إشكالية تفكك الهويات الفرعية السورية

  • المحامي نشأت الطعيمة  –

شكّل سقوط نظام الأسد الابن في ٨ كانون الأول عام ٢٠٢٤ نقطة تحول تاريخية في مسار انفجار الهويات الفرعية السورية في مواجهة الهوية الوطنية الجامعة، مما جعل هذا الانفجار هو الأشد إيلامًا وتعقيدًا من أي مسار آخر من الملفات الأخرى الداخلية أو الخارجية التي ورثتها الحكومة المؤقتة ما بعد السقوط والتي تحتاج إلى جهود كبيرة تشاركية للشعب السوري للتعافي منها، كملف المرحلة الانتقالية والعدالة الانتقالية وإعادة الإعمار وعودة المهجرين والنازحين إلى منازلهم ومعرفة مصير المغيبين والمفقودين وجبر الضرر لهم والتعافي من الوضع الاقتصادي والمعيشي المتردي للشعب السوري، وأيضًا ما هو مرتبط بتطبيق القرارات الدولية ذات الشأن بمستقبل سوريا بما فيها التخلص من العقوبات الاقتصادية والمالية المفروضة على الشعب السوري، وأيضًا ما هو مرتبط بمستقبل علاقات الحكومة المؤقتة مع دول العالم. يضاف إلى هذا أيضًا ما هو مرتبط بتطور الصراع العربي السوري-الصهيوني واحتلاله للأرض السورية منذ عام ١٩٦٧، إضافة إلى ما يمكن أن تشكله الاستدارة الكاملة نحو الغرب الأمريكي بسبب الدعم القوي لحكومة الرئيس أحمد الشرع في إنهاء نظام عائلة الأسد الأسود من تاريخ سوريا، فجميع تلك الملفات لا تزال طافية على سطح المشهد السوري وقابلة للتفجير في أي وقت، وفي مقدمتها على المستوى الداخلي ما يعرف بتفكك الهويات الفرعية في علاقتها مع الهوية الوطنية الجامعة، حيث نرى مع تعقد المشهد السياسي في سورية أن أغلب تلك الهويات بتنوعها (الكردية، والدرزية، والعلوية…) قد جنحت نحو العنف غير المسبوق وأصبحت  تعيش في نطاق ما حول انتماءاتها ما قبل الوطنية من قومية وعرقية وطائفية ومذهبية. هذا إضافة إلى بروز انتماءات ذات ولاءات فصائلية مناطقية قبلية وعشائرية لم تكن موجودة سابقًا في ركائز النسيج الاجتماعي  السوري المتآخي المتعايش في إطار الهوية الوطنية المركزية الجامعة بتنوعها العربي-الكردي الذي يشمل السنة والعلويين والدروز والمسيحيين والتركمان والشركس، ومع ضمان خصوصية كل منهما الثقافية الخاصة، وبدلًا من أن يكون هذا التنوع الثقافي للهويات الفرعية ضمن سوريا مصدر قوة  لبناء الدولة المدنية الحديثة الوطنية-الديمقراطية  التي تقوم على التعددية السياسية-الثقافية في إطار دستور وطني ديمقراطي تتعايش فيه جميع الهويات وتشكيل هوية وطنية سورية جامعة، ذهب نظام الأسدين الاستبداديين -الأب والابن- خلال أكثر من خمسين عامًا، ومن أجل بسط هيمنته السياسية-الأمنية على المجتمع السوري، ذهب إلى سياسة تمييزية بين الهويات الفرعية عززت الانقسامات بينهم على حساب الهوية السورية الجامعة، حيث أعطى امتيازات لبعضها دون الأخرى، وهمش بعضها الآخر، وتارة أخرى اتهم بعضها أيضًا بالعداء للوطن و”للثورة” و”الارتباط بالخارج” ونكل بها ومارس عليها أشد أنواع التعذيب مما أدى بسبب هذه السياسة الممنهجة إلى أن ينقل هذا التنوع المجتمعي من حالة التعايش والتآخي إلى حالة من الصراعات الداخلية والتفكك المجتمعي السوري وإلى انقسامات بينية وعدائية بين بعضها، فاستطاع النظام  البائد وعبر السطوة الأمنية التي فرضها على الجميع أن يوظف تلك الانقسامات لصالح استمرارية سلطته السياسية.

من جهة أخرى، ومع الانفجار السوري عام ٢٠١١، والانهيارات التي حدثت عند السلطة المركزية الأسدية وضعفها في أكثر من منطقة جغرافية سورية، وجدت بعض الهويات الفرعية والتشكيلات العسكرية (الكردية – الدروز -ميلشيات مناطقية أو متطرفة جهادية سنية) وعبر تحالفات عسكرية عابرة لحدود الوطن فرصة لاستعادة هويتها والتعبير عن نفسها، ومع التحول في المشهد السياسي السوري بعد سقوط نظام الأسد الابن و ضمن المشهدين السياسي والعسكري الفصائلي، ومع الفراغ السياسي الذي حصل بعد 8\12\2024 نجد أيضًا أن التعبير عن استعادة الهويات المقهورة سابقًا لدورها المغيب لم يأخذ مسارات إبراز الهوية الوطنية الجامعة لكل السوريين، وإنما اتجه نحو مسارات تفكيكية أو انفصالية لمفهوم الدولة الموحدة وتم ذلك عبر ميليشيات محلية كما حصل سابقًا في الساحل السوري عند فلول النظام السابق أو ما حصل في الجنوب السوري مع الدعم الخارجي الاسرائيلي أو ما  حصل مع  (قوات سورية الديمقراطية) التي بسطت سيطرتها بقوة السلاح وبدعم خارجي على شمال شرق سورية وفي مناطق من ريف حلب الشرقي وحيين داخل حلب، ومن ناحية أخرى نجد إعلاميًا عند بعض رموز الحكومة الانتقالية ارتفاع سقف العصبية السنية، وهذا أحد أشكال التجييش الفئوي-الطائفي السياسي بمواجهة الهويات الفرعية الأخرى، وبالتأكيد فإن ارتفاع تلك العصبية لا يشكل مسارًا طبيعيًا لاستعادة الهوية السورية الجامعة، وإنما يدفع إلى مسارات أكثر انقسامًا في المجتمع وأكثر حدة من السابق.

من المؤكد أن سقوط نظام عائلة الأسد الابن شكل فرحة عامة لدى جميع أطياف الشعب السوري بكافة هوياتهم القومية والدينية والمذهبية والطائفية وقواه السياسية والاجتماعية والثقافية، ومنحهم أملًا كبيرًا في أن تتجاوز السلطة الجديدة الانتقالية أخطاء السلطة البائدة وأن تبادر وبمشاركة جميع السوريين وقواهم المجتمعية للعمل على حل جميع الملفات العالقة الداخلية والخارجية. لكن بعد مضي أكثر من عام على استلامها للسلطة، بدأ الشعب السوري يفقد الامل والثقة بها وبقدرتها على النهوض بسورية من جديد وتبددت تلك الثقة عبر العديد من التوجهات  السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ابتداءً من إصدار الإعلان الدستوري للمرحلة الانتقالية الذي منح سلطات مطلقة للرئيس السوري المؤقت السيد أحمد الشرع واحتكاره للسلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية، ووجهت لهذا الإعلان  انتقادات عديدة من جميع الهويات السورية وقواها المجتمعية السياسية والثقافية، باعتباره لا يعبر عن تطلعات الشعب السوري نحو دولة وطنية ديمقراطية. ومرورًا بتشكيل الحكومتين، المؤقتة والانتقالية، التي تمت بعيدًا عن التمثيل التشاركي للهويات السورية وممثليها وقواها السياسية والثقافية، وإنما جاءت تعبيرًا عن لون واحد وعن سياسة الأمر الواقع وفق مبدأ (المنتصر هو الذي يقرر)، وأيضًا من طريقة انتخاب المجلس التشريعي للمرحلة الانتقالية التي تمت بأسلوب التعيين وليس الانتخابات من قبل الشعب السوري، ومن كيفية معالجة بعض الانفجارات الطائفية والمناطقية التي أدت إلى تعميق الانقسامات من جديد بدلًا من تبديدها.

ضمن هذا الواقع المؤلم لسوريا، ومن أجل النهوض بسورية وطنية ديمقراطية دولة المواطنة المتساوية، ومن أجل إعادة اللحمة الوطنية بين جميع الهويات السورية، لا بد من إعادة النظر بالعملية السياسية للمرحلة الانتقالية والابتعاد عن أسلوب احتكار السلطة عبر عملية سياسية تشاركية وشاملة للجميع تمثل كافة أطياف المجتمع وقواه السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية، وأيضًا بمشاركة كافة هوياتهم الفرعية، عبر مؤتمر وطني جامع يكون سيد نفسه لصياغة اعلان دستوري للمرحلة الانتقالية بدلًا من الإعلان الحالي لاختيار حكومة انتقالية  لمرحلة انتقالية محددة المدة وجمعية تأسيسية لإدارة المرحلة التشريعية الانتقالية تضع مسودة دستور وطني ديمقراطي عصري متوافق عليه وتدير عملية استفتاء دستوري وانتخاب مجلس تشجيعي دائم وانتخاب رئيس الدولة وفق قانون انتخاب عصري يماشي قوانين الانتخابات الديمقراطية.