لا حياة سياسيّة للمجتمع السوريّ من دون الأحزاب

أعطت الحياة السياسية الحزبية السورية مفكرين سياسيين كان لهم تأثيرات على عموم الحياة السياسيّة العربية، مثل ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث، وقسطنطين زريق الذي ولدت حركة القوميين العرب من رحم كتاباته، والشيخ الدكتور مصطفى السباعي مؤسس الاتجاه الدعوي الإصلاحي في الحركة العالمية لجماعة الإخوان المسلمين، وإلياس مرقص وياسين الحافظ عندما قاما بتعريب الماركسية وربطها بمفهوم الديموقراطية، ومصطفى ست مريم نصار (أبو مصعب السوري) الذي بعد أن ترك جماعة الاخوان المسلمين قام في كتابه :”الثورة الاسلامية الجهادية في سوريا: التجربة والعبرة” (جزءان، صدرا عام 1991) بتأسيس فكري للاتجاه السلفي الجهادي الذي ولد منه تنظيم القاعدة عام 1998 بكل ما تفرع عنه من تنظيمات لاحقة، وقبله في الثمانينيات أسس سوري آخر، ترك جماعة الإخوان المسلمين هو محمد سرور زين العابدين، تيار السلفية الحركية (السرورية) التي مزجت فكرياً بين الوهابية وأفكار سيد قطب، في ابتعاد عن السلفية الدعوية (الجامية: نسبة إلى محمد أمان الجامي 1928-1996 وهو إثيوبي كان يقيم في السعودية) التي قالت بـ”مناصحة الحاكم لا الخروج عليه”، وقد سيطرت السرورية على الحياة الفكرية ووسائل الإعلام والمؤسسات الأكاديمية في عديد من دول الخليج في الثمانينيات والتسعينيات.

هؤلاء السوريون السبعة لهم مساحات كبرى في الحياة السياسية العربية، وحتى ضمن التيار الإسلامي نجد تأثيرات للدكتور السباعي ولأبي مصعب السوري تتجاوز النطاق العربي للدائرة الاسلامية، ولا يملك عرب آخرون هذه المساحات.

أيضاً من انتسب للأحزاب السورية كان لهم بصمات كبرى في مجالات الحياة السورية العامة، سواء في المجال الأكاديمي (معروف الدواليبي، قسطنطين زريق، مصطفى السباعي، محمد أديب الصالح، عبدالفتاح أبو غدة ، بديع الكسم، نايف بلوز، أبو الخير الخطيب، جمال الأتاسي، نبيل سالم، جلال خانجي، محمد أبوبكر) أو في الدراسات الاقتصادية (بوعلي ياسين) أو في الدخول في نطاق عمل المؤسسات الاقتصادية الدولية (عصام الزعيم) أوفي المجال الصحافي أو الإعلامي (قدري قلعجي، نجاة قصاب حسن، ميشيل كيلو، صبحي حديدي) أو مجالات الأدب (سعيد حورانية، حنا مينة، شوقي بغدادي، ممدوح عدوان) أو في مجالات السينما والمسرح (محمد ملص، شريف شاكر، فواز الساجر) أو الفن التشكيلي(بشار العيسى ويوسف عبدلكي).

من وقف ضد حافظ الأسد كانت الأحزاب، وليس أحد غيرها، ومن تركز القمع ضده في تلك الأيام كانت الأحزاب، وحتى من اعتقل من غير الحزبيين كان بسبب علاقته بالحزبيين أو قرابته منهم أو صلات “ما” له بهم، أو تقديمه خدمات لهم، أو تنسيقه معهم في النقابات المهنية أو العمالية أو غيرها، وعشرات الآلاف الذين دخلوا غرف تعذيب أجهزة حافظ الأسد وزنزاناتها ومعتقلاتها وسجونها كانوا من الحزبيين، وقد أعدم الآلاف من منتسبي جماعة الاخوان المسلمين وفق أحكام أصدرتها المحاكم الميدانية أو قتلوا في مجزرة سجن تدمر(27 حزيران 1980) أو تحت التعذيب أو بسبب أمراض أنتجتها ظروف الاعتقال غير الإنسانية، كما قتل العشرات تحت التعذيب أو بسبب المرض في ظروف السجن القاسية من معتقلي الحزب الشيوعي (المكتب السياسي) وحزب العمل الشيوعي، واعتقل المئات من أعضاء الحزب الشيوعي (المكتب السياسي) وآلاف من أعضاء وأصدقاء حزب العمل الشيوعي، ومجموع سنين سجناء هذين الحزبين هي بالآلاف لكل منهما، وقد صدرت أحكام بالسجن تعد بالمئات على أعضاء هذين الحزبين إن لم تتجاوز الألف من السنين، وذلك بناء على المادة 106من قانون العقوبات- فصل الجرائم الواقعة على أمن الدولة، تلك المادة التي تنص على السجن لخمسة عشر عاماً بسبب الانتساب إلى “جمعية بقصد تغيير كيان الدولة الاقتصادي والاجتماعي وأوضاع المجتمع الأساسية”، وهي نفس المادة التي حكم بموجبها العديد من أعضاء حزب البعث الديمقراطي هذا غير العشرات منهم الذين قضوا أكثر من عشرين عاماً أو عشرة أعوام من غير محاكمة، بينما تم الحكم على الآلاف من أعضاء جماعة الاخوان المسلمين بالإعدام بموجب القانون 49 لعام 1980 الذي يحكم بالإعدام على منتسبي الجماعة.

هناك أحزاب، مثل حزب الاتحاد الاشتراكي العربي أو حزب البعث (القيادة القومية)، اعتقلهم حافظ الأسد ولكن لم يقدمهم لمحاكمة ، أو قدموا لمحكمة أمن الدولة ولم تصدر أحكام عليهم، ولكن الكثير منهم قضى عشرات السنين مثل أعضاء بعث القيادة القومية الذي كان يتبع قيادة العراق، وبعض التنظيمات، مثل (التنظيم الشعبي الناصري)، اعتقل أعضائه لسنوات طويلة منذ عامي 1985 و1986 ولكن لم يحكم على معظمهم في محكمة أمن الدولة.

هؤلاء هم الذين عارضوا حافظ الأسد، وسجنهم وتحطيم تنظيماتهم الحزبية هو الذي قاد سوريا إلى أن تكون مملكة الصمت، حتى كسر هذا الصمت في عام 2011، كما أن قمع الحياة الحزبية وضربها قد أنتج تناقصاً مضطرداً في مستوى السياسة والسياسيين في سوريا يمكن لمسه بوضوح إذا قسنا مراحل ثلاث،هي مرحلة 2000-2011 ومرحلة 2011-8 كانون أول 2024 ومرحلة تسعة أشهر من ما بعد سقوط نظام بشار الأسد، مع مرحلة الحياة السياسية السورية 1963-1982، وهذا التناقص في مستوى الحياة السياسية السورية انعكس وينعكس في مجالات الفكر والثقافة ووسائل الاعلام وفي وسائل التواصل الاجتماعي.

ولكن حافظ الأسد لم يتجرأ على أن يصدر قراراً بحل هذه الأحزاب والحركات والجماعات السياسية، بل كان فقط يحكم على منتسبيها بالسجن بسبب انتسابهم لها ويقوم بتجريدهم من الحقوق المدنية، أو يحكم عليهم بالإعدام بسبب الانتساب، وهو الذي منذ أتى واغتصب السلطة كان يعرف بأن شرعيته تأتي من الشارع الذي كانت الأحزاب موجودة بقوة فيه، لذلك حاول استمالتها منذ اليوم الأول ثم حاول تدجينها في “الجبهة الوطنية التقدمية” عام 1972 ومن رفض ذلك أو خرج من هذا القفص الأسدي كان هو المعارضة لحافظ الأسد، وهو كان يعرف بأنه لا يستطيع أن يعطي الشرعية لهذه الأحزاب ولا أن يحجبها عنها، بل كان يعرف بأن الشرعية السياسية تأتي منها، ومن رفض التعاون معه اكتفى بضربه وقمعه وسجنه وقتله. وإذا أراد المرء الدقة فإن شرعية أحزاب معارضة حافظ الأسد قد أُخذت (ومازالت) في الزنازين والمعتقلات وسجون حافظ الأسد وفي مدافن شهدائها التي الكثير منها ما زال مجهولاً، ولا تحتاج لأن تُؤخذ من مكان آخر، ولا يمكن أن ينتفي وجود هذه الأحزاب إلا عبر صندوق اقتراع في انتخابات حرة عندما يقرر المجتمع موتها عبر هذا الصندوق.

أيضاً ، مع انهيار وتفكك الاتحاد السوفياتي عام 1991، بدأت موجة من الليبرالية الجديدة على الصعيد العالمي، وعندما وصلت للعرب وللسوريين بدأت أطروحات عن “موت الأيديولوجيا” و”موت الأحزاب”، وعن أن “منظمات المجتمع المدني هي البديل للأحزاب”، فيما لم نر هذا في البلدان المتقدمة، ومنها “جارتنا العدوة: إسرائيل” حيث الحياة السياسية لها شكل حزبي والخنادق السياسية هي خنادق أيديولوجية ولكن كل هذا تحت خيمة الديموقراطية التي هي سبب رئيسي في انتصار اسرائيل على الأنظمة العربية الديكتاتورية من حيث قدرة الإسرائيليين على تأمين تماسك اجتماعي أمام الخارج، بل رأينا هذا في مجتمع دمر حياته السياسية حافظ الأسد وقتل سياسييه الحزبيين أو سجنهم أو أجبرهم على الخروج للمنفى، وكل هذه الترهات الفكرية التي ظهرت في التسعينيات وفي العقد الأول من القرن الجديد كانت تعبيراً عن الدمار الأسدي للحياة السياسية السورية وأعراضاً مرضية ناتجة عن هذا الدمار. وعندما استمر هذا بعد عام 2011، عندما بدأ التحدث في فترة الانتفاضة – الثورة عن “الشباب” و”التنسيقيات” وعن “تكلس الأحزاب” وأن “الصوت للبندقية”، وجدنا أن من وضع الخطوط السياسية للمعارضة كان هم الحزبيون سواء في (هيئة التنسيق الوطنية) أو في (المجلس الوطني وخليفته: الائتلاف) أو في (مسد)، وليس المسلحين ولا الشباب ولا التنسيقيات ولا المستقلين.

الآن وفي تسعة أشهر مضت على سقوط نظام بشار الأسد بدأت تطل برأسها أطروحات عن فترة انتقالية بدون أحزاب، من قبل أفراد أو أطراف قريبة من السلطة الجديدة، وبعضهم يتحدث عن أن الأولوية للاقتصاد والأمن ورتق الجروح وتوحيد الانشطارات الجغرافية السورية الحاصلة.

هذه الأطروحات قريبة من أطروحة قدمها حافظ الأسد في عام 1985،في مقابلة تلفزيونية مع الصحافي الفرنسي لوسيان بيترلان، قال فيها أن “السوريون ليسوا مهيئين للديمقراطية بعد، وأن هناك حاجة لفترة زمنية طويلة”، في وقت كان الآلاف في السجون وعشرات الآلاف قد قتلوا في مجزرة مدينة حماة، وتلك الأطروحة كانت تبريراً لديكتاتوريته ومحاولة لتسويغها، لا أكثر، وهو في الحقيقة كانت نظرته تقترب من نظرة أصحاب هذه الأطروحات الجديدة تجاه موضوع الديمقراطية من حيث العداء الفكري- السياسي لها والخشية منها، وهو في عام1973، عندما عارض الأمين العام لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي الدكتور جمال الأتاسي المادة 8 من الدستور الجديد التي تكرس انفرادية البعثيين بالسلطة ومعها وعلى رأسها ديكتاتورية حافظ الأسد، قال للدكتور الأتاسي الكلمات التالية: “يا دكتور، السوريون هم ثلاثة فئات، الأولى وتضم 90% منهم هي تريد أن تطعم أولادها جيداً وأن ينالوا تعليماً جيداً مع تأمين مستقبل مريح لهم وهم لا يهتمون بالسياسة، وهؤلاء سنرضيهم، والثانية فئة هي 5%من السوريين هم معارضون ورأسهم يابس ولكن سنرضيهم بالمناصب والمكاسب المادية، أما الباقون فهم معارضون لا يلينون وسنأخذهم للسجن”. وعلى الأرجح أن أصحاب هذه الأطروحات الجديدة هم يفكرون مثلما كان يفكر حافظ الأسد عام 1973، ولهم نفس نظرته للسوريين، ولكنهم لا يتجرأون على قول قوله هذا، ولكن في قلوبهم وعقولهم يبطنون ذلك.