بقلم: كاميل لونز
نائبة رئيس مكتب باريس
باحثة سياسات في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية
29\1\2026
https://ecfr.eu/article/power-struggle-what-the-saudi-uae-rivalry-means-for-the-red-sea-and-europe/
- هيئة الترجمة في الحزب الشيوعي السوري(المكتب السياسي)
تُعيد المواجهة بين السعودية والإمارات تشكيل التوازنات في اليمن والقرن الأفريقي. وعلى أوروبا أن تولي هذه التطورات اهتماماً خاصاً مع تبلور اصطفافات جديدة في مواجهة ما بات يُصوَّر على أنه محور إماراتي–إسرائيلي–إثيوبي.
في أواخر عام 2025، نفّذ المجلس الانتقالي الجنوبي — وهو كيان سياسي يمني مدعوم من دولة الإمارات العربية المتحدة — سيطرةً عسكرية على محافظتي حضرموت والمهرة. وردّاً على ذلك، أطلقت السعودية تحرّكاً دبلوماسياً وعسكرياً حازماً، استهدفت خلاله ما وصفته بمسارات إمداد الأسلحة الإماراتية. كما قامت بحلّ المجلس الانتقالي الجنوبي ودَفعت الإمارات إلى إعلان انسحاب كامل من اليمن.
وبعد سنوات من التنافس المكتوم بين الرياض وأبوظبي، بات هذا الصدام يتجاوز حدود اليمن ليطال منطقة البحر الأحمر الأوسع، ما يعيد خلط التحالفات الإقليمية ويهدّد بمزيد من زعزعة استقرار الجغرافيا السياسية للبحر الأحمر. ويؤكد هذا التصعيد أن المنطقة لا تزال بؤرة توتر دائمة ينبغي على الأوروبيين مراقبتها عن كثب.
وبالتوازي مع تطورات اليمن، صعّدت السعودية من اعتراضها على التحركات الإماراتية في السودان. فقد اتهم فاعلون دوليون أبوظبي بدعم ”قوات الدعم السريع“، الأمر الذي أسهم — بحسب هذه الاتهامات — في إطالة أمد الحرب الأهلية ضد القوات المسلحة السودانية. وقد أثار ذلك استياءً متزايداً لدى الرياض، التي تدعم القوات المسلحة السودانية وتقدّم نفسها، إلى جانب الولايات المتحدة، كداعمة لمساعي الوساطة.
وخلال زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أفادت تقارير بأنه حثّ إدارة ترامب على زيادة الضغوط على الإمارات بسبب دورها في السودان. وفي الأسابيع التالية، كثّفت الرياض دعمها المادي للقوات المسلحة السودانية.
إسرائيل تعترف بصوماليلاند
أثار اعتراف إسرائيل بـ“صوماليلاند“، وهي كيان لدولة غير معترف بها دولياً انفصلت بالشمال عن الصومال منذ عام1991، في أواخر ديسمبر/كانون الأول 2025 اضطرابات إضافية. ويُتوقَّع على نطاق واسع أن يكون هذا القرار مرتبطاً بسماح صوماليلاند بوجود عسكري إسرائيلي — أو على الأقل منشآت لجمع المعلومات الاستخباراتية — بهدف مراقبة نشاط الحوثيين في اليمن. كما يشتبه كثير من المراقبين في وجود دور إماراتي في هذا القرار، إذ لطالما احتفظت الإمارات بنفوذ اقتصادي وأمني كبير في صوماليلاند، ولا سيما عبر تطوير ميناء ومطار بربرة، فضلاً عن تسهيلها سابقاً الاتصالات بين المسؤولين الإسرائيليين وسلطات صوماليلاند.
وليس هذا التعاون الأول بين الإمارات وإسرائيل في المنطقة. ففي عام 2021، شارك البلدان في مناورات بحرية مشتركة في البحر الأحمر، وتردّد أنهما أنشآ مواقع تنصّت مشتركة على جزيرتي بريم وسقطرى اليمنيتين. كما لعبت الإمارات دور الوسيط المحوري بين السودان وإسرائيل لتسهيل انضمام الخرطوم إلى ”اتفاقات أبراهام“ في عام 2021.
وقد غذّت أنشطة الإمارات في صوماليلاند منذ فترة طويلة توتراً مع الحكومة الفيدرالية الصومالية في مقديشو، التي تتهم أبوظبي بتقويض وحدة الأراضي الصومالية. وعادت هذه الاتهامات إلى الواجهة في عام 2024 عندما هدّدت إثيوبيا بتأمين منفذ إلى البحر عبر ميناء بربرة، في صدى لتفاهم سابق بين الإمارات وصوماليلاند وإثيوبيا حول تطوير هذا الممر.
وأثار الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند قلقاً بالغاً لدى المسؤولين في مقديشو، إذ يخشون أن يُعيد هذا التطور إحياء طموحات إثيوبيا تجاه بربرة، رغم توصل الصومال وإثيوبيا إلى اتفاق سلام هش في أواخر 2024. وقد دفعت هذه التطورات الأخيرة مقديشو — التي ترى بصمة إماراتية خلف التقارب الإسرائيلي–الصوماليلاندي — إلى الدعوة لتدخل عسكري سعودي في صوماليلاند، وإلى إعلان قطع العلاقات مع الإمارات.
إعادة الاستثمار الإقليمي للرياض
أدّت التطورات في الصومال والسودان واليمن إلى إعادة انخراط دبلوماسي وعسكري سعودي لافت في منطقة البحر الأحمر، في إطار سعي المملكة إلى حشد تحالف إقليمي مناهض للإمارات وإسرائيل.
فحتى يناير/كانون الثاني 2026، كان وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان قد زار مصر بالفعل لتأمين دعم القاهرة الخطابي في ملف اليمن، ولبدء جهود سعودية–مصرية مشتركة للحد من شبكات الإمداد اللوجستي المرتبطة بالإمارات لقوات الدعم السريع في السودان. وشملت هذه الجهود — وفق تقارير — تقييد استخدام الإمارات للمجالين الجويين المصري والسعودي لرحلات الشحن المشتبه في تزويدها قوات الدعم السريع، إضافة إلى ممارسة ضغوط منسّقة على القائد العسكري الليبي ورئيس **الجيش الوطني الليبي** خليفة حفتر لتعطيل مسارات التهريب التي تستخدمها الإمارات لدعم قوات الدعم السريع، بما في ذلك الإغلاق المؤقت لمطار الكفرة بالجنوب الليبي، وهو عقدة لوجستية رئيسية على هذا المسار.
ويعتمد حفتر اعتماداً كبيراً على الدعم الإماراتي؛ لذلك عرضت مصر والسعودية تعاوناً ودعماً مالياً وعسكرياً بديلاً لتعويض تراجع المساندة الإماراتية. كما بادرت السعودية إلى إنشاء شراكة عسكرية ثلاثية مع مصر والصومال عقب طلب مقديشو الدعم بعد اعتراف إسرائيل بصوماليلاند. وبالتوازي، أجرت الرياض مشاورات مع تركيا بشأن اليمن، وأبدت رغبتها في توسيع التعاون حول الصومال.
وأعلنت المملكة إطاراً عسكرياً ثلاثياً مع تركيا وباكستان، وعزّزت دعمها للقوات المسلحة السودانية، بما في ذلك التفاوض على صفقة بقيمة 4 مليارات دولار مع باكستان لتزويدها بطائرات مقاتلة. وتسعى السعودية كذلك إلى تقديم نفسها كبديل محتمل للإمارات في تجارة الذهب السودانية، وأبدت اهتماماً بالاستثمار في عدة موانئ على البحر الأحمر في السودان وجيبوتي، حيث فقدت الإمارات عقوداً مؤخراً.
مواجهة التطويق الاستراتيجي
تنامى الإحباط السعودي من النشاط الإماراتي خلال السنوات الأخيرة. فعلى الرغم من الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، باتت الرياض تنظر إلى السياسة الخارجية الإماراتية الحازمة — ولا سيما دعمها لفاعلين غير دولتيين وحركات انفصالية في ليبيا والصومال والسودان واليمن — باعتبارها مصدراً لعدم الاستقرار. إلا أن عاملاً جديداً وحاسماً يفسّر التحول السعودي يتمثل في أن الرياض باتت ترى في إسرائيل محرّكاً رئيسياً لعدم الاستقرار الإقليمي وتهديداً أمنياً مباشراً، يقارب في نظرها مستوى التهديد الذي تمثله إيران.
وعليه، فإن تعمّق الشراكة الإماراتية–الإسرائيلية — الممتدة إلى الخاصرة الغربية للسعودية في اليمن والبحر الأحمر والقرن الأفريقي — يثير مخاوف في الرياض من تطويق استراتيجي.
إضافة إلى ذلك، تواجه إسرائيل مستويات غير مسبوقة من عدم الشعبية في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي، ما يتيح للسعودية تأطير الديناميات الإقليمية حول محور إماراتي–إسرائيلي، ويوفّر سردية تمكّن الرياض من حشد شركاء إقليميين ضد الإمارات.
العامل الإثيوبي
تركّز الحملة الدبلوماسية السعودية على مواجهة النفوذ الإماراتي، لكنها تتقاطع — بشكل ملائم — مع أجندات عدة دول في القرن الأفريقي تسعى إلى كبح طموحات إثيوبيا. وبناءً عليه، جرى توسيع إطار هذه الحملة وتقديمها على أنها مقاومة إقليمية لتشكّل مثلث تعاون إماراتي–إسرائيلي–إثيوبي.
وقد أسهم الخطاب والإجراءات الإثيوبية الحازمة لتأمين منفذ إلى البحر الأحمر — سواء عبر مرفأ بربرة في صوماليلاند أو مرفأ عصب في إريتريا — في تصعيد التوترات منذ عام 2020. وبلغت الأزمة مع الصومال ذروتها في أواخر 2024 قبل أن تستقر بعد اتفاق هش بوساطة تركية، في حين تدهورت العلاقات مع إريتريا بشدة في 2025، ما أثار مخاوف من توغّل عسكري إثيوبي محتمل.
كما أن الخلاف المزمن بين إثيوبيا وكلٍّ من مصر والسودان حول مياه النيل دفع القاهرة إلى توسيع انخراطها الدبلوماسي والعسكري في القرن الأفريقي، بما في ذلك مع جيبوتي وإريتريا والصومال والسودان، وإلى التعهّد بنشر قوات في الصومال. ونظراً للعلاقة الوثيقة بين أبوظبي وأديس أبابا، ترى مصر في الحراك السعودي المناهض للإمارات فرصة لدفع أجندتها المضادة لإثيوبيا.
بؤرة عدم استقرار
لا يزال من المبكر الجزم بما إذا كانت هذه الاصطفافات ستفضي إلى تآكل دائم للنفوذ الإماراتي وإعادة ترسيخ طويلة الأمد للدور السعودي في البحر الأحمر. فتهدئة أبوظبي السريعة في اليمن وانسحابها يشيران إلى رغبة واضحة في تجنّب مواجهة إضافية مع الرياض.
ومع ذلك، فحتى لو اعتمدت الإمارات نهجاً أقل بروزاً على المدى القصير، قد تعود طموحاتها الإقليمية بأشكال جديدة. وسيكون من الصعب القضاء بالكامل على الشبكات الإماراتية في القرن الأفريقي. فعلى سبيل المثال، من غير المرجّح أن تُحدث خطوة الصومال بإعلان بطلان جميع الاتفاقيات مع الإمارات — بما فيها الاستثمارات الإماراتية في موانئ استراتيجية على الساحل الصومالي — آثاراً عملية فورية، نظراً لمحدودية سيطرة مقديشو على تصرفات الولايات الفيدرالية والكيانات الانفصالية.
وتؤكد التطورات الأخيرة اتجاهاً أوسع: إذ يظل البحر الأحمر بؤرةً لعدم الاستقرار، تتشكّل بفعل تداخل المنافسات وتشابك الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط وشرق أفريقيا. ومن المرجّح أن يستمر التنافس السعودي–الإماراتي في تغذية التقلبات.
ماذا ينبغي على الأوروبيين فعله؟
يتعيّن على أوروبا إيلاء التطورات الأخيرة اهتماماً خاصاً، رغم انشغالها بأولويات جيوسياسية أخرى مثل أوكرانيا وجرينلاند. وينبغي لها موازنة مقاربتها تجاه الإمارات والسعودية بحذر، لتفادي الوقوع في خضم المنافسات الإقليمية.
غير أن موجة الضغط الحالية المناهضة للإمارات تمثّل أيضاً فرصة للأوروبيين لدفع أبوظبي نحو سلوك أكثر بنّاءً في الساحات التي تعارضت فيها سياساتها سابقاً مع المصالح الأوروبية. ففي اليمن، قد يفتح التقدم السعودي نافذةً ضيقة لإعادة توحيد القوى المناهضة للحوثيين ودفع الصراع نحو تسوية سياسية.
أما في السودان، فلا يزال النزاع مستمراً دون أفق حل واضح. ومع ذلك، يوفّر تصاعد الضغط الدولي على الإمارات فرصة لأوروبا للحفاظ على ضغط منسّق على أبوظبي بشأن دعمها لقوات الدعم السريع، والمساهمة في دفع الجهود الدبلوماسية قدماً.
وفي حين أن اعتراف إسرائيل بصوماليلاند يهدد بمزيد من تفتيت الصومال وتغذية السرديات المتطرفة، فإنه قد يشجّع إثيوبيا أيضاً على إحياء طموحاتها تجاه بربرة. وإذا عمّقت السعودية انخراطها في الصومال، فعلى الأوروبيين دعم زيادة المساعدات التنموية السعودية وتعزيز التعاون في مجال مكافحة الإرهاب، بما يسهم في دعم الاستقرار — لا في تأجيج الانقسامات الداخلية.
