لم يسقط النظام السوري بفعل قوة سورية ذاتية مضادة، بل إذا شئنا الدقة فإن النظام منذ سقوط شرق حلب بيديه بفعل توافق روسي- تركي في 22 كانون الأول 2016 وحتى توقيع اتفاقية موسكو بين بوتين وأردوغان في 5 آذار 2020 التي ثبتت خطوط المتحاربين على الأرض السورية، كان وضعه العسكري- الأمني أفضل من المعارضة العسكرية السورية، وهذا الوضع استمر حتى يوم هجوم المعارضة العسكرية على حلب انطلاقاً من إدلب في يوم 27 تشرين الثاني 2024 وهو ما قاد إلى سقوطه في يوم 8 كانون الأول 2024، فإذا ما أريدت الأمانة الفكرية – السياسية، فإن سقوط النظام السوري كان بفعل توازنات اقليمية جديدة نتجت عن انهيار محور ايران الاقليمي على إثر حربي غزة ولبنان بعد هجوم حركة حماس على منطقة غلاف غزة في يوم 7 أكتوبر 2023، وبفعل توازنات دولية جديدة جعلت روسيا ضعيفة في سوريا بفعل انشغالها في الحرب الأوكرانية منذ عام 2022، وكما كانت تقاربات واشنطن مع طهران في موضوع الاتفاق النووي عام 2015 مساعدة على منع النظام السوري من السقوط بفعل غض نظر واشنطن عن مساندة طهران وأذرعها للنظام عسكرياً واقتصادياً فإن الولايات المتحدة كانت موافقة عام 2015 على دخول الروس العسكري الذي جعل ميزان القوى العسكري يميل لغير صالح المعارضة السورية، فالوضع الذي حفظ النظام السوري من السقوط بفترة 2011-2015 كان بثنائية ايرانية-روسية مع غض نظر أمريكي فيما كان عامل سقوطه هو ضعف حماته في ايران وروسيا بفترة 2022-2024.
العامل الخارجي هو الأقوى في تحديد شكل النظام السوري الجديد في مرحلة ما بعد سقوط النظام القديم بيوم 8 كانون الأول 2024، ويمكن القول بأن هذا النظام لم يتشكل بعد، والولايات المتحدة هي الأقوى في سوريا الجديدة ثم تركيا وبعدهما اسرائيل، وهناك (صراع على سوريا) و(صراع في سوريا)، ومن الواضح أن البلد لا يملك الاستقلال، والأزمات التي ورثها السوريون من مرحلة 8 آذار 1963-8 كانون الأول 2024، يلعب بها وعليها وفيها اللاعبون الخارجيون، كما لعبت واشنطن وطهران في عراق ما بعد صدام حسين، إضافة للعب على الأزمات الجديدة التي ولدتها سلطة ما بعد 8 كانون أول 2024.
النظام السوري الجديد، بما فيه السلطة السورية القادمة، سيتم تحديدهما من خلال معادلات علاقات القوة في ثالوث واشنطن- أنقرة- تل أبيب، مع ملاحظة أن توافقات الولايات المتحدة مع تركيا حيال سوريا ما بعد بشار الأسد هي أعلى من توافقاتها مع اسرائيل، ومن الواضح أن الحكام الجدد في دمشق كانوا محكومون بمعادلات ذلك الثالوث طوال فترة ما بعد 8 كانون الأول 2024 ولا يستطيعون تجاوزها، وعندما حاولوا تجاوزها في محافظة السويداء بتموز 2025 تم رفع الكرت الأصفر، ومفاوضات الحكام الجدد مع قوات سوريا الديمقراطية- قسد هي أكبر مثال على معادلات القوة المشار إليها، ومآلاتها محكومة بها، وحتى التوجهات الأيديولوجية الاسلامية لحكام دمشق الجدد ستكون محكومة بمعادلات القوة بهذا الثالوث الخارجي، وهي لن تكون مقررة أو راسمة للشكل المستقبلي للنظام السوري الجديد، بل ستتكيف معه وستكون تلوناتها القادمة وفقاً لمعادلاته.
كمجمل: ما جرى يوم 8 كانون الأول 2024 من سقوط للنظام السوري هو حدث مفصلي ايجابي حيث طويت أكبر صفحة سوداء في التاريخ السوري بعد تضحيات عظيمة قدمها الشعب السوري عبر سنوات من نضاله ضد نظام الطاغية، ولكن الصفحة الجديدة لا يستطيع فرد من السوريين ولا تيار سياسي بمفرده كتابتها، وإنما يجب أن تكون هذه الصفحة الجديدة حصيلة لتوافق وطني سوري جديد عبر مؤتمر وطني عام.
يشير استمرار وتيرة العنف والفوضى الأمنية إلى الحاجة الماسة لمراجعة المسار السوري اللاحق لسقوط النظام، بعد أنْ وضح أن المسار القائم يقود البلد إلى اضطرابات جديدة بعد الاضطراب الذي أنتجه حكم بشار الأسد وأبيه، وإذا كانت ديكتاتورية حافظ الأسد وابنه قد قادت سورية إلى الخراب فإن أي ديكتاتورية لاحقة ستقود سوريا إلى التفكك والتشظي، ومن الواضح أن انفراد فرد واحد بالحكم، أو استئثار تيار أيديولوجي سياسي بمفاصل السلطة والإدارة والمناصب، قد أصبح وصفة تقود سوريا للهاوية.
رؤية تكتيكية:
أولا: استثمار عملية التشكل من أجل بناء تحالفات أشمل وأكثر فعالية تُبنى على توجهات :
- المواطنة المتساوية بمعزل عن الدين والطائفة والقومية والإثنية والجنس والاتجاه السياسي.
- والحريات الأساسية في حرية تشكيل الأحزاب والجمعيات وانشاء وسائل الاعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية وحرية التظاهر والاضراب.
- والانتقال الجامع الشامل عبر مؤتمر وطني عام تأسيسي على أساس القرار الدولي 2254.
ثانيا: الموقف من السلطة الجديدة من الناحية التكتيكية ينبني على ضوء ممارساتها وبالقطعة وليس بالجملة.
ثالثا:-الأولوية هي متمحورة الآن حول مفهوم البناء الوطني – الديمقراطي سواء في قضايا:
1- العلاقة مع الخارج ،2- أوفي بناء الوطن ، 3- وتجاوز الانشطارات الجغرافية،4- وانشاء تسوية سياسية سورية بمظلة دولية عبر مؤتمر وطني عام، تحضره كافة القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية، على أن تكون له صلاحيات المؤتمر التأسيسي لسلطات تنفيذية وتشريعية ولهيئة دستورية تصوغ دستوراً جديداً تجري على أساسه الانتخابات الرئاسية والبرلمانية والمحلية، كما تتحدد من خلال الدستور علاقة المركز مع الأطراف وحدود مركزية الحكم في العاصمة وحدود اللامركزية ونطاقها.
رابعا: الحل للأزمة السورية ، كأزمة مركبة داخلية- اقليمية- دولية، لا يمكن أن يكون إلا عبر مظلة الأمم المتحدة من أجل تطبيق القرار2254بكافة مندرجاته. الأزمة السورية مازالت مستمرة حتى بعد سقوط النظام السابق في يوم8كانون الأول2024.
خامسا: المواطنون السوريون متساوون في كافة الحقوق والواجبات بمعزل عن قوميتهم وإثنيتهم ودينهم وطائفتهم ومنطقتهم وجنسهم واتجاههم السياسي، مع الغاء كل الاجراءات التمييزية التي جرت وتجري في سوريا على أساس القومية والإثنية والدين والطائفة والجنس والاتجاه السياسي.
سادسا: العلمانية التي نراها هي علمانية فصل الدين عن الدولة، وحيادية الدولة تجاه الأديان والطوائف والاتجاهات السياسية، كما أن الدولة لا تبنى على أساس الدين أو الطائفة أو القومية أو الاتجاه السياسي، بل يجب أن تكون فوق كل هذه السقوف.
