طريق سوريا إلى التعافي : لمَ لا يكفي تخفيف العقوبات؟



ناتاشا هول ونينار فوال

أثناء زيارته إلى الشرق الأوسط في منتصف أيار/ مايو، قام الرئيس الأميركي دونالد ترامب بخطوة استثنائية. ففي المحطة السعودية من جولته التي استمرت أربعة أيام، أعلن الرئيس عن تغيير جذري في سياسة الولايات المتحدة تجاه سوريا. بدايةً، أعلن وسط تصفيق حار في الرياض أن الولايات المتحدة ستعلّق جميع العقوبات المفروضة على البلاد بينما تحاول الحكومة السورية اجتياز المرحلة الانتقالية الصعبة بعد انهيار نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر. وفي اليوم اللاحق، التقى ترامب علنًا الرئيس السوري المؤقت، أحمد الشرع، وهو مقاتل سابق في تنظيم القاعدة، كان حتى وقت قريب موضوع مكافأة قدرها عشرة ملايين دولار وضعتها الحكومة الأميركية على رأسه. بعد الاجتماع، وصف ترامب الشرع بأنه شاب جذاب ذو “ماضٍ قوي”.

بهذه الخطوات المفاجئة، تجاوز ترامب ما كان ليكون في أي إدارة أميركية أخرى عملية طويلة ومعقدة لصياغة السياسات. على مدى أشهر، كان كثير من السوريين والمراقبين يخشون ألّا تُرفع العقوبات الأميركية أبدًا. بدأت واشنطن فرض العقوبات على سوريا في العام 1979، عندما صنفت النظام كراعٍ للإرهاب، مما أدى إلى حظر مبيعات الأسلحة وقيود على التصدير. وفي أوائل القرن الحادي والعشرين، فرض الكونغرس عقوبات إضافية. ومع اندلاع الحرب الأهلية عام 2011، أضافت الولايات المتحدة وأوروبا قيودًا إضافيةً. كما صُنِفت بعض الجماعات المسلحة داخل سوريا – وهي التي أصبحت اليوم جزءًا من الحكومة في دمشق – كمنظمات إرهابية، وبذلك لا تزال خاضعة للعقوبات. قطعت كل هذه الإجراءات سوريا فعليًا عن التجارة والاستثمار الدوليين، وشكلت عقبة رئيسة أمام تعافيها الاقتصادي.

حاجة سوريا ماسة

يعيش أكثر من 90% من السوريين تحت خط الفقر، ويحتاج 70% منهم إلى مساعدات إنسانية لتلبية احتياجاتهم الأساسية. وبمعدل النمو الحالي، سيستغرق الاقتصاد السوري حتى عام 2080 على الأقل ليعود إلى مستوى الناتج المحلي الإجمالي الذي كان عليه قبل الحرب. وتزيد الأوضاع الاقتصادية المزرية سوءًا بسبب العنف الطائفي الذي تصاعد بعد سقوط النظام الذي هيمنت عليه الأقلية العلوية، وبسبب سيطرة “هيئة تحرير الشام” ذات الانتماء السني بقيادة الشرع على العاصمة. وقد وعد الشرع بحماية الأقليات، لكن بعض أبناء الطوائف العلوية والدرزية وغيرها ما زالوا غير مقتنعين. كما أن التدخل الخارجي، بما في ذلك من جانب إسرائيل التي شنت أكثر من 700 غارة داخل سوريا واستولت على أراضٍ فيها، عمّق من حالة عدم الاستقرار. كل هذه الضغوط تتصاعد الآن. وبعد أيام من إعلان ترامب، أبلغ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ أن قرار رفع العقوبات جاء بعد أن خلص المسؤولون الأميركيون إلى أن الحكومة الانتقالية السورية قد تكون على بعد “أسابيع، لا أشهر كثيرة، من الانهيار المحتمل وحرب أهلية شاملة بأبعاد كارثية”.

كان التحول المفاجئ لترامب بشأن العقوبات خطوة صائبة، وقد يساعد سوريا على أن تواجه تحدياتها الحالية. فإسقاط نظام الأسد الوحشي فتح الباب أمام مستقبل أفضل للسوريين وللمنطقة. لكن رفع العقوبات لم يكن خطوة كافية لإنقاذ البلاد من حافة الانهيار. وبدء رفع العقوبات الأميركية هو خطوة أولى مهمة، وتعززت بقرار الاتحاد الأوروبي رفع معظم عقوباته، لتهيئة بيئة مواتية للاستثمار الأجنبي الذي تحتاجه سوريا بشدة. والآن، يجب على الولايات المتحدة وشركاء سوريا الآخرين رفع العقبات المتبقية أمام الاستقرار والتعافي الاقتصادي، وبشكل عاجل، قبل أن تتفاقم الضغوط الداخلية والتنافسات الإقليمية وتؤدي إلى تفكك البلاد.

فرص اقتصادية

اتخذت إدارة ترامب بعض الخطوات للوفاء بوعد الرئيس برفع العقوبات. ففي الأسبوع الماضي، أصدرت وزارة الخزانة الأميركية رخصة ترفع بموجبها معظم العقوبات، بما في ذلك العقوبات المفروضة على الشرع شخصيًا، رغم أنها لم تزل تصنيفه كإرهابي أجنبي، ويمكن سحبها في أي وقت. وفي اليوم نفسه، أصدرت وزارة الخارجية إعفاءً مؤقتًا لمدة 180 يومًا من العقوبات المفروضة بموجب “قانون قيصر” لعام 2019، مما سيسمح للحكومات الأجنبية والشركات والأفراد بالقيام بأعمال تجارية في سوريا.

لكن الإعفاءات لا تمثل حلًا دائمًا. فمن دون إزالة دائمة للعقوبات – وهو ما يتطلب في حالة “قانون قيصر” موافقة الكونغرس – قد يظل القلق قائمًا من عودة العقوبات بعد ستة أشهر، ما سيُعيق تعافي الاقتصاد السوري. بعض المستثمرين المقربين من إدارة ترامب أو المعتادين على التعامل مع اقتصادات خاضعة للعقوبات قد لا يترددون، لكن معظم الشركات العالمية الباحثة عن استثمارات طويلة الأجل قد تفضل تجنب سوريا.

يُمكن لإدارة ترامب أن تمضي أكثر في هذا الطريق. فيُمكن لوزارة الخارجية أن تعمل على إزالة تصنيف “هيئة تحرير الشام” كمنظمة إرهابية أجنبية، من خلال التأكيد على أن شروط التصنيف لم تعد قائمة، أو أن ثمَّة أسبابًا تتعلق بالأمن القومي تستدعي ذلك. كما يجب عليها أن تسعى لإزالة تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب، بناءً على التغييرات الجوهرية في القيادة والسياسات، وضمانات من القيادة الحالية بعدم دعم الإرهاب مستقبلاً. من دون إزالة هذه التصنيفات، سيظل من الصعب تخفيف القيود على التصدير.

حاليًا، بدأ تخفيف العقوبات يُتيح للدول الخليجية وغيرها من الأطراف الاستثمار في سوريا. فبعد ثلاثة أيام فقط من إعلان ترامب، وقّعت شركة إماراتية مذكرة تفاهم بقيمة 800 مليون دولار مع الحكومة المؤقتة لتطوير ميناء طرطوس وإنشاء مناطق صناعية وتجارية حرة. كما دفعت قطر والسعودية ديون سوريا، مما مكّنها من الحصول على قروض من مؤسسات مالية دولية مثل البنك الدولي. كما يمكن لسوريا العودة إلى النظام المالي العالمي، مثل الانضمام من جديد إلى نظام “سويفت”، ما يسهل الحوالات المالية والمعاملات الدولية.

في عهد الأسد، كان الاقتصاد السوري بالكاد صامدًا، معتمدًا على دعم إيران وروسيا، وتجارة المخدرات، والمساعدات الإنسانية. ورفع العقوبات سيسمح بإعادة إعمار حقيقية. فيُمكن إحياء قطاعات النفط والغاز والمواد الخام والصناعة، مما سيولد الإيرادات ويوفر فرص عمل. وقطاع الطاقة خصوصًا يحتاج استثمارًا؛ فقبل الحرب، كانت سوريا تنتج نحو 400 ألف برميل نفط يوميًا، لكن بحلول سقوط الأسد، انخفض الإنتاج إلى ما بين 40 و80 ألف برميل فقط. وعلى المستوى الفردي، سيُمكّن رفع العقوبات السوريين في الخارج من الاستثمار في بلدهم بسهولة أكبر. مع أن هذا التقدم ليس مضمونًا، خصوصًا في ظل غياب الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، إلا أن تخفيف العقوبات يمنح سوريا بدائل عن الاتكال على دول خاضعة للعقوبات أو أنشطة غير شرعية.

المنافسون الإقليميون

لا تُعدّ العقوبات العقبة الوحيدة التي تهدد استقرار سوريا. فمنذ الإطاحة بنظام الأسد، ظهرت تنافسات للحصول على مكاسب اقتصادية وسياسية في البلاد. أحد أبرز اللاعبين هو إسرائيل، التي شنت مئات الضربات الجوية واحتلت أجزاء من الجنوب السوري، مبررةً تدخلها بحماية الأقلية الدرزية. كذلك ضغطت إسرائيل على واشنطن للإبقاء على العقوبات والسماح لروسيا بالحفاظ على قواعدها العسكرية. وتوسطت الإمارات في محادثات سرية بين إسرائيل وسوريا، وأعلن الشرع مرارًا أنه لا يريد حربًا مع إسرائيل. بل أعادت الحكومة السورية ممتلكات الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين الذي أُعدم في دمشق عام 1965، كبادرة حسن نية. ومع ذلك، لا تزال إسرائيل تحتل أراضي سورية. لكن يبدو أن التواصل الأميركي مع الشرع خفف من حدة الموقف الإسرائيلي، حيث تراجعت الضربات الجوية مؤخرًا. وعلى ترامب الآن استخدام نفوذه لكبح العمليات الإسرائيلية المزعزعة للاستقرار.

هناك جهات إقليمية أخرى تسعى لإبرام صفقات استثمارية قد لا تخدم مصالح سوريا طويلة الأجل. ففي كانون الأول/ديسمبر، أعلنت تركيا عن نيتها التفاوض على اتفاق منطقة اقتصادية حصرية مع سوريا لتحديد حدود بحرية تمنح كل طرف حقوقًا حصرية لاستغلال الموارد، مثل النفط والغاز. رغم أن هذا الاتفاق قد يحمل فوائد اقتصادية، إلا أنه قد يُشعل نزاعات على الحدود البحرية في شرق المتوسط، ويضع سوريا في مواجهة مع جيرانها.

يمكن لتركيا أن تلعب دورًا أكثر إيجابية. فالحكومة السورية المحررة من العقوبات يمكنها التعاون مع أنقرة في مشاريع البنية التحتية للطاقة، التي تربط بلاد الشام والخليج وربما أوروبا. كما أن دعم تركيا للجيش السوري قد يردع الهجمات من قوى أجنبية أو من تنظيم الدولة، بشرط ألا يقوض هذا الدعم استقلال سوريا أو يثير مخاوف أمنية لدى دول أخرى، خصوصًا إسرائيل.

ويظل احتمال المواجهة الإسرائيلية-التركية في سوريا قائمًا. ففي آذار/مارس، أفادت وسائل إعلام إسرائيلية أن الحكومة كانت تستعد لهذا الاحتمال. وقد جرت محادثات لتقليل التوترات بين الطرفين وإنشاء خط ساخن في سوريا. ومع إعادة بناء الحكومة السورية وقواتها الأمنية، قد تسعى إسرائيل وتركيا للنفوذ بطرق أقل من المواجهة المباشرة. ومن المرجح أن تكون واشنطن قد دفعت إسرائيل للتهدئة عبر التواصل مع الحكومة السورية المؤقتة، ودول الخليج، وتركيا. ويمكن للدبلوماسية الأميركية أن تضمن عدم تحوّل سوريا مجددًا إلى ساحة صراع إقليمي.

ولكي تتمكن سوريا من الدفاع عن نفسها، وإجراء عمليات مكافحة الإرهاب، فإنها تحتاج إلى موارد اقتصادية ومساعدات دولية لإعادة بناء جيشها وأجهزتها الأمنية. حاليًا، الوضع الأمني هش. لا تسيطر “هيئة تحرير الشام” على كامل البلاد، وتجد صعوبة في ضبط بعض المقاتلين التابعين لها. أما فصائل مثل “الجيش السوري الحر” فتميل أكثر لتلقي التوجيه من أنقرة لا من دمشق. كما أعادت الميليشيات الموالية للنظام السابق تنظيم صفوفها على الساحل، ويشهد الشرق عودة تنظيم الدولة. وهناك مجموعات كردية ودرزية لا تزال تطمح إلى الحكم الذاتي. ومن دون دعم خارجي، سيكون من الصعب إدارة هذا المشهد الأمني المعقد، بما يشمل التدريب على حماية المدنيين. التحدي الآن هو بناء أجهزة أمنية منضبطة تحمي المواطنين بدلًا من ابتزازهم. فالسوريون مرتاحون لاختفاء حواجز نظام الأسد التي كانت تُستخدم للمراقبة والرشاوى، لكنهم يخشون عودة الفساد والعنف إن تعثرت جهود التعافي الاقتصادي.

الحوكمة الرشيدة

هذه المخاوف ليست بلا أساس. فسوريا محاطة بأمثلة على سوء إدارة ما بعد الصراعات. ففي العراق ولبنان، رسّخ الفساد جذوره أثناء إعادة الإعمار، وأصبح حفنة من السياسيين والأثرياء تستفيد على حساب التنمية والخدمات. ولم تنجح الحكومات الانتقالية في بناء اقتصادات متكاملة، ما زاد التوترات الطائفية وفتح المجال أمام الفاعلين غير الحكوميين. لا يزال العراق يعاني من اعتماد اقتصادي على النفط، وتدخل إيراني، وفساد مستشرٍ. أما لبنان، فقد انهارت قطاعات الإنتاج فيه بعد الحرب، وتحوّل زعماء الحرب إلى سياسيين يلاحقون مشاريعهم الخاصة.

تُظهر التجارب العالمية أن الشفافية والشمولية في صنع القرار هما أفضل وسيلة لمحاربة الفساد والركود والاضطرابات. حتى الآن، كانت مطالب واشنطن من الحكومة السورية الجديدة تقتصر على المسائل الأمنية، مثل طرد المقاتلين الأجانب، دون التركيز على الإصلاح السياسي والمؤسسي اللازم لضمان انتقال سلمي.

وهذا خطأ. فلا يمكن تجاهل التطلعات التي دفع السوريون حياتهم ثمنًا لها. في غياب الضغط الأميركي – أو من الحكومات الإقليمية التي تخشى من أن تؤدي ديمقراطية ناجحة في سوريا إلى اضطرابات في بلدانها – ركّز الشرع السلطة في يده. لكن إن تجاهلت الحكومة الجديدة إرادة الشعب، فإنها تخاطر باندلاع صراع جديد وعودة قوى مثل تنظيم الدولة.

ما يحدث في سوريا قد يؤثر على استقرار المنطقة كلها. فقد أدت الحرب الأهلية التي بدأت عام 2011 إلى نزوح الملايين، وخلقت موجة لجوء على حدود أوروبا ساهمت في صعود أحزاب اليمين المتطرف. كما استغلت إيران ضعف نظام الأسد لتعزيز نفوذها في العراق وسوريا ولبنان، مما زعزع استقرار هذه البلدان. وكانت عزلة سوريا في عهد الأسد عقبة أمام الاندماج الإقليمي، سواء في صفقات التجارة أو مشاريع الطاقة.

بدلًا من تكرار هذا السيناريو، يمكن أن يكون الانتقال ما بعد الأسد فرصة للنمو والاستقرار. قال ترامب عند إعلانه إنهاء العقوبات إن ذلك يمنح السوريين “فرصة للعظمة”. وللحفاظ على هذه الفرصة، يجب على إدارته البناء على الزخم الحالي وضمان تنفيذ الوعود الأميركية – وضمان ألا تعرقل الأطراف السورية أو الإقليمية هذه العملية. لقد كان رفع العقوبات خطوة محورية أولى نحو انتقال مستقر ومثمر في سوريا بعد الأسد، وينبغي ألا تكون الأخيرة.