الخطاب الغوغائيّ، حريّة التعبير، وإمكانيّة التحوّل الديمقراطيّ في سوريا -أحمد العلي

على الرغم من أنَّ حريّة التعبير تُعدّ ركنًا أساسيًا من أركان الديمقراطية التي تقوم، أولًا، على أساس المساواة الأخلاقية بين المواطنين بوصفهم ذوات قادرة على تشكيل أحكام بشأن الخير والشر وبشأن مصلحتهم، وثانيًا، على الحق في المشاركة في تقرير مصيرهم /بالانتخابات مثلًا/، وثالثًا، في وضع حد لعسف السلطة وهذا غير ممكن دون حرية التعبير والنقد. لكن حرية التعبير لا تعني انتشار الغوغائية وسيطرة الديماغوجيين على الفضاء العام، حيث أنَّ حرية التعبير خاصةً، والديمقراطية بكافة أوجهها، لا يُمكن أن تكون بلا موقف أو تتبع نهجًا محايدًا تجاه التحريض على العنف أو الحض على القتل، وبطبيعة الحال لا تتسامح قوانين الدول الديمقراطية مع التحريض الطائفي والعنصري.

كان أرسطو شديد الحذر من مخاطر الغوغائية التي يسميها “ديماغوجيا” والتي تستغل ظن الناس أنهم إذا كانوا متساوين في الحريّة فيجب أن تكون الحريّة والمساواة على إطلاقها، ما يعني بطلان أيّ قيود على ما يسميه الديماغوجيون: “سلطة الشعب”. هنا يؤكّد ارسطو على دور القانون في ضبط حركية الديماغوجيين في الفضاء العام فيقول إنَّه: “لا مكان للديماغوجيين حيث يسود القانون في الديمقراطيات”، بذلك، فإنَّهم، أي الديماغوجيين، يظهرون حين يفقد القانون سيادته، وحينئذٍ يقول ارسطو إنَّ “الشعب يكون ملكًا حقًا واحدًا، وإن يكن مؤلفًا من الأكثرية التي لا تحكم فرادى بل بمجملها، وإذ يكون الشعب هو الملك، فإنَّه يعمد إلى أن يفعل فعل الملك بأن يلقي عن عاتقه نير القانون ويصير مستبدًا”.

هنا تجب الإشارة إلى أن معظم الدراسات المتعلقة بالتحوّل الديمقراطي سواء نظريات التحديث التي تشترط توافر عناصر معينة ترتبط بالنمو الاقتصادي والتعليم وغيرها لحدوث الانتقال الديمقراطي، أو الدراسات الحديثة في مجال الانتقال الديمقراطي، أكدت على ضرورة التوافق والإجماع على هوية مشتركة بين المواطنين ومواجهة الشروخ الاجتماعية كأساس لاستمرارية الدولة وتحقيق التحوّل إلى دولة ديمقراطية حقيقية. تؤكد هذه الدراسات أيضًا على دور النخبة في مرحلة التحول الديمقراطي، وإن اختلفت في حجم هذا الدور، لكون هذه النخب تلعب دورًا في توجيه الرأي العام وضبط حركيته بما يسمح بقيام الموازنة بين حريّة التعبير ومواجهة الشروخ الاجتماعية وهو ما لا تقوم به أغلب النخب في سوريا حاليًا.

ولكن في سوريا نجد أن مجال الحريّة في التعبير الذي انفتح بعد سقوط النظام البائد تحوّل في معظمه إلى أداة في يد الديماغوجيين الذين يتملقون الجماهير لاستغلال مَشاعِرها وكسب وِدِها وإثارتها لتحقيق مصالح ضيقة ووضيعة – تصل حد الحصول على إعجابات على صفحة تواصل اجتماعي -، لكن هذه الغوغائية لم يبقَ أثرها محصورًا بشبكات التواصل الاجتماعي وانعكست على الواقع بأحداث متعددة في الساحل وريف دمشق و السويداء وحمص وريف حماة وغيرها، وخرجت هذه الغوغائية حتى عن سيطرة السلطة، كما أقرت هي بذلك باعتمادها لمصطلح “عناصر منفلتة” لوصف الجهات التي شاركت في هذه الأحداث.

بناءً على ما سبق يمكن تحديد سببين رئيسين للحالة الراهنة هما غياب سيادة القانون وغياب دور النخب أو سلبية دورها في أماكن متعددة. إضافة إلى هذين السببين الرئيسين، هناك عاملان مساعدان ساهما في تحفيز ومساعدة حركية الغوغائيين في الفضاء العام، العامل الأول هو التدخل الخارجي حيث تستخدم جهات خارجية شبكات التواصل الاجتماعي لنشر خطاب بعض الجهات المتطرفة الداخلية لزيادة مستوى الشروخ الاجتماعية، كما أثبتت ذلك عدة تقارير صحفية مستقلة. والعامل الثاني هو غياب آلية واضحة لتحقيق العدالة الانتقالية، حيث لم تظهر حتى الأن خريطة طريق لتحقيق هذه العدالة وتعويض الضرر على المتضررين من جرائم الحرب المرتكبة خلال الثورة، ما يفسح المجال لاستغلال مشاعر فقدان الأمل بتحقيق هذه العدالة، من قبل الغوغائيين واستخدام خطاب يبرر عمليات القتل بأنَّها ترتبط بالانتقام لذوي الضحايا، بالإضافة إلى اعتمادهم خطاب تعميمي على طوائف وشرائح اجتماعية معينة باعتبارها كلها مجرمة لزيادة متابعيهم ومؤيديهم مستخدمين اللعب على الوتر الطائفي والمذهبي ما يدفع إلى زيادة الشروخ الاجتماعية، ويمنع تحقيق العدالة المنشودة ويشكل خطرًا على الاستقرار المجتمعي ويعطل أي تحوّل ديمقراطي.

هنا يمكن الوصول إلى أنَّ ما يحدث من شحن للعواطف، وتوتير الفضاء العام من جميع الأطراف في ظلّ سقوط أغلب النخبة السورية في شرك الخطاب الطائفي والمذهبي، لا يشكّل حالة طبيعية وصحية للتعبير عن الرأي وإنما حالة متفلتة تنذر بنتائج خطيرة على ما تبقى من هوية جامعة بين السوريين، وتدمر الأساس الذي يمكن أن يقوم عليه أي تحوّل ديمقراطي، وتصبح الممارسة الديمقراطية، في حال حصلت مستقبلًا من خلال الانتخابات، بوابة لزيادة الانقسام والفوضى.

أمام هذا الواقع فإن السلطة لا تملك حلًا لمواجهة هذا التفلت سوى التأكيد على سيادة القانون وتطبيقه على الجميع، ومعاقبة المحرضين من أي طرف كانوا، بالإضافة إلى ضرورة وضع خريطة واضحة للعدالة الانتقالية تمنع استغلال القضية المحقة لذوي ضحايا جرائم الحرب من أطراف داخلية وخارجية وحرفها عن تحقيق هدفها بمحاسبة مجرمي الحرب ومعاقبتهم على جرائمهم، ولا بد أيضًا أن تقوم النخب الدينية والاجتماعية بدورها المتعلق بمواجهة حالة الغوغائية المنتشرة حاليًا، مع التأكيد على مبدأ حرية التعبير ضمن الأصول القانونية، بما يفسح المجال لإمكانية قيام تحوّل ديمقراطي حقيقي يستند على هوية جامعة للسوريين ويحقق الاستقرار والازدهار تاليًا.