا في التعيينات، كان آخرها تعيين وزارة الخارجية لممثلين عنها من الأقرباء والموالين وعلى مبدأ “الولاءات لا الكفاءات”، دون أي التفات حتى إلى الدبلوماسيين المنشقين عن النظام البائد من أصحاب الكفاءات، وصولاً إلى منح الإدارات المحلية نوعًا من الصلاحيات الفيدرالية لتقيّد حريات المواطنين الفردية، لنكتشف أنّ في السلطة انفصاليين أيضًا!

يبدو المشهد الآن وكأن المشاريع اللامركزية أو الانفصالية وصلت إلى نهايتها، غير أنّ استمرار التفلّت الأمني والتدهور المعيشي المتفاقم ومظاهر البذخ التي لا يتوانى ممثلون للسلطة ومن يدور في فلكهم عن إظهارها، والأهم من ذلك، المضي في الاستفراد بالسلطة ومفاصلها، مع تنويعات شكليّة لا تؤثر في شيء، كلّها عوامل قد تفضي إلى لجوء فئات واسعة من الشعب السوري إلى أي مشروع يرون فيه منقذًا، حتى لو كان سرابًا. فشد العصب الطائفي وتحفيز العصبيات وغيرها من أدوات التعبئة البدائية التي جعلت شرائح واسعة من السوريين لا تلتفت إلى واقعها اليوم قد استنفدت إلى حد بعيد، لا سيما عقب التوصل إلى اتفاق مع الإدارة الذاتية في شمال شرق الفرات تحت رعاية دولية، تبدو حريصة أشد الحرص على إنجاحه، وعدم توّفّر المقومات المادية التي تتيح قيام كيان منعزل عن محيطه في السويداء، غير أنّ عدم قدرة السلطة على إيجاد حلول لمشاكل الناس ومعاناتهم اليومية، وإصرارها على ما تعتبره مسارًا انتقاليًا لصوغ مستقبل البلاد، قد يدفعها إلى بذل الغالي والنفيس لحثّ العصبيات الطائفية بغية أنْ تصرف الطبقات المتضررة من سياساتها، وهي غالبية الشعب السوري، عن القضايا السياسية والاجتماعية-الاقتصادية، بتحميل مسؤولية إخفاقها إلى الإرث الذي استلمته وجماعة أو فئة معيّنة باعتبارها أس البلاء، لتمضي بالبلاد إلى نموذج ينخرط فيه المواطنون في الحياة العامة بصفتهم الطائفية، لا على أساس مواطنة كاملة ومتساوية، فنصل إلى نموذج انفصاليّ وتمييزي، أو في أحسن الأحوال، نموذج محاصصة طائفية غير معلنة.

ربما يجلس وزير خارجية للبلاد بعد 54 عامًا من الآن في محفل دولي ليصرّح: “قد أدت 54 عامًا من حكم الأقلية إلى تهجير أكثر من 15 مليون سوري وسقوط مليون شهيد وقمع الأغلبية”، غير أنّه سيكون عندئذ يتحدث عن أقلية بالمعنى الأوليغارشي، أقلية يبدو أنّها تحاول اليوم صوغ العقد الاجتماعي والنظام الاقتصادي والحريات العامة والفردية على قياسها، منفتحة على الحوار مع أي طرف لـ”ضرورات المرحلة”، وعلى تسوية الأمور مع رموز من النظام البائد في غياب أي شفافية، بيد أنّها تقيم مؤتمرًا للحوار الوطني، دون تمثيل سياسي حقيقي، وعلى عجالة كأنها تخشى أنْ يُعتقل المشاركون فيها. فكلّ ما يحدث منذ تولي السلطة زمام الحكم إلى الوقت الراهن يقول إننا انتقلنا دون تغيير بنيوي أو فعلي في السلطة أو الدولة.

مؤكدٌ أنّ الحكاية السورية الجديدة لا تزال في فصولها الأولى، ولا تزال فصولها اللاحقة مفتوحة على احتمالات لا يُمكن حصرها. لكن أحلام السوريون تنكمش بفعل الواقع المرير الذي تعيشه البلاد، ونافذة الأمل التي تضيق مع تدهور الوضع الاجتماعي-الاقتصادي والسياسي والتضييق على الحريات العامة والفردية. وفي حين تبقى احتمالية أنْ تكتب حكاية مختلفة عما خبره السوريون لعقود، فالأكيد أنّ الدرب الذي تجرّ السلطة البلاد فيه سيؤدي إلى درب آلام عرفه السوريون جيدًا وخبروه.