تردد في الأيام الأخيرة صدى ذكريات أحداث الساحل الأليمة مع تصاعد وتيرة العنف التي شهدتها محافظة السويداء عقب اشتباكات بين العشائر العربية ومسلحين دروز على خلفية ما يُشبه جناية، لتتطوّر الأحداث وتتفاقم، وتصبح مترعة بخطاب تحريضيّ طائفيّ من عناصر السلطة القائمة ومجموعات مسلّحة موالية لها، من جهة، وقوى مسلحة محليّة، من جهة أخرى، وهي على غير الساحل، قوى مسلّحة أعلى تنظيمًا وتمتلك من العتاد ما يصل حتى مضادات الطيران، وكانت طريقة تعامل السلطة مع ماجرى في محافظة السويداء قد أدت إلى تفجر موجة عنف أودت بحياة مدنيين من الأطراف كافة بمافيها جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية وفق القانون الدولي.
تؤكّد الحوادث الأخيرة على هشاشة الوضع الراهن في سوريا، وأهمية أن يعي الفاعلون في السلطة القائمة أن التفويض الدولي وحده لا يكفي، ويبني شرعية شكلانية معرضة للانزلاق عند أي منعطف أو مأزق. كذلك تؤكّد الحوادث الأخيرة أهمية العمل على انتقال جامع وشامل لكل الأطراف، بما فيها السلطة الحاليّة.
ربما يُمكن لنا أن نعود إلى تجربتين سوريتين لنستشف منهما ما يُمكن أن يكون الطريق الأكثر أمانًا للانتقال السوريّ.
شكّل الأمير فيصل بن الحسين، عقب سقوط دمشق من يديّ الدولة العثمانيّة في 1 تشرين الأول 1918، حكومة عربية مستقلة شملت جميع “البلاد السورية” برئاسة رضا الركابي في 5 تشرين الأول 1918، ثم انتُخِب “المؤتمر الوطني”، وهو أول سلطة تشريعية في الوطن العربي وأول برلمان منتخب في سوريا بعد انعقاده بكامل أعضائه في 6 آذار 1920 في جلسة برئاسة هاشم الأتاسي، الأمير فيصل ملكًا في 8 آذار 1920، بعد أن أعلن قيام الدولة السورية الأولى، وقام بتكليف الركابي بتشكيل حكومة جديدة، ثم كلّف الملك فيصل المؤتمر بوضع دستور للبلاد (ستيفن لونغريغ: “تاريخ سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي”، دار الحقيقة، بيروت 1978،ص126)، وقد تحوّل المؤتمر نفسه إلى مجلس نيابيّ تطلب أول حكومة بعد الاستقلال الثقة منه. وعمل المجلس، منذ 20 أيار عام 1920 على مناقشة “القانون الأساسي” أو الدستور السوريّ بالتفصيل، بعد أن رُفض اقتراح التصويت عليه دفعة وحدة. وقد رأت النخبة السورية، وقتئذٍ، أنَّ إعلان الاستقلال واعتماد دستور سوريّ متقدّم يحمي الأقليات، له أن يُنقذ البلاد من أي تدخل خارجي بحجّة “حماية الأقليات”. تابع المؤتمر الوطني السوري مناقشة بنود الدستور حتى 17 تموز 1920، لتجري معركة ميسلون في 24 تموز من العام ذاته، ويتكرس الاحتلال الفرنسي للبلاد. غير أن دستور عام 1920 كان يقوم على قاعدتين مهمتين؛ التأكيد على نظام حُكم مدنيّ برلماني دستوري، ولا مركزيّ. وفي حين أن أي شكل من الحكم يقوم على لا مركزية كاملة في الوقت الراهن قد يؤسس كيانات متناحرة، فإن اللامركزيّة الإدارية قد تكون الخيار الأمثل في الحال السورية.
على النقيض من النموذج التأسيسي، الجامع والشامل بحق، مضى حافظ الأسد انطلاقًا من “حركته التصحيحية” بطريق يقوم على الغلبة، التفرد بالحكم، وبناء المؤسستين العسكرية والأمنية على أساس الولاء، معتمداً على التفويض الخارجي من أجل الاستفراد الديكتاتوري الفردي بداخل البلاد، وقد قادت ديكتاتورية الأب والابن بسوريا إلى الخراب خلال ما ينوف على النصف قرن من الزمن، وبشار الأسد لم يسقط لولا خروجه عن السيناريو الأميركي وارتمائه بالحضن الايراني بعد انفجار الخلاف الايراني- الأميركي منذ عام 2005، وإذا كان حافظ باراك أوباما على نظامه ومنعه من السقوط بسبب الاتفاق النووي مع طهران عام2015، فإن تغير النظرة الأمريكية لإيران بعد 7 أكتوبر 2023 هي التي جعلت أمريكا تسقط نظام بشار الأسد من أجل انشاء شرق أوسط جديد يكون امتداداً اقليمياً لحف الأطلسي وتكون سوريا الممر البري لأنابيب الطاقة النفطية والغازية والخضراء إلى أوروبا، بعد أن بينت الدراسات صعوبة أن تكون عبر تحت البحر.
واهم من يظن أن التغيير السوري في يوم8كانون الأول|2024قد أتى بعامل داخلي محض، بل كل المؤشرات اللاحقة وحتى أيامها كانت تدل على أن العامل الخارجي، وبالذات الأميركي- البريطاني- التركي، هو القوة الأساسية وراء التغيير، من أجل انهاء محور طهران ومن أجل إضعاف روسيا سورياً تمهيداً لمساومتها في أوكرانيا.
خلال سبعة أشهر ونصف سورية بدأت بيوم 8 كانون الأول 2024ثبت أنه لا يمكن تكرار تجربة حافظ الأسد، أي انفراد شخص واتجاه سياسي بسوريا والسوريين، بعد أخذه لتفويض الخارج وتلبية مصالحه، فإذا قادت ديكتاتورية حافظ الأسد وابنه إلى الخراب فإن أي ديكتاتورية لاحقة على الخراب السوري بعد الحكم الأسدي ستقود للتفكك السوري، ومن الواضح أن السلطة السورية الحالية لا تعي هذه المعادلة، وخاصة في ظل الخلاف الأميركي- الاسرائيلي على سوريا ما بعد بشار الأسد، حيث تريد واشنطن بناء الشرق الأوسط الجديد ، وسوريا هي ركيزته، فيما يريد نتنياهو تقسيم سوريا من خلال اللعب على المشاكل الطائفية والقومية التي تركها الخراب الأسدي.
من هنا دعوة القوى الوطنية السورية ، وأولها هيئة التنسيق الوطنية ، إلى (مؤتمر وطني سوري عام) يكون الرحم لتوليد سوريا الجديدة بدستورها وسلطاتها التشريعية والتنفيذية، من أجل إنشاء سوريا جديدة تكون صناعة سورية كاملة وذلك في ظل رضا أهم وأغلب القوى الدولية والاقليمية وهو ما عبّر عنه بيانا مجلس الأمن الدولي بكانون الأول وآذار لما تمت الدعوة إلى “انتقال جامع شامل” ، وهو ما رأيناه أيضاً في بيان مؤتمر العقبة.
وهذا هو الطريق الوحيد نحو عدم تحويل الخراب الأسدي لسوريا إلى حالة التفكك.
فهل من عاقل ورشيد؟
