- هيئة الترجمة في الحزب الشيوعي السوري(المكتب السياسي) –
يُعدّ كتاب دوغلاس هـ. جونسون *الأسباب الجذرية للحروب الأهلية في السودان: سلام أم هدنة؟* عملًا تاريخيًا تحليليًا بالغ الإتقان، يتناول الحرب الطويلة الأمد بين شمال السودان وجنوبه. وقد كان لهذا الصراع دورٌ محوري في دفع عدد من الأقاليم الطرفية الأخرى في السودان إلى الدخول في مواجهات مع المركز السياسي للدولة. وفي الطبعة الخامسة من كتابه، يقوم المؤلف بتحديث تشخيصه لاختلالات عدم المساواة في السودان وتاريخ صراعاته الأهلية المتعددة، مضيفًا تأملات حول تنفيذ اتفاقية السلام الشامل لعام 2005.
تتضمن النسخة الحالية من الكتاب مقدمة منقحة، وفصلًا ختاميًا جديدًا، وتسلسلًا زمنيًا محدّثًا للصراع أُدرج في الملاحق. ولم تُحدث هذه الإضافات تغييرًا جوهريًا في تفسير جونسون لتاريخ السودان؛ إذ يقدّم شرحًا واضحًا وموثوقًا لماضي البلاد العنيف وصراعاتها السياسية المستمرة. ويُعدّ هذا النص، ولا سيما في طبعته الخامسة الأكثر اكتمالًا، مدخلًا ممتازًا وموجزًا إلى تاريخ السودان وسياساته، لنجاح السرد في الجمع بين الدقة والعمق، مع الحفاظ على الطابع المتوازن والمتأني. وعلى الرغم من وصفه التفصيلي للأشخاص والأماكن، يحرص جونسون على أن تبقى حججه في متناول جمهور واسع.
في فصول الكتاب الأحد عشر (إضافة إلى المقدمة الجوهرية)، يجادل جونسون بأن الدولة في السودان، منذ القرن التاسع عشر، أقامت علاقة استغلالية مع أطرافها. وقد استمرت السياسات الإقصائية والقمعية عبر مختلف الأنظمة، إذ ساهمت الحكومات المهدية والاستعمارية وما بعد الاستقلال في تكريس أوجه عدم المساواة بين مركز المجتمع وأقاليمه الطرفية. ومنذ استقلال السودان عام 1956، أدى ذلك إلى بروز نواة عربية-إسلامية مهيمنة، متمركزة على طول نهر النيل في شمال السودان، سعت إلى فرض سيطرتها على الأطراف، رغم ما شهدته من انقسامات داخلية ذات طابع طائفي.
يركّز الجزء الأكبر من عمل جونسون على تفاصيل الصراعات المدمّرة بين الدولة المركزية والجنوب، بدءًا من تمرد توريت عام 1955 وصولًا إلى اتفاقية السلام الشامل عام 2005. ويستعرض سعي جنوب السودان إلى تقرير المصير خلال الحرب الأهلية الأولى، والآمال المهدورة لـ«الحكم الذاتي المقيّد» في اتفاقية أديس أبابا، والضغوط التي تعرض لها الرئيس السابق جعفر نميري والتي دفعته في نهاية المطاف إلى التنصل من الاتفاق، ثم عودة الصراع في الجنوب.
كما يقدّم جونسون وصفًا تفصيليًا لحرب 1983–2005، مركّزًا على الاستراتيجيات والتكتيكات، العسكرية والسياسية على حد سواء، لمختلف الفصائل الجنوبية، والحكومة الشمالية، وأحزاب المعارضة الشمالية. ويبرز على وجه الخصوص الانقسامات داخل الحركة الشعبية لتحرير السودان/الجيش الشعبي لتحرير السودان، وظهور الحركات المنشقة، وكيف سهّلت الخرطوم هذه العملية على مدار سنوات الحرب. وإضافة إلى ذلك، يتناول جونسون الحوار الذي دار بين قائد الحركة الشعبية الراحل الدكتور جون قرنق وأحزاب المعارضة الشمالية، وهو مسار لم يكتب له النجاح في نهاية المطاف.
وإلى جانب السياسة الداخلية، يضع جونسون السودان في سياق العلاقات الدولية المتغيرة، موضحًا على وجه الخصوص كيفية تفاعل الأنظمة السودانية مع الولايات المتحدة والأمم المتحدة وقوى أجنبية أخرى. ويخصّص فصلًا كاملًا من الكتاب لتسييس المساعدات الإنسانية في الحروب الأهلية السودانية، موثقًا تلاعب أطراف النزاع بتدفقات المساعدات، التي نظروا إليها باعتبارها أدوات استراتيجية. وفي مواضع عدة، يوحي جونسون بأن الوكالات الدولية المقدّمة للمساعدات—عن قصد أو عن غير قصد—أسهمت في خدمة مصالح الحكومة وغيرها من الجماعات المسلحة. كما تناقش المقدمة والفصل الختامي المساومات الدبلوماسية التي أفضت إلى اتفاقية السلام الشامل، والصراعات السياسية الداخلية التي ميّزت الفترة 2005–2011 التي سبقت استقلال جنوب السودان.
ويتمثل أحد المحاور الأساسية في الكتاب في كيفية استخدام الفصائل المهيمنة للسلطة من أجل صياغة هوية وطنية تضمّ بعض الجماعات الاجتماعية إلى الدولة، بينما تُقصي جماعات أخرى من الاستفادة من مواردها. ففي السودان ما بعد الاستقلال، يرى جونسون أن الحكومات المتعاقبة في الخرطوم نظرت إلى الجنوب أساسًا بوصفه مصدرًا للموارد يُستغل، فيما عومل الجنوبيون باعتبارهم رعايا للدولة لا شركاء في مشروع وطني حقيقي.
وكان إقصاء الجنوب عن التمثيل الحقيقي في الدولة المركزية نتاجًا لتخلفه التنموي خلال الحكم الاستعماري الإنجليزي-المصري، وللطريقة التي شكّلت بها الأنظمة السودانية المتعاقبة مفهوم القومية السودانية. فبإنشاء هوية وطنية ضيقة تستند إلى اللغة العربية والعقيدة الإسلامية، يرى جونسون أن غير العرب وغير المسلمين—بل وكل من طعن في هذا التعريف—أصبحوا موضع شكّ جوهري. ووفقًا له، وفّر ذلك مبررًا لتوسيع رقعة الحرب إلى جبال النوبة والنيل الأزرق، وللطابع الوحشي الذي اتسم به الصراع في هاتين المنطقتين.
يسهم جونسون في تفسير الفشل النهائي لاتفاقية السلام الشامل في توحيد السودان، مشيرًا إلى أن النخبة السياسية الشمالية، سواء داخل حزب المؤتمر الوطني الحاكم أو خارجه، عجزت عن التخلي عن التزامها بإقامة دولة إسلامية، الأمر الذي حال دون نشوء هوية وطنية جامعة. ويضيف أن هذا الفشل تفاقم بسبب استراتيجية الحركة الشعبية لتحرير السودان خلال الفترة الانتقالية للاتفاقية؛ إذ سعت الحركة، بقيادة سلفا كير، إلى ترسيخ سيطرتها على الجنوب والاستعداد لاستفتاء الاستقلال، بدل الانخراط كشريك ائتلافي كامل مع المؤتمر الوطني أو تطوير برنامج وطني كحزب معارض. وفي نهاية المطاف، أسهمت الاستراتيجيات التي انتهجتها نخب الشمال والجنوب—والتي عكست تصورات متباينة لما كان يمكن أو ينبغي أن يكون عليه السودان—في دفع البلاد نحو الانقسام.
ويكشف جونسون أيضًا أن هذا المسار كان متوقعًا لدى غالبية الجنوبيين. ففي مختلف فصول الكتاب، يشير إلى رغبة كثير من سكان الجنوب في تقرير المصير، كما يتجلى في قرار مؤتمر جوبا عام 1954 الاحتفاظ بحق تقرير المصير للجنوب، وفي النداءات «الرمزية» للانفصال التي أطلقتها الحركة الشعبية في سنوات الحرب الأولى، وفي إعلان قادة الحركة الشعبية–ناصر المنشقين سعيهم إلى جنوب مستقل، وفي إدراج مبدأ تقرير المصير في إعلان مبادئ الإيغاد لعام 1993، ثم إدراج الاستفتاء كخيار خروج للجنوب. غير أن السعي إلى تقرير المصير لم يكن حكرًا على الجنوب؛ إذ يصف جونسون نضالات شعوب جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق في إطار جهودهم لتجاوز التهميش وانتزاع تمثيل أوسع في الدولة المركزية، التي عانوا على أيديها إخضاعًا اقتصاديًا وسياسيًا وثقافيًا.
واللافت في هذا المسار، وهو ما يفسر استمرار تأثير كتاب جونسون بعد عشر سنوات من صدوره، هو مدى استمرار الرغبة في الحكم الذاتي والنضال من أجل التمثيل في السودان وجنوب السودان. فالصراعات التي تجددت في جبال النوبة والنيل الأزرق قبيل استقلال الجنوب تشهد على استمرار التنافس حول الحكم الإقليمي، كما هو الحال في أزمة دارفور. وعلى الرغم من انفصال الجنوب، فإن مصير هذه المناطق—وبالتالي مصير السودان نفسه—لا يزال غير محسوم.
ولا يزال شكل التمثيل والحكم في جنوب السودان غير واضح المعالم. ففي فصله الختامي، يجادل جونسون بأن الحركة الشعبية لتحرير السودان لم تُنجز بعد تحولها الكامل من حركة تمرد إلى حزب سياسي. وكما هو الحال غالبًا مع حركات التحرر عند انتقالها إلى الحكم، ثمة إمكانية لأن تستثمر الحركة مزاياها التنظيمية والسياسية الكبيرة مقارنة بالأحزاب الأخرى. وقد تبيّن أن التنافس حول شرعية الحكم يمثل قضية محورية في مرحلة ما بعد الاستقلال. وكما يشير جونسون، فإن المعارضة الجنوبية للحركة الشعبية كانت مكبوحة خلال مفاوضات اتفاقية السلام الشامل والفترة التي تلتها، سعيًا لتحقيق الهدف المشترك المتمثل في الاستقلال؛ غير أن الدعوات إلى حكومة أكثر شمولًا تزايدت منذ الاستفتاء. وبينما جرى التعبير عن المعارضة للحركة الشعبية أساسًا عبر المسار السياسي، لا يزال خطر العنف الانتقامي قائمًا إذا فشلت الحركة في إشراك طيف متنوع من الأصوات في الحكومة الانتقالية. وقد شكّل قمع المعارضة الداخلية وإقصاء الأطراف عن صنع القرار سمات متكررة في السياسة السودانية، بما في ذلك تاريخ الحركة الشعبية نفسها، ويبقى التساؤل قائمًا حول ما إذا كان هذا النهج سيستمر في جنوب السودان المستقل.
ويختتم جونسون طبعته المحدّثة بالقول إن استقلال جنوب السودان، وإن أنهى النزاع الطويل حول تقرير مصير الجنوب، فإن السلام المستدام سيظل مرهونًا بتطبيق «الحكم الديمقراطي، والمساءلة، والمساواة، والعدالة، واحترام جميع المواطنين» (المادة الأولى من اتفاقية السلام الشامل). ويُعدّ تقييمه بالغ الأهمية لفهم تحديات مرحلة ما بعد الاستقلال في جنوب السودان، حيث تواجه الحكومة الانتقالية عقبات جسيمة تتعلق بفعالية الحكم، مثل الأمن الداخلي وتقديم الخدمات العامة في ظل مستويات مرتفعة من الفقر. وبالنظر إلى الموقع المهيمن للحركة الشعبية في السياسة الجنوب سودانية، فإنها ستؤدي دورًا حاسمًا في تجاوز هذه العقبات وترسيخ مناخ من الحكم الشامل والتعددية السياسية.
ولا يزال من غير الواضح كيف سيتجلى الادعاء المركزي الذي يقدّمه جونسون في كتابه—وهو أن تاريخ السودان تميز بعلاقة استغلالية بين المركز والأطراف—في السودان بعد الانقسام. ويبقى التساؤل مطروحًا حول ما إذا كان النظام الجديد في جوبا سيعيد إنتاج السياسات الإقصائية التي رافقت تفكك السودان، أم أنه سيحقق أخيرًا تطلعات الجنوبيين إلى حكم ذاتي فعلي. كما لا يُعرف بعد ما إذا كان فقدان الجنوب سيؤدي إلى تحوّل في السياسة الشمالية، أم أن الحكومة في الخرطوم، كسابقاتها، ستلجأ إلى مزيد من القسر لإدارة الجماعات القلقة في النيل الأزرق وجبال النوبة ودارفور. ولا يسعى جونسون إلى الإجابة عن هذه الأسئلة، غير أن كتاب *الأسباب الجذرية للحروب الأهلية في السودان* يظل مع ذلك عملًا أساسيًا يزوّد قرّاءه بالأطر المفاهيمية اللازمة لتحليل الأحداث المعاصرة في ضوء ماضي السودان. ويُعدّ هذا النص مفيدًا على نحو خاص لطلبة الجامعات، والعاملين في مجالات التنمية، وصنّاع السياسات، وغيرهم من القرّاء الجدد على تاريخ السودان وسياساته.
كيرك هاريس
جوناثان هنريكيس
جامعة إنديانا – بلومنغتون
