يومًا تلو الآخر، تتكشف معلومات أكثر عن محطة قد تُعدّ من الأبرز في تاريخ سوريا الحديث، هي انهيار النظام الأسديّ بعد عقود حُكم مديدة مريرة في 8 كانون الأول 2024، ليظهر هذا التحوّل ليس كنتيجة لدرب آلام السوريين الطويل وتفسّخ النظام البائد وبناه فحسب، بل كجزء مفصليّ من سيرورة لرسم ملامح شرق أوسط جديد. فمنذ وصول سلطة الأمر الواقع إلى سدّة الحكم، يبرز التفاتها إلى الخارج كأساس لاكتساب شرعيّة طارئة، بعد أن اكتفت لاكتساب الشرعيّة الداخليّة، عسكريًا، بـ”بيان إعلان انتصار الثورة السوريّة” في المؤتمر الذي أقامته “إدارة العمليات العسكريَّة” في 29 كانون الثاني 2025 بحضور لبعض الفصائل وقاداتها، ومدنيًا، بـ”مؤتمر الحوار الوطني السوري” الذي بدأت أعماله وانتهت في ساعات قليلة دون امتلاكه لأيّ سلطة أو دور هامشيّ سوى شرعنة السلطة القائمة.
يتبدى نقص الاهتمام بالداخل، أيضًا، بعديد من المحطات التي قد تكون فاصلة في تشكيل هوية السلطة القائمة. فبعد فترة من الاستقرار النسبيّ على الصعيد الأمنيّ، تفجّرت أول أزمة تواجهها السلطة بمحاولة تمرد مسلّح جرت في الساحل السوريّ من طرف فلول للنظام السابق في 6 آذار 2025، ليأتي الردّ بإعلان للنفير العام وتعبئة شعبيّة في مدن شتى من أنحاء سوريا، تبعها أعمال انتقاميّة استمرت لأيام طالت أرواح مئات من المدنيين بالإضافة إلى حوادث نهب وحرق لمنازل المدنيين. وبعدها بأقل من شهرين، في 29 نيسان 2025، بدأت سلسلة من الهجمات والاشتباكات في ضواحي دمشق بسبب تسجيل صوتيّ يتضمن إساءة دينيّة، دون أن تمتلك السلطة، على أحسن تقدير، القدرة على أن تحمي المواطنين. وعلى الرغم من إصدار الرئيس الانتقاليّ قرارًا بشأن تشكيل لجنة للتقصي والتحقيق في ما جرى في الساحل في 11 آذار، فإنَّ اللجنة إلى الآن، بعد ما يزيد عن 3 أشهر، لم تصدر عنها أي نتائج، على الرغم من توثيق كثير من مرتكبي الانتهاكات بأنفسهم لما فعلوه.
في 17 أيار من العام الجاري، أي بعد ما يزيد عن 5 أشهر من سقوط نظام الأسد، أصدر رئيس المرحلة الانتقاليّة مرسومًا رئاسيًا لتشكيل “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية”. وعلى الرغم من عدم تشكيل فريق الهيئة ووضع نظامها الداخليّ إلى الآن، يُمكن الحديث عن أساس لمفهوم مشوّه عن العدالة الانتقاليّة. فالمرسوم بصيغته الحالية، يحدد عمل الهيئة بكشف “الحقيقة حول الانتهاكات الجسيمة التي تسبب فيها النظام البائد” دون غيره من الأطراف التي شاركت في إسالة الدم السوريّ لسنوات، ولا يتضمن آلية واضح لإشراك المنظمات الحقوقيّة وروابط ذوي الضحايا. فضلًا عن المعلومات التي جرى التأكيد عليها بتعاون السلطات القائمة مع شخصيات يُفترض أن تكون من أبرز الشخصيات التي تخضع إلى محاكمات مديدة. وفي حال كان “السلم الأهليّ” كما تراه السلطة يقتضي التعاون مع بعض الأشخاص ممن هم في موضع شبهة في طرف “العدالة الانتقاليّة”، فإنَّ الانتقال الحقيقيّ يتطلّب نهجًا تشاركيًا شفافًا، وليس قرارات فوقيّة، تؤدي إلى العفو عن مجرمين كبار منعًا لأذى أكبر.
قد يعبّر تعامل السلطة مع ملفيّ العدالة الانتقاليّة والانتهاكات المتواصلة المرتكبة في ظلّ حكمها عن نهج ملتبس في عديد من الخطوات المشكِّلة لمستقبل سوريا، وهو نهج يحاول اتباع شروط الخارج شكليًا وألا يثير أيّ قلاقل لا يُمكن للسلطة استيعابها داخليًا، لكن من خلال تفرّد بالقرار وغلبة مضمرة، قد تؤسس لحُكم غير ديمقراطيّ وغير تشاركيّ. وفي خضم تحوّل غايةً في الخطورة تشهده البلاد، فإنَّ المغامرة التي تخوضها السلطة إلى الآن منفردةً، لا تشير إلى حالة انتقاليّة حقيقيّة، بالمعنى الإيجابيّ، بل هو مسار يؤسس سلطة انطلاقًا من “قرارات القيادة الحكيمة” الأعلم “منّا”، وليس ثمرة آلية سوريّة تشاركيّة في القرار وكذلك في تبعاته.
نرى أنَّه لا يُمكن للقوى الوطنيّة الديمقراطيّة السوريّة، ولا لقواعدها الشعبيّة، أن ترتكن إلى شروط الخارج المفروضة على السلطة، لا سيّما وأنَّ التصوّر الغربيّ عن “التنوّع” و”الشمول” في الحُكم يؤكّد أنَّه غير معني فعلًا بمصلحة السوريين، بعد تقريظ المؤسسات الدوليّة للإعلان الدستوريّ الذي يركّز السلطات في يد الرئيس على نحوٍ غير مسبوق في تاريخ سوريا الحديث باعتباره “خطوة إيجابية”. فلا بديل لسوريا، عن منطق انتقاليّ حقيقيّ يقوم على توافقات، انطلاقًا من مؤتمر وطنيّ جامع وحقيقيّ على أن يكون قوامه من القوى السياسية والاجتماعية والعسكرية، لتنبثق عنه هيئة حكم جامعة تحظى بثقة غالبية السوريين، لكي نساهم، كسوريين فحسب، في بناء البلاد على أساس التوافق لا الغلبة، ونتحمّل مسؤولية كلّ قرار مؤلم لا بد منه لمستقبل البلاد، على أن تكون مساواة جميع السوريين في الحقوق والواجبات من أسس مرحلة الانتقال هي والحرية في تشكيل الأحزاب والجمعيات وفي تأسيس وسائل الاعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة.
