مازن كم الماز
الحقيقة أن السلطة الجديدة ، التي تتصرف كسلطة دائمة أو أبدية عند البعض لا كسلطة انتقالية ، بغض النظر عن الآليات التي يفترض أن تسلكها للوصول إلى هذه الوضعية ، تعبّر حتى اليوم عن تحالف طبقي محدود للغاية … نذكر أن النظام البائد ، الذي انتهى معزولًا عن المجتمع السوري و سببًا في أحد أسوأ نكباته ، كان قد بدأ بعقد تحالفات مع جزء مهم من برجوازية المدن و الطبقة الوسطى عبر فتح مجال الاستثمار و الربح أمام الأولى و ضم جزء كبير من الثانية إلى مؤسساته الحكومية و تأمين مستوى معقول من المعيشة لجزء وازن منها ليعود نفس النظام و يتخلى عن كل هؤلاء متحولًا من رأسمالية الدولة البيروقراطية إلى رأسمالية المحاسيب و استبدال كل من سبق بطبقة طفيلية انتزعت حصة الأسد من الثروة الوطنية على حساب مجموع الشعب السوري ، ليس فقط الأكثر فقرًا بل أيضًا برجوازية المدن و الطبقة الوسطى المدينية التي انهارت فعليًا إلى مستويات غير مسبوقة من الفقر ، كان كل ذلك في صلب السخط الجماهيري الذي انفجر في آذار ٢٠١١ … للأسف يمكن من خلال قراءة سياسات السلطة الجديدة و ما اتخذته من إجراءات حتى الساعة أنها لا تستند إلى مثل تلك التحالفات و ربما لا تعمل حتى للوصول إليها ، فسياسات تحرير الاقتصاد لا تعبّر عن رغبة في حماية و تطوير الإنتاج المحلي و يبدو واضحًا تفضيل السلطة الجديدة التحالف مع برجوازيات خارجية عن البرجوازية المحلية ، و يمكن أن نقول نفس الشيء عن موقفها من الطبقة الوسطى التي كانت الضحية الأولى لسياسات النظام البائد و الحرب الطاحنة التي زج البلاد في أتونها و التي ستدفع ثمن سياسات تحرير الاقتصاد السوري هذا بفرض أنها تملك ما تدفعه اليوم … ما يبدو حتى الآن أننا ما نزال نعيش في ظلال اقتصاد الحرب الذي “ازدهر” في سنوات الحرب حيث القوة العسكرية هي القاعدة الفعلية و غالبًا الوحيدة لهذه السلطة أو تلك و أن الانتقال إلى اقتصاد مدني دولتي مؤسساتي ما يزال مطروحًا بقوة و هذا لا يمكن إنجازه من دون بناء تحالفات طبقية واسعة تعبر عنها السلطة القائمة و تتجسد في سياسات اقتصادية تأخذ بالاعتبار مصالح طبقات واسعة من السوريين … أما بالنسبة للاستثمارات الموعودة في حالة انطلاق إعادة الإعمار و في حالة استمرار فشل مؤسسات الدولة السورية عن خلق مناخ مواتي أو جاذب للاستثمار كتحقيق استقلال القضاء و سيادة القانون و إعادة تأهيل البنية التحتية أو استمرار الفشل في ترميم و تأهيل مؤسسات الدولة السورية أصلًا ، ستبقى تلك الاستثمارات مرهونة بعلاقة المستثمرين المحتملين و مموليهم خاصةً من أنظمة الخليج بالسلطة الحالية كما نرى في مصر حاليًا على سبيل المثال … بل يجري اليوم الحديث عن دور حزب البعث كمنظمة حاكمة فاسدة لكن جماهيرية لعبت في المرحلة الاولى من حياة النظام البائد دور الوسيط بين النظام و قطاعات واسعة من الجماهير خاصة من الفلاحين و عمال و موظفي القطاع العام و جزء وازن من التكنوقراط رغم فسادها وعلاقتها بأجهزة الأمن لتشكل بالتالي حزام أمان للنظام و ضمانة لفاعلية مؤسساته و سياساته باستقطاب كوادر حكومية و احترافية مؤهلة للعمل في مؤسسات السلطة … لا ننسى هنا أيضًا دور جزء موالي من المؤسسة الدينية التقليدية التي نجحت لبعض الوقت في استيعاب جزء من الغضب الجماهيري خاصةً بين الجماهير المتدينة و هي المؤسسة التي لا تبدو السلطة الحالية مهتمة بدورها و موقعها و نفوذها الاجتماعي … لا يمكن لنظام أن يستمر طويلًا بالاعتماد على القمع العاري من دون إنتاج أحزمة أمان اجتماعي و وسطاء فاعلين بينه و بين المجتمع الذي يحكمه و دون نجاحه في تأمين مستوى معقول من المعيشة لأجزاء واسعة من هذا المجتمع ، بدون ذلك نحن أمام حالة اهتراء و حتى تمزق و انهيار مع تراجع إمكانيات معالجته أو استحالتها … أخيرًا في بلد يعيش فيه تسعون بالمية من سكانه تحت خطر الفقر و قرابة الثلثين تحت خط الفقر المدقع يبدو تخلي الدولة عن واجباتها الاجتماعية ضربًا من الهرطقة الاجتماعية والاقتصادية خاصةً و أن انتظار أن تنجح محاولات جذب الاستثمارات في تحسين هذا الواقع المأساوي لن يحدث بين يوم و ليلة ، هذا إذا افترضنا أن سياسات التحرير الاقتصادي ستؤدي لمثل هذه النتائج أصلًا.
