(المركز الكردي للدراسات)
محمد سيد رصاص
استنكر اليساريون عبارة غسان تويني التي أطلقها عام 1975 مع بداية الحريق اللبناني: “لبنان هو ملعب للآخرين”، ثم خلال عقد ونصف من ذلك الحريق، وبعد تسكينه عبر إطفائية اتفاق الطائف الذي أصبح عمره ما يفوق الثلث قرن، بان كم أن تلك العبارة هي مطابقة للواقع في لبنان المحترق وما بعد تسكين الحريق. ويبدو أن عبارة تويني قد انطبقت على الحريق العراقي ما بعد عام 2003، ثم على ليبيا واليمن، وكذلك على سوريا 18 آذار/ مارس 2011 – 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، وأيضاً وأكثر على سوريا ما بعد سقوط نظام بشار الأسد.
خلال سوريا 18 آذار/ مارس 2011 – 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024 حصل (صراع في سوريا) و(صراع على سوريا) انطلاقاً من حطب داخلي مشتعل أتت إثره قوى دولية وإقليمية ومنظمات عابرة للحدود لتخوض ذلك الصراعين، ولم يكن للسوريين من السلطة والمعارضة وزنٌ مقرّرٌ فيهما، والقرارات الكبرى من (بيان جنيف1) /2012/ والقرار 2118/2013/ المتعلق بتسليم السلاح الكيماوي السوري، والقرار 2254/2015/ لم يكن أي من السوريين حاضراً في مداولاتها ولا في لحظة إصدارها، كما أن اتفاق 5 آذار 2020 بين بوتين وأردوغان، الذي رسم خطوط تثبيت وقف القتال في محافظة إدلب بين السلطة والمعارضة المسلحة الإسلامية هناك، قد انفرد الروس والأتراك في طبخه وإخراجه، كما أن نظام بشار الأسد قد مُنع من السقوط بإرادة دولية – إقليمية في عامي 2012 و2015 مع أنه كان آيلاً للسقوط فيهما، ثم كان سقوطه بفعل تغير موازين القوى في المنطقة وفي سوريا بفعل انشغال روسيا في حرب أوكرانيا منذ عام 2022 وبفعل هزيمة أذرع إيران في حربي غزة ولبنان في مرحلة ما بعد 7 أكتوبر 2023، وهو سقوط نتج عن ضعف وتلاشي قوة الحماة الروس والإيرانيين ومعهما الميليشيات التابعة لطهران، التي كانت حامية للنظام على الأرض، وهو ما قد جعل الطريق سالكاً، بين يومي 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 – 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، من إدلب إلى دمشق أمام المعارضة المسلحة بزعامة (هيئة تحرير الشام). وهؤلاء الحماة قد استطاعوا حمايته عام 2015 أمام حملة مماثلة انطلقت آنذاك من إدلب أيضاً، ولكن ضعف الحماة وتلاشي قوتهم قد جعلا ذلك النظام المتهالك القوة ينهار بسهولة عام 2024، مع أنه كان في نفس وضعية تهالك القوة قبل تسع سنوات، ولكن وضع الحماة القوي آنذاك كان هو الفرق.
لذلك كله، لا يمكن النظر إلى الوضع السوري ما بعد 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024 باعتباره تغييراً داخلياً، بل يجب النظر لذلك اليوم وإلى عام يفصل عن ذلك اليوم المشهود من خلال (العامل الخارجي(.
هنا، يجب النظر أولاً إلى دوافع اللاعبين الرئيسيين في عملية إسقاط نظام بشار الأسد، أي واشنطن وأنقرة، بالقياس مع واقعة أن الرئيس التركي، ومسؤولين آخرين في أنقرة، قد وجهوا، وبتشجيع روسي، نداءات عدة في صيف 2024 من أجل المصالحة والتقارب مع بشار الأسد، وبالقياس مع واقعة أن الرئيس الأميركي باراك أوباما وتحت ضغط تل أبيب قد تردد ثم امتنع عن إسقاط بشار الأسد عام 2012، بخلاف ما فعل بالعام السابق مع القذافي في ليبيا، وأن أوباما هو الذي شجع بوتين عام 2015 على التدخل العسكري الروسي لمنع سقوط نظام بشار الأسد، بعد أن عجزت إيران والمليشيات التابعة لها عن حمايته أمام تقدم المعارضة العسكرية الإسلامية الآتية من إدلب ومن ريف دمشق، وهو ما ترادف مع ذهاب الجنرال قاسم سليماني إلى موسكو لإقناع الرئيس الروسي بذلك.
يبدو أن مفتاح يوم 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024 السوري كان تخلي واشنطن عن سياسة أوباما الانسحابية من الشرق الأوسط بالترافق مع السياسة الانزياحية الأميركية نحو التركيز على مجابهة الصين، وهو ما ترافق عند أوباما مع الاتفاق النووي مع إيران (14 تموز/ يوليو 2015) الذي كان مقايضة بين وضع سقوف للبرنامج النووي الإيراني وبين غض نظر واشنطن عن تمدد طهران في إقليم الشرق الأوسط، وترافق مع تغطية أوباما لتدخل بوتين العسكري في سوريا (30 أيلول/ سبتمبر 2015)، وهو ما تبعه تقاسم نفوذ على الأراضي السورية بين موسكو وواشنطن، ثم تنسيق روسي – تركي ساعدت موسكو من خلاله الأتراك على السيطرة على مناطق جرابلس ـ الباب ـ إعزاز ، ثم منطقة عفرين ومدينتها، ثم شريط تل أبيض – رأس العين (سري كانيه). وقد كان أوباما يرى أن ما قدمه لبوتين في سوريا سيبعد روسيا عن الصين، كما أن هاجسه الصيني كان يدفعه لإرضاء إيران باعتبارها الحاجز الجغرافي أمام تحقيق مشروع (مبادرة الحزام والطريق) المطروح عام 2013 من الصينيين كطريق أوراسي جنوبي يربط الصين بأوروبا (والشرق الأوسط) عبر الممر الباكستاني ـ الإيراني – التركي، وهو ما يجب مزامنته مع إشعال الأميركيين للحريق الأوكراني عبر مظاهرات بالعاصمة كييف انطلقت ضد رئيس أوكراني موالٍ للكرملين في نوفمبر2013، أي بعد شهرين من إطلاق المشروع الصيني باعتبار أوكرانيا هي الممر الأوراسي الشمالي له بين الصين وأوروبا.
المفتاح لما سبق هو ما ظهر في الحرب الأوكرانية من تحالف ثلاثي صيني ـ روسي ـ إيراني، ثم في العام التالي عندما أظهر يوم 7 أكتوبر 2023 أن إيران وأذرعها قادرة على قلقلة ليس فقط استقرار الشرق الأوسط، ومعه ضرب وتقويض مشاريع التخلي الأوروبي عن الطاقة الروسية عبر (الكوريدور الهندي) الموقع عليه قبل أربعة أسابيع من هجمات 7 أكتوبر 2023، بل وقادرة على ضرب الاستقرار العالمي من خلال إثارة الاضطراب الإقليمي من خلال أذرعها في فلسطين ولبنان واليمن .
الحرب الأوكرانية وحروب ما بعد 7 أكتوبر أعادت واشنطن إلى الشرق الأوسط، باعتبارها منطقة لتحجيم روسيا أولاً من خلال تأمين طاقة بديلة للأوروبيين عن الغاز والنفط الروسيين (وهو ما رأينا قراراً نهائياً في 3 ديسمبر 2025 حياله من الاتحاد الأوروبي سيتم تطبيقه في خريف 2027)، وعودة من أجل ضرب وتحجيم إيران وأذرعها، ومن أجل التحكم الأميركي في منطقة تمنع مرور (الحزام والطريق) أو تتحكم فيه، ومنطقة منها تأتي معظم مستوردات النفط الصينية، حيث تشبه الصين الهند واليابان وكذلك ألمانيا الهتلرية من حيث أنها دولة ليس لديها الاستقلال الطاقوي.
هناك تواريخ ثلاثة: 1ـ 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024 السوري من حيث أنه عبر إنهاء نظام بشار الأسد قد تم كسر الجسر السوري الواصل بين إيران – العراق – سوريا – لبنان – فلسطين، وبالتالي ضرب المحور الإيراني في قلبه وعصبه، وأيضاً توجيه ضربة كبرى لروسيا التي تحولت من لاعب إقليمي إلى لاعب دولي من خلال سوريا 2015، وكان أحد دوافع مجيئها لسوريا هي منع إنشاء خطوط أنابيب غاز شرق أوسطية تمر عبر الأراضي السورية كبديل لأوروبا عن الطاقة الروسية.
2ـ 8 آب/ أغسطس 2025 عندما تم توقيع اتفاقية السلام بين أذربيجان وأرمينيا التي تضمنت إنشاء “طريق ترامب” الواصل عبر الأراضي الأرمينية بين أذربيجان وتركيا، وبالتالي ربط العالم التركي الشرقي بالدولة التركية برياً، والربط كذلك بالطريق الأوراسي MIDDLE CORRIDOR الصين – آسيا الوسطى – بحر قزوين – القفقاس – تركيا – أوروبا، كما أنه سيكون طريقاً لأنابيب غاز ونفط تركمانستان وأذربيجان عبر تركيا إلى أوروبا.
3- 3 كانون الأول/ ديسمبر 2025، تاريخ اتخاذ الاتحاد الأوروبي قرار الانفطام عن الطاقة الروسية.
هذه التواريخ الثلاثة مترابطة وهي ضربات كبرى لمحور الصين ـ روسيا – إيران ولكل منها على حدة، وكلها تدل على ما يقوله الصينيون عن أن هناك “حربأ باردة جديدة” ميدانها العالم بأكمله، وهي تدور بين هذا المحور الثلاثي، ومن يتبعه أو يتحالف أو يتلاقى معه، وبين حلف الأطلسي – أوكرانيا – اليابان – كوريا الجنوبية – أستراليا – نيوزيلندا، مع دول مترددة بينهما (الهند – البرازيل – جنوب إفريقيا… إلخ).
هذه التواريخ الثلاثة مفتاحية لوضع الشرق الأوسط.
بسبب 8 كانون الأول السوري ابتعدت أنقرة عن موسكو وارتمت من جديد في الحضن الأميركي، وهنا يجب استذكار مديح ترامب العلني لأردوغان على دوره في إسقاط بشار الأسد. ثم أتت 8 آب الأذربيجانية – الأرمينية كمكافأة لأردوغان من قبل الأميركيين بعد أن أجبروا الأرمن على التخلي عن ممر بأراضيهم سيصبح مؤجَّراً للأميركيين يصل برياً “العالم التركي” كما يراه الطورانيون “ممتداً من تركستان الصينية إلى بحر إيجة”، وهو يفصل (مع أذربيجان وتركمانستان) بين روسيا وإيران، ويفصل الصين عن روسيا، ويحوي قنابل إثنية قابلة للتفجير في الدواخل الروسية – الصينية – الإيرانية، وكلا (8 كانون الأول) و (8 آب) يفسران (3 ديسمبر) ويجعلناه ممكناً. أيضاً (8 كانون الأول) و (8 آب) و (3 ديسمبر) تفسر سعي الأتراك مع مبادرة زعيم الحزب الطوراني التركي دولت بهجلي لمصالحة تركية – كردية، حيث بدونها لا تستطيع تركيا القيام بالدور المطلوب أميركياً كعاصمة للأنابيب الطاقوية وللسكك الحديد والترانزيت، و(8 كانون الأول) يفسر (اتفاق 10 آذار 2025) بين السلطة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، والقوى الدافعة والضاغطة وراء الاتفاق هي واشنطن التي هي حليفة لطرفي الاتفاق، ومن الواضح أن واشنطن ترى أنه من دون مصالحة الطرفين لا يمكن لسوريا الجديدة أن تلعب الدور المطلوب منها أميركياً.
تبقى إسرائيل التي تدل الوقائع على أنها ليست راضية، بل قلقة من سوريا ما بعد 8 كانون الأول/ ديسمبر 2025، وهي لم تكن قلقة من حافظ الأسد وابنه، وإذا كانت قد غضبت من بشار الأسد ففد كان ذلك فقط بسبب دوره في الجسر السوري بين إيران وحزب الله وحركتي حماس والجهاد، وبسبب إدخاله القوات الإيرانية والموالية لطهران إلى الجنوب السوري. هي لم تكن قلقة منه، بخلاف قلقها من السلطة السورية الجديدة، لذلك سارعت لضرب الجيش السوري بضربة قاضية في الأيام التالية لسقوط بشار الأسد، وقد كانت قادرة على ذلك بالفترة السابقة ولم تفعل. كما أنها قلقة من الدور التركي الجديد في سوريا الذي يحظى برضا أميركي، وهي تستخدم ورقة الجنوب السوري لكسر معادلة أن واشنطن هي أقرب لأنقرة في الموضوع السوري من قربها لتل أبيب. والأخيرة قلقة من أن تكون سوريا الجديدة (بداية من الجنوب السوري) مع تركيا هي الممر لأنابيب طاقة الشرق الأوسط إلى أوروبا، بدلاً من الساحل الإسرائيلي كما كان مقرراً عام 2023 في (الكوريدور الهندي)، وخاصة بعد حصول سابقة وهي انسحاب الشركات الأميركية من مشروع عام 2020 لمد أنبوب غاز إسرائيلي، تم التوقيع عليه بين إسرائيل وقبرص واليونان، بسبب صعوبة مد الأنبوب تحت البحر.
كتكثيف: تدل تطورات أيام عام كامل مضى أن سوريا ما بعد بشار الأسد في لوحتيها الداخلية والخارجية لا يمكن تفسيرها بالعامل الداخلي، أو بطبيعة سلطة الحاكمين الجدد بدمشق أو بأيديولوجيتهم، بل بالعامل الخارجي، الذي يجسده مثلث القوة الجديد في الأرض السورية: مثلث واشنطن ـ أنقرة – تل أبيب، وهو بترتيب القوة وفق هذا التسلسل. كما أن التطورات السورية الداخلية قد رُسمت خلال عام مضى من خلال علاقات القوة في هذا المثلث. والسلطة السورية الجديدة محكومة بهذا المثلث، وهي محمية أيضاً من الطرفين الأقوى فيه، أي واشنطن وأنقرة، كحائط صد تجاه ثالث المثلث الذي لم يرضَ بعد. والأرجح أن الجهد الأميركي ينصب حالياً على تفاهمات تركية – إسرئيلية تجاه سوريا ما بعد 8 كانون الأول 2024، وتفاهمات إسرائيلية مع السلطة السورية الجديدة، من أجل تهيئة سوريا للدور المطلوب أميركياً ضمن اللوحة الكلية التي تريد واشنطن رسمها لمنطقة الشرق الأوسط التي قال الجنرال ديغول “إنها قلب العالم”.
