أسطورة مناعة إيران قد تحطمت، والتداعيات قد تكون بعيدة المدى – بقلم: نادين إبراهيم

على مدى أكثر من ثلاثة عقود، بنت إيران شبكة من الجماعات الوكيلة لتوسيع معاركها خارج حدودها، وإبقاء أعدائها بعيدين، بينما كان المرشد الأعلى علي خامنئي يُحكم قبضته على السلطة. كانت الضربات المباشرة على إيران تبدو أمراً لا يمكن تصوره.

لكن صورة المناعة هذه انهارت في غضون ساعات يوم 13 يونيو، عندما شنّت إسرائيل هجوماً مفاجئاً وغير مسبوق داخل عمق إيران، مما حطم شعور طهران بالأمان وبدد هالة القوة التي عملت على بنائها بعناية.

استهدفت الضربات قادة عسكريين كبار وبعض أبرز العلماء النوويين الإيرانيين، بينهم من قُتل أثناء نومه في منزله مع عائلته. وكان عدد الضحايا كبيراً، حيث قُتل 627 شخصاً، من بينهم 49 امرأة و13 طفلاً على الأقل، بحسب حسين كيرمانبور، رئيس مركز المعلومات في وزارة الصحة. وانضمت الولايات المتحدة إلى الحملة الإسرائيلية يوم الأحد 22حزيران\يونيو، حيث ضربت ثلاثة مواقع نووية قبل إعلان وقف إطلاق النار بين إسرائيل وإيران في اليوم التالي.

العديد في إيران وخارجها يخشون الآن أن القيادة الإيرانية – بعد أن جُرحت كبرياؤها ودفاعاتها – قد تشدد قبضتها في الداخل وتتخذ موقفاً أكثر تشدداً في السياسات الداخلية والخارجية.

كانت إسرائيل والولايات المتحدة قد طرحتا فكرة تغيير النظام كنتيجة محتملة لهجماتهما، على أمل أن يؤدي ذلك إلى قيام دولة أكثر صداقة لهما. لكن فشلهما في تحقيق ذلك دفع النظام إلى إعلان النصر.

وأظهرت القيادة الإيرانية مرونة، إذ سارعت إلى تعويض خسائرها، وشنّت حملة قمع قاسية ضد من تعتبرهم متواطئين مع الهجوم الإسرائيلي. وتشير الدلائل أيضاً إلى نظام بات أكثر ارتياباً، ومن المرجح أن يحكم بقبضة أكثر شدة خوفاً من التعاون مع أعدائه.

“نظام جريح”

بعد ثلاث سنوات من حكم حكومة محافظة بقيادة إبراهيم رئيسي، انتخب الإيرانيون العام الماضي الإصلاحي مسعود بزشكيان، الذي دعا إلى الحوار مع أعداء إيران واعتبر ذلك وسيلة لمعالجة مشاكل البلاد الداخلية.

بالنسبة لكثير من الإيرانيين، كان يُنظر إليه كأمل أخير للتوصل إلى اتفاق نووي مع الغرب وإعادة دمج إيران في المجتمع الدولي.

خلال الصراع الذي استمر 12 يوماً، ردت إيران مراراً على إسرائيل، وتسببت في أضرار جسيمة لمدن كبرى مثل تل أبيب وقتلت 28 شخصاً. وقد نالت قدرتها على الرد تحت القصف إشادة في الداخل، حتى من معارضي النظام الذين تحدثت إليهم CNN.

يقول علي (36 عاماً): “الناس يشعرون الآن بروح وطنية عالية. لقد مررنا معاً بحرب يراها الجميع غير مبررة، لذا لدى الحكومة قدر من حسن النية. لقد وضعونا في مرمى النيران بسياساتهم، لكن بشكل عام، تعاملوا مع الحرب بشكل جيد”.

لكن ما يثير قلق الكثير من الإيرانيين هو ما سيحدث بعد ذلك. فهناك مخاوف متزايدة من حملة قمع وشيكة ضد الإصلاحيين والداعين للتغيير، مع تحرك النظام لاجتثاث من يعتقد أنهم متعاونون مع إسرائيل. وبحلول الأربعاء، كانت السلطات قد اعتقلت 700 شخص بتهمة أنهم “مرتزقة لإسرائيل”، بحسب ما أوردته وكالة أنباء فارس شبه الرسمية.

قال علي واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، إن الزعيم الإيراني كان “حذرًا جدًا عندما كان يجب أن يكون جريئًا، وجريئًا جدًا عندما كان يجب أن يكون حذرًا”، مضيفًا أن رجل الدين يُنظر إليه على أنه دمر قدرة الردع الإيرانية وجعل البلاد أكثر هشاشة. وأضاف أن كثيرًا من اللوم يُلقى عليه بسبب قراراته، وخصوصًا عناده في التفاوض وتحديه لقوى عسكرية أقوى، وأنه مع مرور الوقت قد تظهر تساؤلات حول الزعيم المريض وقراراته عبر السنوات، بل وحتى حول أهمية منصب المرشد الأعلى نفسه على المدى الطويل.

وأشار واعظ إلى أن هناك رغبة قوية لدى الحرس الثوري والقوات العسكرية في إيران لتشديد القبضة الأمنية، وربما السعي نحو امتلاك سلاح نووي كوسيلة ردع نهائية. كما أن الهوس بالخوف من اختراق إسرائيلي سيؤدي غالبًا إلى “تطهير” في قمة النظام، ما قد يمكّن المتشددين من السيطرة.

مصير الرئيس الإصلاحي بيزشكيان ومعسكره المعتدل ما زال غير واضح، فبينما بقي المرشد في الظل، كان بيزشكيان هو من خاطب الإيرانيين وشارك في مظاهرات مناهضة للحرب. ومع ذلك، لم ينجُ الإصلاحيون من غضب الشارع، حيث قالت امرأة إيرانية: “لقد وضعونا في مأزق… وكل هذا حدث في عهد الإصلاحيين”.

يرى الخبراء أن تحطم صورة النظام كقوة لا تُقهر سيغير إيران، لكن كيف سيحدث هذا التغيير يعتمد على تصرفات القيادة الإيرانية ورد فعل القوى الأجنبية. أما بالنسبة للشعب، فقد تلاشت حتى فكرة الأمان داخل حدود البلاد. كما قال واعظ: “العقد الاجتماعي الوحيد للنظام مع المجتمع هو حرمانهم من كل الحريات مقابل توفير الأمن… الآن، هذه الصورة تحطمت في أعين الإيرانيين”.

نـدى، إيرانية تبلغ من العمر 45 عامًا، تعتقد أن الحرس الثوري الإيراني، الجناح النخبوي من الجيش الإيراني الذي تفرض عليه الولايات المتحدة عقوبات، “سيزداد قوة على الأرجح، ويعزز نفوذه أكثر”، خاصة إذا أدى ضعف القيادة إلى فراغ في السلطة. يُقال إن خامنئي يختبئ في ملجأ مع وصول محدود للاتصالات، ولم يظهر علنًا منذ إعلان وقف إطلاق النار بين إسرائيل وإيران الذي بدأ سريانه يوم الثلاثاء.

قالت ندى لـCNN: “لقد أظهروا (الحكومة) قوتهم ضد إسرائيل، وهذا سيكسبهم بعض الشعبية لفترة من الوقت على الأقل. لكن لا أحد يعرف إذا كانت المكاسب التي حققناها (في الإصلاح) خلال السنوات الماضية ستبقى. لماذا فعلنا كل ذلك؟ كنا نعلم دائمًا أن التغيير يجب أن يأتي من الداخل، وكان ذلك يحدث. الآن أين نحن؟”

جميع الإيرانيين الذين تحدثوا إلى CNN طلبوا عدم الكشف عن هويتهم خوفًا على سلامتهم.

قال آرش عزيزي، خبير إيراني مقيم في نيويورك ومؤلف كتاب “ماذا يريد الإيرانيون”، إن الإيرانيين قلقون من “نظام جريح قد يلاحقهم ويضيق الفضاء السياسي والمدني أكثر”. وأضاف أن القمع قد يزداد سوءًا، وأن المعارضة الإيرانية في الخارج أثبتت أنها “عاجزة وغير مؤثرة سياسيًا”، بينما المجتمع المدني داخل إيران “في موقف دفاعي”.

يرى الخبراء أن الهجمات على إيران عززت موقف المحافظين الذين طالما شعروا أن الغرب وإسرائيل لا يمكن الوثوق بهما، وأن المفاوضات مجرد وسيلة لإضعاف البلاد. مصير الإصلاحيين والبراغماتيين الآن معلق، ولا أحد يعلم إذا كانوا سينجون من التغييرات المتوقعة في القيادة.

قال سينا طوسي، زميل مركز السياسة الدولية بواشنطن: “الهجمات عززت المتشددين الذين يرون أن الدبلوماسية مع الغرب عديمة الجدوى، وأن على إيران الاعتماد على نفسها عسكريًا”. وأضاف: “الأصوات الإصلاحية والداعية للانفتاح على الغرب تم تهميشها في هذا المناخ. على المدى القصير، من المرجح أن يسود المتشددون، لكن ذلك قد يتغير حسب نتائج الصراع وما إذا نجحت الجهود الدبلوماسية مع أمريكا”.

يوم الأحد، انضمت الولايات المتحدة إلى حملة إسرائيل ضد إيران، وقصفت ثلاثة منشآت نووية، مما كاد يشعل حربًا شاملة مع الجمهورية الإسلامية. لكن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن لاحقًا وقف إطلاق النار بين إسرائيل وإيران، مبررًا ذلك بأنه لا يريد تغيير النظام لأنه “سيؤدي إلى الفوضى”.

قال طوسي: “الدرس الأوسع هو أن الجمهورية الإسلامية ليست منيعة، لكنها أيضًا ليست سهلة السقوط”. لم تؤدِ هجمات إسرائيل إلى انتفاضات شعبية، بل إلى وحدة بين الإيرانيين الذين رأوا بلادهم تتعرض لهجوم غير مبرر، حتى مع استمرار خوفهم من القمع الذي قد يتبع ذلك.

قال رضا، إيراني يبلغ من العمر 35 عامًا: “سواء كنا نؤيد الحكومة أم لا، هناك غضب نشعر به من ترامب وإسرائيل”.

مصير خامنئي السياسي

خامنئي، أطول القادة حكمًا في الشرق الأوسط، حكم بقبضة من حديد لأكثر من 35 عامًا، وقمع الاحتجاجات منذ 2005 على الأقل. وبصفته أعلى سلطة في إيران، فإن معظم السياسات الداخلية والخارجية للبلاد تتأثر به إن لم تكن تتشكل بالكامل من خلاله. يقول بعض الخبراء إنه رغم مظاهر الوحدة الوطنية بعد الصراع مع إسرائيل، من المرجح أن هناك استياء من خامنئي.