الانتصار الناقص

  • سمير سالم  –

على مدار سنوات منذ العام 2011 وحتى 8 كانون الأول 2024، ظلّ النظام الأسدي يتباهى بتحقيق انتصارات عسكرية توسع رقعة سيطرته، أو حتى “بإعادة تموضع ألمعي” من طرف قواته، دون أنْ تفضي هذه “الانتصارات والألمعية” في نهاية المطاف سوى إلى سقوط مدو، انتهى بانهياره مع تغيّر المعادلات الدولية-الإقليميّة نتيجة لتبعات ما بعد الحرب الأوكرانية عام 2022 وحروب ما بعد 7 أكتوبر 2023، إذ مضى بقتل السوريين وتهجيرهم وإفقارهم ليصل إلى تعفن داخلي جعل المشهد الأخير له عجيبًا وسرياليًا إلى أقصى حد.

لم تغيّر الأعمال العسكرية التي استمرت طيلة هذه السنوات من الواقع السوري فعلًا. فالتجارب التاريخيّة تثبت أنّ العمل العسكريّ مهما اتسع مداه وبلغت جذريته، لا يحلّ أزمة بنيويّة مثل الأزمة السورية. هنا، ربما علينا أنْ نعيد ترتيب الأوراق بعد تسارع الأحداث الهائل الذي شهدناه في الأيام المنصرمة منذ 6 كانون الثاني 2026 الذي يشي بأنّ ما حدث لم يكن وليد اعتداء مفاجئ من طرف على آخر تتالت الانتصارات العسكرية من بعده، بل هو إعادة رسم لخريطة نفوذ داخل سوريا وإشهار انتهاء دور ظلت (قوات سوريا الديمقراطية- قسد) منوطة به على مدار سنوات منذ تأسيسها عام 2015.

لا يخفى على أحد أنّ الهيمنة الأميركية تتجلى في الآونة الأخيرة بفجاجة غير مسبوقة، وتتعامل مع العالم بوصفه ملكية عقارية لها، دون اكتراث لأي مفاهيم عن سيادة أو قانون دوليّ أو شرعيّة، وليس الميدان السوري بالبعيد عن هذا السياق. فعلى الرغم من أنّ سوريا دولة طرفية ومفقرة، غير أنها تكتسب أهميتها من موقعها الجغرافي كنافذة إلى البحر المتوسط  وممر لأنابيب النفط والغاز من الشرق الأوسط إلى أوروبا كبديل عن أنابيب الطاقة الروسية وجارة لدودة للكيان الصهيونيّ. وواضحٌ من الاجتماع الذي جرى في أربيل، في 17 كانون الثاني 2026 بحضور مسعود بارزاني ومظلوم عبدي والمندوب السامي العصري، توماس باراك، أنّ الوقائع التي شهدتها الأرض هي إعادة صوغ للمشهد السوري في منحى جديد، تثق فيه الولايات المتحدة بقدرة حكومة الشرع وقواته على أداء ما هو مطلوب منها، دون الحاجة إلى الاستثمار بقوة في أطراف أخرى.

على الرغم أنّ اللحظة قد تبدو تكريسًا لـ” منتصر” لا، ولن، يشق له غبار، في ظلّ تفاقم الهيمنة الأميركية وتمددها، وعلى الرغم من احتفاء السلطة وأنصارها بما يعتبرونه دعمًا أميركيًا، ربما عليهم الانتباه إلى أنّ هذا الدعم كان منذ فترة ليست بالطويلة مخصصًا لمن يرونه “مهزومًا” الآن، وهو الذي ظلّ يراهن حتى الأيام الأخيرة على أنْ ينقذه هذا الداعم ويسعفه على أنْ يحافظ على مكتسباته التي حققها على مدار السنوات الأخيرة. يبقى أنّ هذا الدعم وحجم التدخل هو الدليل الأبرز على اهتراء سوري يقوّض الحدود بين الداخل والخارج، ويسلّم مفاتيح البلاد لمندوب سامي عصري. فالدعم الخارجي وحده ليس كافيًا للنهوض، ولا مناص أمام السلطة من أنْ تسعى إلى اكتساب شرعية داخلية، لا تقوم على نشوة “الانتصارات” والتعبئة الشعبوية، لا سيّما بعد تساقط “أعدائها” واحدًا تلو الآخر.

في حين قد نتفق مع إشارة “الإدارة الذاتية” إلى أنَّ الاعتراف بحقوق الكرد وفق المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026 ليس الحلّ الجذريّ للأزمة السورية المستمرة، لا نتفق معها في الرؤية إلى المجتمع السوري بوصفه مكونات هي خليط من أقوام وأديان وطوائف، تبعًا لما تقتضيه المصلحة، ونرى أنّ الأساس يكمن في إعادة صوغ عقد الاجتماعي على أساس الحقوق المتساوية لكل المواطنين، وليس على أساس منح مكونات امتيازات أو مراعاة “خصوصيات”، والسبيل الأيسر إلى إعادة الصوغ هذه تقوم على مؤتمر وطني جامع، لا للمكونات، بل للاتجاهات، بمشاركة مختلف القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية، لرسم مستقبل توافقي لا يؤدي إلى استمرار النزيف السوري.

الواضح في وقت كتابة هذه السطور أنّ القرار قد اتُخذ دوليًا نحو دمج (قسد) وتشعباتها في الدولة، بالسياسية أو الحرب، خصوصًا أنّ التحركات على الأرض بدأت عقب صدور البيان المشترك الذي “تلا الاجتماع الثلاثي بين الولايات المتحدة وإسرائيل وسوريا”. وفي حين قد تعدّ بعض الأطراف الوطنية-الديمقراطية ما حدث ضربة قاسية لمشروع يناهض تشكّل سلطة أحادية اللون، فإنّ هذه “الهزيمة” تشكّل فرصة أيضًا، وجرس إنذار يطول صداه الأراضي السورية كافة، لوضع رؤيا سورية شاملة لا تقوم على نظرة إلى المجتمع بوصفه مكونات، بل بوصفه أفراد متساوين.

بالعودة إلى “الانتصار الكبير”، فإنّ إمساك السلطة بزمام الجغرافيا السورية كاملةً يضعها على المحك أمام تحد أكبر وأعمق، إذ يضع قدرتها على فتح المجال العام أمام القوى السياسية والاجتماعية وإطلاق مؤتمر وطني حقيقي وفاعل بعيدًا عن صراع السلاح والنفوذ الخارجي وهو بالوقت نفسه اختبار لقدرتها على التعامل مع الاختلاف والنقد. ويبقى مؤكدًا أنّ ما يبدو “انتصارًا” الآن ليس هو سوى فرصة أخرى، إما للمضي قدمًا في نهج يفضي إلى سوريا مختلفة عن سوريا الأسد، أو إلى إعادة إنتاجها بلباس آخر.