- بيري أندرسون –
- عدد شهر أيار2025 من صحيفة “لوموند ديبلوماتيك”
تقديم وعرض د. منذر أبو مروان اسبر
– 1-
يتناول المفكر والمؤرخ وعالم الاجتماع البريطاني بيري اندرسون؛ الذي نشر عدة مؤلفات تُرجم بعضها إلى اللغة الفرنسية أو اللغة العربية؛ مسألة دور الافكار في التحولات التي عرفها التاريخ تحت عنوان “حول قوة الأفكار” في صحيفة اللوموند ديبلوماتيك الفرنسية، عدد أيار 2025.
ذلك أن البعض يعيد الموجة الرجعية الحالية إلى أيديولوجيين أمثال جيمس دافيد فانس أو ستيفن بانون أو بيتر تييل، في حين أن البعض الآخر يربطها بنتائج العولمة، والسؤال هو الآتي: بأية شروط تلتقي الأفكار مع القوى الاجتماعية لتغيير العالم؟ ولمّا كان مقال اندرسون واسعًا، عمدنا إلى عرضه من خلال الموضوعات التي يطرحها في مبحثه الهام والغني.
يبدأ الكاتب بالتساؤل فيما إذا كانت الأفكار ظواهرًا صافية إلى جانب الصيرورات المادية والاجتماعية الأكثر عمقًا أو أنها قوى فاعلية التعبئة المستقلة؟ وعلى عكس التوقعات كلها، يقول الكاتب إن “الإجابات المقدّمة على هذا السؤال لا ترسم خط تقاسم واضحًا بين اليمين واليسار”. فالعديد من المفكرين المحافظين والليبراليين يعظمون سمو القيم الاخلاقية والمثل الكبرى في التاريخ” في حين أنهم يبخسون لدى الراديكاليين نظرتهم في أن التناقضات الاقتصادية محرك التاريخ. ومن بين اليمينين المثاليين هناك بنيديتو كروتشه أو كارل بوبر أو فريديربك مينيك الذي أعلن أن “الأفكار التي يحملها ويصوغها البشر الأحياء تشكل منسوج الحياة التاريخية”. وعلى عكس ذلك هناك شخصيات يمينية تشجب التعلق بالعقائد المصنوعة كأوهام فكرية وذلك بمعارضتها بالنوازع البيولوجية أو العادات والأعراف.
هنا يتعرض الكاتب إلى أن المنظرين للمصالح المادية وكل منهم على طريقته، أكان “فريديريك نيتشه، اولويس نامييه، أو غاري بيكر؛ إنما يسارعون في دحض الحجج القائمة على قيم الاخلاق أو السياسة”. ويكاد يكون الأمر نفسه لدى اليسار بوجود تباينات داخله، وأولًا عند المؤرخين، حيث أن وجهات نظرهم حول الأفكار يقوم بدايةً من فرناند بروديل باللامبالاة الكلية إلى تمسك ريشار هنري تويني الخالص بها. و”هذا ما نراه عند المؤرخين البريطانيين الماركسيين من ادوار تومبسون الذي كرس حياته لنقد الاختزالية الاقتصادية حتى هوبسبوم الذي لايهتم كثيرا بالافكار في كتابه : تاريخ القرن العشرين”.
وعلى صعيد القادة السياسيين فإن “الهوة تبرز أكثر عمقًا عبر ما أعلنه ادوار بيرنشتاين قائلًا: “الهدف لا قيمة له، الحركة هي كل شيء”. و”في حين أن بيرنشتاين كان يعتقد انه كان وفيا لماركس بما اعلنه، فإن لينين قد ندد به بعدها بسنوات قائلًا على الطرف المقابل “لا يوجد من حركة ثورية دون نظرية ثورية”. والمسألة هنا لا تتعلق بإصلاحيين وثوريين، بقدر ما تقسم اليساريين الماركسيين أنفسهم. ذلك أن “روزا لوكسمبورغ تعتبر أن التغييرات الكبرى التاريخية تجد براعمها في العمل العفوي للجماهير أكثر مما توجد في الأفكار المسبقة، وتخلص إلى القول: “في البدء كان الفعل”. أمّا أنطونيو غرامشي فإنه “يرى أن الحركة العمالية لا تحقق الانتصارات المستمرة الا عبر الجانب الايديولوجي، أي ما يسميه بالهيمنة (القيادة) الثقافية والسياسية على المجتمع وحتى لدى الخصوم”.
الاختلاف قائم أيضًا “بين ماو وستالين حول العملية التي تقود إلى الاشتراكية حيث أن ستالين يقول بتطور القوى المادية الإنتاجية بينما يلاحظ ماو أنها مسألة الثورة الثقافية التي تغير الذهنيات والعادات”. كيف يمكن الفصل في هذه الخلافات القديمة ،لا سيما وأن “كل الأفكار لا تكتسي نفس الصيغ ولا تنتشر على نفس الاصعدة وأن الأفكار التي تساهم في التحولات الفاصلة تتعلق بمنظومة الايديولوجيات الكبرى النهجية”. بهذا، فإن عالم الاجتماع غوران تيربورن ؛ يقترح في كتابه” ايديولوجية السلطة وسلطة الايديولوجية _ 1980، تصنيفًا متميزًا حسب محورين اساسيين: أيديولوجيات وجودية أو تاريخية وايديولوجية اشتمالية أو تمايزية”. بيد أنه يعود ” للشخصية المحافظة البريطانية ت. س. ايليوت التحليل الأكثر إنارة للأيديولوجيات التي طبعت التاريخ، بإحلال كلمة ايديولوجيا محل الثقافة ليعيد تعريف النظم الكبرى للاعتقادات وذلك كبناء مفاهيمي على عدة درجات من التعقيد.
ففي الطوابق العليا هناك الصياغات الفكرية للخاصة من النخب الثقافية؛
وفي الطوابق الوسطى هناك صياغات اكثر عمومية؛
وعلى مستوى الشعب البسيط هناك التبسيط والايجاز.
إلى جانب ذلك توجد اصطلاحات تعبيرية وممارسات رمزية توفر وحدة الطوابق.
ويبين اندرسون أن ايليوت إنما يفكر بطبيعة الحال بالمسيحية كاعتقاد شمولي يجمع بين التفكير التيولوجي الغامض وبين التعاليم الأخلاقية وبين الاعتقادات الشعبية الساذجة العامرة بالصور والسرديات المقدسة. إنها الديانات التي ولدت انطلاقًا من الألف الأول قبل عصرنا والتي تقدّم أرضية للرؤية الأمثل لدور الأفكار في التغيير التاريخي، ذلك أنه “لا يوجد من ينفي أثرها الهائل على مناطق واسعة في المعمورة، بنفس الوقت الذي يصعب تحديد اصول التغيير المادي والاجتماعي، التغيير الذي يقاس بمقدار انتشارها من مكان إلى آخر في العالم”. هكذا، فإن كل ما يمكن التنويه عنه أن التوحيد السياسي للعالم المتوسطي الذي قامت به الإمبراطورية الرومانية، قد خلق سياقًا مؤاتيًا لانتشار دين توحيدي وهو المسيحية. كما أن سياق البيئة الصحراوية والعامل الديمغرافي المتزايد فيها و(التواصل الجغرافي للعالم المتوسطي وانتشار المخطوطة العربية) قد ساعد على توسع الدين التوحيدي الآخر وهو الإسلام.
يستنتج اندرسون أن التباعد الزمني لفهم الأسباب وبين النتائج في انتشار الدين التوحيدي “يؤكد على القوة المستقلة للأفكار” في حضارة هذه الديانات. وبطبيعة الحال “فإن هذه الديانات قد أدت إلى نتائج مختلفة. فاذا كانت المسيحية قد غيرت تدريجيًا ومن الداخل عالمًا إمبراطوريًا دون أن تغير بعمق بنيته الاجتماعية بتشكيل كنيسة إلى جانب الدولة واستمرارها بعد سقوط هذه الدولة فقد وفرت بذلك بعض الاستمرارية الايديولوجية والمأسسية التي سمحت ببروز النظام الاقطاعي. وبالمقابل أعاد الإسلام “ترتيب الخارطة السياسية للعالم المتوسطي والشرق أوسطي (وتعمم نظام خراجي مركزي ساعدت عليه الفتوحات العسكرية وقيام دورة اقتصادية على امتدادها). بهذا، فإن اندرسون يشير إلى أن التغيير الكبير للاعتقاد في روما و القاهرة لم يقد إلى حروب أيديولوجية مستمرة لا بين المسيحيين والوثنيين ولا بين المسيحيين والمسلمين.
-2- تغيّر كل شيء في العصر الحديث، فعلى عكس تعاليم المسيح أو محمد، فإن الإصلاح البروتستانتي كان نظامًا عقائديًا مكتوبًا تم عبر النصوص الجدالية لمارتن لوثر أو اولىيش زوينجلي أو جان كالفان، وهو بهذا لم يفرض نفسه إلا بعد ذلك كقوة مأسسية كبرى. أما الظروف الاجتماعية والمادية التي كانت وراء ظهور هذا الإصلاح فهي معروفة أكثر من سواها في فساد كنيسة النهضة، وصعود الشعور القومي، واختراع الطباعة، إلخ. ومع ذلك فإنّ الجديد أيضًا يعود إلى الإصلاح-المضاد داخل الكنيسة الكاثوليكية (اليسوعية) والذي عبر عن نفسه بمواجهة صدامية أيديولوجية كلية سواء على أرضية النقاشات الميتافيزيقية أو أرضية التفكير أو الدعاية الشعبية. هذا ما أطلق في أوروبا انتفاضات كبرى متعددة من التمردات والنزاعات المسلحة الدموية أو الحروب الأهلية. من هنا يقول الكاتب “أننا لا نستطيع أن نجد مثالًا مقنعًا للتغيير التاريخي الذي تبثه الأفكار مثلما الصراع البروتستانتي-الكاثوليكي”. بهذا فإن الانتفاضات التي دشنت خلق الدولة-الأمة الحديثة في أوروبا، أوجدت ثورات البلاد المنخفضة (هولندا) ضد إسبانيا في القرن السادس عشر، والتمرد الكبير، والثورة المظفرة في بريطانيا في القرن السابع عشر، وكانت كلها لاعتبارات أيديولوجية. وبالمقارنة مع ذلك، فإن ما أشعل الثورة الأمريكية والفرنسية في القرن الثامن عشر كان من طبيعة أخرى عادية. “فمناهضة المستوطنات الأمريكية الشمالية ضد التاج البريطاني نتج عن مصلحة اقتصادية ضيقة رفضا للضريبة المفروضة عليها لتمويل الدفاع ضد الهنود الحمر الأصليين”. وفي فرنسا فإن أزمة مالية حادة تعود إلى اعباء التدخل الفرنسي في حرب الاستقلال الأمريكية، بما أجبر السلطة على الدعوة إلى مجلس اقطاعي مجمد لفئات المجتمع “الثلاثة النبلاء والكنيسة والشعب”. بيد أن الإصلاحات التي طرحت في المجلس المنعقد قد رفضت وأنتجت حالة ثورية أطاحت بالنظام الاستبدادي الديني الإقطاعي عام 1789. وعليه فإن اندرسون يؤكد “أن إسقاط النظام القديم (في الحالتين) لم يكن متوقعًا أو مستمدًا مباشرة من منظومة ايديولوجية متماسكة”. ولا شك بوجود خلفية من الثقافة النقدية التي كان قد طرحها عصر الأنوار، خزانًا من الأفكار القابلة للانفجار، لكنها كانت بانتظار وضعية اجتماعية راديكالية لتفعيلها بما سمح بخلق نظام جديد على أنقاض النظام السابق. ينتقل الكاتب بعد ذلك إلى الرأسمالية والاشتراكية والقومية قائلًا: “إذا كان الإصلاح البروتسنانتي قد ترك لنا فكرة الفردانية، وإذا كان الميراث الفكري لثورات القرن الثامن عشر يمكن بوجه رئيسي في السيادة الشعبية والحقوق المدنية، فإن هذا لم يكن إلا ادوات نظرية ضرورية لطرح حرية تقرير النظام الاجتماعي، وبالتالي تحديد شكل هذا التنظيم ومحتوى الرفاه الجماعي فيه. “تلك هي المسألة التي طرحتها الثورة الصناعية الوليدة على القرن التاسع عشر”. هناك ثلاث انماط من الإجابة على هذه المسألة: في عام 1848 عندما ظهر البيان الشيوعي لماركس وانجلز كانت المواجهات الاجتماعية الصدامية قائمة، ولقد واجهت أوروبا اختيارًا يتعلّق بالمعمورة كلها ألا وهو : الرأسمالية أو الاشتراكية. للمرة الأولى تتصدر مبادئ متعارضة للتنظيم الاجتماعي، فالاشتراكية كانت موضوع تنظيرات متعددة كحركة سياسية ومشروع تاريخي، أما الرأسمالية – التي يجب عدم خلطها مع المجتمع المركنتيلي لآدم سميث – فقد كانت مفاهيم مجزوءة للمدافعين عن الملكية الخاصة وابقاء الأمور على ما هي عليه، عوضًا عن بناء أيديولوجية رأسمالية. ولهذا نجد عددا من المفكرين المحافظين كتوماس كارليل أو شارل موراس يطرحون أنفسهم معارضين للرأسمالية بينما يقف بعض المفكرين الليبراليين مثل جون ستيوارت ميل أو ليون فاراس إلى جانب الاشتراكية المعتدلة. ومما لاريب فيه أن اشتراكية القرن التاسع عشر المادية امتلكت أكثر من غيرها حماسًا قويًا لدى دعاتها أكثر من مثيله لدى خصومها، ذلك أنه إذا كان للنظام القائم أن يعتمد على القوة وعلى التقاليد، فإن الأيديولوجيا الاشتراكية قد وجدت لها في منتصف القرن العشرين أنصارًا على امتداد جغرافي واسع لم تحققه أية أيديولوجيا دينية. القوة الثالثة إلى جانب الرأسمالية والاشتراكية والتي كانت فاعلة ومن طبيعة مختلفة هي القومية التي أظهرت منذ 1848 قدرة واسعة على الحشد في أوروبا. وقبل أن تنتشر في العالم، فإن ميزتين تسمانها من وجهة النظر السياسية. فقرها كمنظومة عقائدية من جانب، ومن جانب آخر الإنتاج المحدود لعدد من المفكرين وعلى رأسهم فيخته الألماني. وبما أن القومية قد أظهرت نوعًا من الفراغ المفاهيمي النسبي، فلقد ولدت باجتماعها مع الرأسمالية حمية ناشطة في بداية النزاع بين إمبرياليات 1914 ومع صعود الخطر الفاشي حتى الحرب العالمية الثانية، وعلى مستوى آخر، فإن القومية في جمعها بالاشتراكية أعطت ولادة حركات ثورية تحررية في العالم الثالث. |
_ 3_
الأفكار وبدايات القرن العشرين
مع بدايات القرن العشرين، فإن عدة ثورات قد هزت دولًا أساسية في أطراف العالم الإمبريالي: المكسيك والصين وروسيا وتركيا. وبالرغم من ترافقها، فإن ظروفها وأحداثها مختلفة عن بعضها بعضًا. ففي روسيا والصين، ستلعب الأفكار الدور الأكبر في المسار الثوري. وفي المكسيك وروسيا، فإن الحركة الشعبية ستقوم بالدور الأهم، وفي تركيا فإن التغيير القومي سيكون الأقوى. وعلى الرغم من فشل الانتفاضة الصينية عام 1911، فلقد خلقت تربتها الفكرية ما سيغذى الثورة الصينية الماركسية المنتصرة عام 1949، في حين أن تأثير الكمالية التركية سيتوقف عند الخلاص القومي التركي في استيراد افكار متنوعة من الخارج.
غير أن التضارب سيتضح بوجه خاص بين الثورة الروسية والثورة المكسيكية، لماذا؟ لأن الاضطرابات الاجتماعية في المكسيك والتي استمرت عشر سنوات لم تطلق شرارتها منظومة كبرى أيديولوجية، كما لم تولد منظومة بدورها إذ لم تعرف هذه المرحلة إلا الوضعانية (إخضاع المعرفة بصورة صارمة للوقائع الملموسة) والتي انتهى الثوريون بالإطاحة بها. أما الثورة الروسية فقد اتبعت مسارًا مختلفًا، ففي بداياتها كانت محدودة بالأفكار مثل الثورة المكسيكية، إذ كانت انفجارًا عفويًا من الاستياء الشعبي وذات شعارات بسيطة مثل شعارات ايميليانو زاباتا: الخبز، الأرض، السلام، الشعارات التي سارعت في سقوط القيصرية. إلا أن البلاشفة وقد اصبحت مقاليد الأمور بيدهم انتهجوا الأيديولوجية الأكثر تماسكًا واكتمالًا، نقصد الماركسية.
هذا التفاوت بين الأسباب المادية والمثل في الأهداف، يذكر بظروف اليعاقبة للعام الثاني للثورة الفرنسية. ولئن كانت لثورة أكتوبر، وعلى خلاف الثورة المكسيكية، نتائج تتعدى الحدود الروسية، فلا مندوحة عن القول أن ماركس قد ترقب في نهاية حياته أن تقوم روسيا “باختصار التطور الرأسمالي بفضل ثورة شعبية من شأنها أن تخلق في أوروبة سلسلة من ردود الفعل الثوري”. والواقع أن استراتيجية لينين كانت متوافقة بشكل قل أو كثر مع توقعات ماركس، إلا أنه، أي لينين، كان مرتابًا في إمكانية بناء الاشتراكية في بلاد طرفية ومتخلفة كروسيا” في الوقت الذي كان يساوره الأمل بخلق مثل ثوري في القارة العجوز، حيث أن الشروط المادية تسمح بوحدة المنتجين على صعيد متقدم من الإنتاجية الصناعية.
لكن ما حدث في الغرب هو عكس تلك التوقعات، لأن الغرب نفسه استطاع أن يخنق كل توجه ورغبة في الثورة، في حين أنها انتشرت في الشرق وفي البلدان الأكثر تأخرا من روسيا. إن النجاح السياسي الذي عرفته الماركسية يظهر وكأنه تفنيد للمفترضات النظرية. فالتفكير الماركسي-اللينيني يشير إلى أن البنى التحية تحتم البنى الفوقية، و”بتعبير آخر، فإن النظام الأيديولوجي هو انعكاس للممارسة المادية “. بهذا فإن ” ماركس لم يقل كلمته الأخيرة ” حسب اندرسون.
دور الأفكار في المعسكر المقابل ؟
إذا كانت الرأسمالية لم تستطع حل أزمتها مع الشيوعية، فإن الحرب الباردة قد أجبرتها على شحذ حججها وذلك بإعادة صياغة التضاد معها لصالحها، كيف؟ بطرح النزاع لا على أنه تعارض بين الرأسمالية والاشتراكية وانما بين الديمقراطية والتوتاليتارية. هذا الإنشاء الماكر، وإن كان يعطي للغرب الأطلسي ورقة لصالحه بالعلاقة مع الستالينية، إنما هو إنشاء تجريدي يحاول باستخدامه إخفاء العديد من الديكتاتوريات العسكرية والبوليسية فيه ودعمها.
وفي المواجهة بين الكتل، يتبدى الخطاب الديمقراطي أقل قيمة في البلدان الرأسمالية المتقدمة ذات السكان المقتنعين بتفوق شروطهم الحياتية. كما أن تأثيره ولأسباب واضحة هو أقل أهمية في العالم الذي كان منذ فترة بسيطة يعيش تحت النير الاستعماري لهذه الدول. وبدون شك ساهمت برامج الراديو الأوروبي أو راديو الحرية ؛ في انتصار الغرب. والسبب الرئيس لهذا الانتصار يكمن في الجاذبية التي لا يمكن مقاومتها لاستهلاك السلع المادية لدى الجماهير المعوزة، وربما أكثر عند النخب البيروقراطية. وبتعبير آخر فإن (العالم الحر) “مدين أكثر في انتصاره إلى الرغبة الجامحة في التسلع البضاعي”.
مع نهاية الحرب الباردة، فإن الرأسمالية تطرح نفسها مرحلة أخيرة للتطور الاجتماعي و”أصبحت السوق الحرة الأفق الذي لا يمكن تجاوزه، فبدونه لا يوجد من تحسين فعلي من لاباز إلى بكين ومن أوكلاند إلى دلهي ومن موسكو إلى بريتوريا، بينما المعجبون في منظريه، نقصد فريدريك هايك أو ميلتون فريدمان، يتأبطون حقائب الوزارات المالية”.
أما التطور الثاني الأهم في هذه المعسكر فهو معركة حقوق الإنسان تحت ضغوط الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وإذا كان الليبراليون ضد التدخل الاقتصادي حتى لو كان لأسباب توزيعية عادلة، فإنهم يرفعون التدخل العسكري كما حدث في الخليج، التدخل الذي كان استجابة للمصالح البترولية الغربية…وأدت تبعاته إلى إقامة نظام دولي جديد يستظل بالقوة العسكرية الأمريكية. كما أن الحصار الذي فرض بعدها على العراق وتوسيع القصف العسكري عليه مع كلينتون وبلير لم يكن عملية “إنسانية” وإنما عقابًا لشعب بأسره. أخيرًا، فإن إطلاق حرب شاملة على البلقان وقصف يوغسلافيا قد تم دون موافقة مجلس الأمن الذي أصبح واجهة للحلف الاطلسي.
هكذا، “فباسم الحقوق الإنسانية يتم تقرير أن الحق الدولي فوق سيادة الدول الصغيرة التي أغضبت واشنطن أو بروكسل”. إن الليبرالية الجديدة التي تكرست بقوة تكاد لا تعرف حدود لها وأكثرية حكومات نصف الكرة الأرضية تخضع، مهما كان اللون السياسي للحصارات أو الاحتلالات أو التدخلات العسكرية.
ويسوق اندرسون مثالًا “الديمقراطيات-الاشتراكية التي كانت تتميز ببعض الاستقلالية في سياساتها الخارجية، وتتصرف اليوم في خدمة المقتنصين الغربيين. وفي هذا السياق، فإن النرويج قد ختمت بشمعها السيطرة الاسرائيلية على فلسطين بينما سهلت فنلندا القصف الاطلسي على يوغسلافيا… والتحقت كل بلدان إسكندنافيا بركب الرهط المسعور في أوكرانيا”.
ما الذي يستخلصه اليسار؟
يطرح اندرسون خاتمة السؤال حول ما يستخلصه اليسار من هذا التاريخ ؟ يجيب قائلا : قبل كل شيء قوة الافكار، عندما يتعلق الأمر بفعل سياسي وبتغبير تاريخي كما الأمر بالنسبة للأيديولوجيات الكبرى، الأنوارية (فلسفة عصر الأنوار بالقرن الثامن عشر الفرنسية) والماركسية والليبرالية، وهذا يعني وجود منظومة من الأفكار خارج محيطها السياسي، بل وبالتعارض معه ودون أمل أن تمارس تأثيرا خلال فترة قصيرة عليه، إلا أنها بفضل أزمة جسيمة تكتسب قوة لا يمكن قمعها أو احتوائها متحولة بذلك إلى أيديولوجيا تعبوية تمارس فاعلية مباشرة.
واليوم، فإن أوسع مناطق المعمورة تقع تحت سيطرة أيديولوجية أحادية. غير أن التمردات والمقاومات بعيدة عن أن تكون مهزومة، وإن كانت متفرقة ومبعثرة. بهذا، فإن النضال -وسيكون طويلًا- يجب أن يمر بتحليل صارم، بل ويقض مضجع الواقع، وذلك على عكس التصريحات المتغطرسة اليمينية والرجعية والسرديات التقليدية المحافظة. لأنه بدون الاصطدام مع العالم، فإن الأفكار لا حظ لها في زحزحته وزلزلته.
ــــــــــــــــــ
من مؤلفات بيري اندرسون :
- دولة الشرق الاستبدادية
- معيار التحضر أو كيف ينشر الغرب توسعه الاستعماري
- العالم القديم ـ الجديد
- الماركسية الغربية
