الافتتاحية:في نقد “المكوّنات” و”التمثيل”

منذ اللحظة الأولى لسقوط نظام الأسد، انتاب السوريون بمختلف مشاربهم وتوجهاتهم شعورًا غامرًا بأنَّ مرحلة من الفرص والمخاطر غير المحدودة تنتظرهم. وفي حين كان يأملون أن تكون هذه المرحلة الانتقاليّة مرحلة تغيير جوهريّ في طبيعة النظام السياسيّ وعلاقة الدولة بالمجتمع، نحو تأسيس لجمهوريّة جديدة أساسها المواطنة المتساويّة والحريات والعدالة، فإنَّ كثيرين منهم تراجعت أحلامهم بعد مضي سلطة الأمر الواقع، منفردةً، بمرحلة انتقاليّة منقوصة، رسمت شرعيتها بـ”بيان إعلان انتصار الثورة السوريّة” عسكريّ، وجرى فيها استبدال مؤتمر وطنيّ عام بمؤتمر حوار “مدنيّ” على عجل، وغاب مصطلح الديمقراطيّة تمامًا عن خطابها، وتمضي، حتى الآن، في إجراءات تبدو، في الغالب، بهدف وحيد هو الفوز بموافقة دوليّة عليها دون أيّ التفات إلى الداخل السوريّ الذي ظلّ يعاني من الاستبداد وغياب العدالة والحريات لعقود، في غياب لأيّ مسار سياسيّ وطنيّ ديمقراطيّ يُمكن له أن يشكّل القاعدة الحامية لسورية ،التي مازالت في حالة مخاض لولادة دولة، وللمجتمع على امتداده.

في مقابل هذه الوقائع، بدأ يتصاعد الحديث عن “المكوّنات” و”التمثيل” في خطاب عديد من القوى السياسيّة والعسكريّة المعارضة للحُكم الحالي، وكذلك في الخطاب الغربي. ينطلق خطاب “المكوّنات” و”التمثيل” من خطيئة نظريّة، اختزاليّة، وتطييفيّة، حتى وإن لم يدرك حاملوه ذلك، يرى إلى المجتمع بوصفه بناءً مكوّنًا من جماعات ناجزة، محددة المعالم والسمات، وليس من مواطنين متساوين. وفي حين تركّز سلطة الأمر الواقع على اعتبار أنَّ المجتمع السوريّ ليس “مكوّنات” و”طوائف”، فإنَّ هذا الخطاب لا يتماشى مع عديد من السياسات الإقصائيّة التي تتبعها مع القوى السياسيّة التي لها باع طويل في معارضة الأسدين التي لا تلتقيها إلّا إن أرادت أن تعلّن عن حلّها أو “حلّ نفسها بنفسها”. غير أنَّ الخطاب السائد حاليًا الذي تتواتر فيه ضروب القلق بشأن “المكوّنات” و”التمثيل” الذي تتبعه عديد من القوى “التمثيليّة” الطائفيّة والقوميّة المعارضة للسلطة القائمة، وحتى بعض من يطلقون على أنفسهم “علمانيين” أو “ديمقراطيين”، في حال طُبق، لن يقود البلاد سوى إلى منطق محاصصة يُنتج أوليغارشيات جديدة/ قديمة، لا ترى في “المكوّنات” التي تصدّر نفسها ممثلةً وحاميةً لها سوى مطية لتحقيق مكتسبات اقتصادية-سياسية، تستخدم أدوات التعبئة القائمة على العصبيات ما قبل الدولاتيّة، وتمارس قمعًا مستترًا على أعضاء الجماعات التي تدعي تمثيلها. علاوةً على ذلك، فإنَّ خطاب المكوّنات يتيح للسلطة القائمة أن تعمل على خلق “أكثريّة” مساندة لها تقوم على عصبيّة وحدويّة تمحو التنوّع بالمعنى الفرديّ، وليس الجماعاتيّ، لامتلاكها العدّة السلطويّة والخطابيّة والأيديولوجيّة التي تتيح لها التفوّق في هذا المجال على القوى الأخرى. ويُمكن عندئذٍ – بل والأرجح – أن يقول الإسلاميون: إنَّنا جماعة “المسلمين السنّة”، ونريد المناصب، من عمال النظافة في البلديات إلى المناصب العليا في السلطتين التنفيذية والتشريعية وفي الإدارة حسب عدد “جماعتنا” بعد إجراء إحصاء سكانيّ، وعندها سيخسر جميع المختلفين معهم من السنة ومن غيرهم، وسيُقام نظام أسوأ من الذي شهدناه في نظام المحاصصة في لبنان والعراق.

تكمن أهمية النظام الديمقراطيّ الأساسيّة في أنّه يدير التعدد والاختلاف في المجتمع إدارةً سلميةً، والمؤكّد أن أيّ مجتمع، لا سيّما في عالمنا المعاصر، ينطوي على تنوّع كبير ضمن أي جماعة في اختلاف المصالح والتوجهات الفكريّة، مما يجعّل الحديث عن أيّ “مكوّن” ينطوي على إقصاء وتنميط هائلين. وفي حين يضمن النظام الديمقراطيّ إدارة هذا الاختلاف – الذي قد يأخذ شكل الصراع في أوقات معيّنة – بشكل سلميّ وسياسيّ، فإنَّ الديمقراطيّة في شكلها “التوافقيّ” القائم على “المكوّنات” و”التمثيل”، في البلاد التي تفتقد إلى حياة سياسية فاعلة، تتحوّل إلى تركيز للقوّة بين أيدي “أمراء الطوائف”، لتنتج توافقيات متعددة، هي أشبه بالـ”كارتيلات”، على غرار النموذجين اللبنانيّ والعراقيّ.

بملاحظة النموذجين اللبنانيّ والعراقيّ من “الديمقراطيّة التوافقيّة”، نلاحظ تحوّل الطبقة الحاكمة إلى ميّسرة لصفقات تقوض مفاهيم المواطنة، وتعيد، باستمرار، اللعب على وتر الطائفيّة كلما احتاجت إليها، لتبدو في مظهر المدافعة عن مصلحة “الجماعة” في وجه “الآخر”، فيصير كلّ مواطن هو مجرد فرد ضمن جماعة، وليس مواطنًا في مجتمع، في تناقض مع المواطنة المتساوية الشاملة. وفي ظلّ خطورة المرحلة الحاليّة وهشاشتها، لا بد لنا أن ندرك أنَّ مفاهيمًا مثل “المكوّنات” و”التمثيل” قد تقودنا إلى خلق كيانات مفتتة مستترة أو رسميّة لن تقود الدولة الناشئة سوى إلى فشل تلو الآخر، وتزيد من صعوبات النهضة الاقتصاديّة-الاجتماعيّة التي طالما انتظرها السوريون، لا سيّما مع تردد أحاديث عن رغبة إسرائيلية مستمرة في تقسيم سوريا.

في المرحلة الحاليّة، حتى يتسنى للسوريين بحريّة التعبير والتحزب أن يتحوّلوا إلى كائنات سياسيّة بعد عقود جدباء سياسيًا في ظلّ حكم الأسديين، فُرغ فيه المجتمع من معاني السياسة جميعها، لا نرى لخلاص سوريا من عقود المرارة التي عانتها سوى تبني مفهوم للمواطنة المتساويّة في الحقوق والواجبات جميعها، لكنه في الوقت نفسه ليس مفهومًا لانتصار “أكثرويّ” كما تحاول السلطة أن ترمي، بل مفهوم أساسه التوافق بين السوريين جميعًا، لا يقوم على الغلبة، ومن دون إقصاء أو تمييز، مفهوم أساسه سوريا لكلّ السوريين تحت مظلتيّ المساواة والديمقراطيّة.