لا يُمكن اعتبار ما حدث في الساحل السوريّ في 6 آذار وما بعده حدثاً عابراً أو غير ذي أهميّة من تاريخ سوريا بعد سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول لعام 2024، إنمّا يشكّل حدثاً مهمًا في دلالاته الداخليّة والخارجيّة، لما تمثله سوريا من موقع جيوسياسي شديد الحساسية لجوارها متعدد الأعراق والطوائف والأديان، فتركيا من شمالها وعلى حدودها يعيش فيها الملايين من الأكراد والعلويين الأتراك، والأعراق ذات الأغلبيّة العربيّة الشيعية، والكرديّة على حدودها الشرقية، ولبنان ذو التنوّع الدينيّ والمذهبيّ والعرقيّ من عرب مسيحيين وشيعة وعلويين ودروز…إلخ، إضافةً إلى الأردن والكيان الصهيونيّ الحاضر الدائم والمؤثر في أيّ حدث في جنوبها وجنوبها الغربي. لذلك، فإنَّ تلك الدول والمكونات والأطياف والاعراق المذكورة جميعها، وسواءً كانت في إطار دولتها أو ما تحمله من موروث طائفي أو عرقي أو ديني، تعتبر نفسها مستفيدة أو متضررة من أيّ صراع أو متغيّر في المشهد السوري الحالي، وتعطي نفسها المبرر للتدخل في سوريا، إمّا بهدف تغيير ميزان القوى على الأرض، أو من أجل رسم خرائط جديدة في المنطقة، تعدل من خرائط سايكس – بيكو المرسومة منذ القرن الماضي.
بالعودة الى ما حدث في 6 و7 و8 من آذار من هذا العام في الساحل السوريّ من تمرد مسلح في بعض مدن وبلدات المنطقة، ووفق ما ورد من جهات محايدة من الأهالي فيها ومن وأقوال بعض المهتمين بالشأن العام السوريّ والمحللين المتابعين للمشهد المضطرب، قام بهذا التمرد بعض ضباط وعناصر نظام الأسد الهارب ممن فقدوا السلطة والمال تحت شعار (عودة الشرعية للأسد). فاستطاعوا من خلال هذا التمرد العسكري المنظم والمحدد في الزمان والمكان،
السيطرة على عدة مناطق وبلدات ومراكز أمنيّة وعسكريّة للأمن العام، وتصفية المئات منهم دون حساب أو رقيب أو رحمة، كما أقدموا على ممارسة القتل في أكثر من منطقة، وكان الفعل من أجل القتل فحسب، على أيّ كان من المواطنين والأهالي المسالمين، وأحيانًا تم القتل من قبلهم على أساس الهوية، بقصد تأجيج المشاعر الطائفية التي هي بالأساس ملتهبة، وجعلها عابرة للحدود تمهيداً للتدخل الخارجي أو الدولي او لفرض واقع جيوسياسي جديد في المنطقة، مشابه لما هو قائما في شمال شرق سوريا أو في الجنوب السوري أو السيطرة على
العاصمة دمشق بعد فرض حالة من الإرباك والفوضى فيها، مع تحرّك بعض القوة العسكرية النائمة فيها التابعة للنظام الاسدي المهزوم. الأمر الذي دفع بالحكومة الموقتة وفصائلها من هيئة تحرير الشام المتواجدة في المحافظات القريبة من الساحل السوري إلى مواجهة هذا التمرد والسيطرة عليه بعمل عسكري مضاد، نتج عنه مجازر أخرى مروّعة في أكثر من منطقة بحق الأهالي المسالمين والنساء والأطفال، بدافع طائفي أيضًا من بعض الفصائل المتشددة دينيًا أو من بعضها الآخر انتقامًا لما ارتكبه نظام الاسد البائد.
كانت مجازر بشعة فتحت جروح الماضي، وذكرت بمجازر نظام الأسدين بحق الشعب السوري في كلٍّ من سجني تدمر وصيدنايا وفروعهما الأمنيّة، ومن خلال استخدام الأسلحة الكيمائية والصواريخ والبراميل العشوائية على الأهالي، ومن تدمير للمدن والبلدات السورية وتهجير الأهالي منها. وأكّد أكثر من طرف من أهالي المنطقة أنَّ المجازر التي ارتُكبت في الساحل السوري قد تمت من قبل الطرفين، وهي لا يُمكن تبريرها بكل القيم الوطنية والإنسانية والمواثيق الدولية، ويجب وضعها مع جرائم الأسدين التي ارتُكبت منذ سبعينيات القرن الماضي، بما فيها جرائم التوقيف العرفيّ السياسيّ وبسبب الرأي والمعتقد والتظاهر السلمي وجرائم التعذيب والغياب والتهجير وتدمير المدن والمنازل وسرقتها وتعفيشها، في ميزان العدل الوطني والإنساني والديني، وإحالة مرتكبيها ومن أعطى الأوامر بتنفيذها، أيًا كان، للقضاء الوطني العادل لفرض القصاص عليهم بعد تشكيل لجنة مهنية محايدة للتحقيق بها، وتعويض الأهالي وجبر الضرر الذي لحق بهم، بهدف طيّ صفحة الماضي المرير وتحقيق العدالة الانتقالية المنشودة والمصالحة الاجتماعية والسلم الأهليّ.
في سياق ما جرى في الساحل السوري أيضاً، يُمكن وصف هذا التمرد بأنَّه كان مقامرةً سياسيةً ممن قاموا به بمستقبل الدولة السورية، بدم الشعب السوريّ بشكل عام، وبدم الطائفة العلويّة وأهالي المنطقة المسالمين بشكل خاص، كما كان مقامرة دون إدراك لما آل اليه ميزان القوى المحلية والإقليمية، ولا للتوافقات الدولية والإقليمية والعربية في ضرورة أن تبقى المنطقة هادئة ومستقرة، لما حدث فيها بعد التحولات العميقة التي جرت بعد حرب غزة في 7 أكتوبر لعام 2023، والحرب في لبنان على حزب الله وتدمير قدراته العسكرية والميدانية، وسقوط نظام الأسد الجزار، وإنهاءً لما سُميّ بمحور المقاومة وللنفوذ والتواجد العسكري والأمني الإيراني وميليشياته في المنطقة، وبالتالي أصبح مطلب الاستقرار السياسي والأمني في سوريا مطلباً مهماً ومتوافق علية دولياً واوربياً وعربياً. ولا يزال هذا التوافق قائماً
بخصوص الحكومة المؤقتة في دمشق على إعطاؤها فرصة سياسية للاستجابة للاستحقاقات الداخلية والخارجية المطروحة عليها، وأيضاً يُمكن القول إنَّ هذا التمرد قد تم دون وعي لما هو مرسوم للمنطقة عند الإدارة الأميركية – الإسرائيلية بعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض، ولما قد تشهده المنطقة في المرحلة المقبلة بخصوص إيران، المطلوب منها أن تفكك ترسانتها الصاروخية والنووية. لذلك، لا يُمكن أن تسمح الإدارة الأميركيّة بتهديد الاستقرار والهدوء الأمنيّ والسياسي في منطقة الشرق العربي أو عودة الأسد إلى السلطة مجدداً.
في لحظة دراماتيكية مدوية في 8 كانون الاول من عام 2024، استلمت هيئة تحرير الشام بقيادة السيد أحمد الشرع مفاتيح دمشق بعد أن هرب الرئيس السوريّ بشار الأسد المجرم دون أن يفوّض صلاحياته الرئاسيّة الدستوريّة لأحد من المقربين منه أو البعيدين، كما ارتبط مع هذا المشهد السوري، وفي زمن قياسي، انهيار منظومته الأمنية والعسكرية الاستبدادية الفاسدة دون مقاومة تُذكر، رافقها انسحاباً كاملاً للقادة والعناصر الميدانيين الى جهات غير معلومة، وانسحاباً للفصائل والمليشيات الإيرانية والعراقية والأفغانية المكلّفة بحماية النظام
المنهار، وأصبحت في الوقت نفسه خارج سوريا. وفي نفس الوقت تم إنهاء العمل بدستور سورية لعام 2012 من قِبَل القيادة الجديدة في دمشق.
لم يكن الرئيس السوري الأسد، الابن السفاح والهارب من شعبه، بهذه السذاجة أو الغباء، كما كان يصفه الخصوم من معارضة أو صحافة او محللين سياسيين أو نفسانيين، بل تبيّن أنَّه بهروبه المذل لأنصاره ودون أن يفوّض صلاحياته الدستورية لأحد، كان يسعى بفعله هذا أن يجعل من سوريا وشعبها تعيش في فراغ دستوري عميق، يصعب حلّه بمجرد سقوط دمشق في يد فصائل مسلحة قادمة من مدينة إدلب بخبراتها المحدودة لإدارة دولة مترامية الأطراف مثل سوريا. وسواءً كان تصرفه ينبع من وعي أو إدراك ناتج عن خبرته الطويلة في إدارة الحكم أو بفعل مستشاريه أو بنصيحة من داعميه، فهو بالنتيجة أضاف ملفًا شائكًا آخر وأكثر تعقيدًا من الملفات العديدة الأخرى التي يتطلب حلها جهوداً تشاركية لمكونات المجتمع السوري السياسية والاجتماعية والعسكرية جميعًا.
حاولت الادارة الجديدة في سورية خلال المدة الماضية لسيطرتها على دمشق أن تحصل على الشرعية والدعم الدولي والعربي، ومساعدة الخارج في حلّ الملفات الداخلية والخارجية المعقدة من خلال نشاطها عبر وزارة خارجيتها المؤقتة، وذلك من خلال عقدها لمؤتمر حوار وطني وإظهار بأنَّها تتجاوب مع المطالب الدولية والداخلية، غير أنَّ هذا الإجراء لم يلق القبول، ووُجِهت له انتقادات عديدة، وفي مقدمتها بأنَّه لم يكن سيدًا لنفسه، وكان إقصائيًا، ولم تُدع إليه قوى سياسية ومجتمعية هامة، إضافةً الى أنَّه لم يكن أكثر من لقاء تشاوري وتوصياته غير ملزمة للقيادة الجديدة. ثم صدر الإعلان الدستوري المؤقت في 13 آذار، واتضح أنَّه ليس إلا محاولة لتكريس واقع استبدادي جديد، ويمركز صلاحيات واسعة بيد الرئيس المؤقت تمهيداً لمرحلة ما بعد الفترة الانتقاليّة الطويلة التي حددها لمدة خمسة سنوات في الإعلان الدستوري الموقت.
إنَّ الاستحقاق المهم المطروح أمام الادارة الجديدة في سوريا الذي يجنّب البلاد مخاوف إعادة الاستبداد، ويعيد الحياة الديمقراطية للشعب السوري التي فقدها منذ أكثر من خمسة عقود بكامل مفرداتها، ويجنّب سوريا مخاطر التقسيم أو الاحتراب الداخلي والأهلي والطائفي، ويمنع التدخل الخارجي. فالاستحقاق الذي يساعد على وحدة سوريا وعلى ولادة دولة حديثة فيها، تأخذ على عاتقها حلّ ملفاتها المعقدة الموروثة من الزمن البائد، ابتداءً من تحقيق العدالة الانتقالية والسلم الأهلي وإعادة الإعمار وعودة المهجرين والنازحين، ومروراً بتحقيق نهضة اقتصادية وزراعية وتجارية تساعد على تحقيق العدل الاجتماعي، يبدأ بعقد مؤتمر وطني جامع وشامل يمثّل السوريين جميعًا بمكوناته السياسية والاجتماعية والعسكرية، وينتخب هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات التنفيذية لمدة لا تتجاوز سنتين، مع انتخاب هيئة تشريعية ودستورية تضع مسودة دستور دائم ديموقراطي يتساوى فيه المواطنين بالحقوق والواجبات ويُطرح للاستفتاء الشعبي في نهاية المرحلة الانتقالية، كما يُكلف المجلس التشريعيّ المُنتَخَب من المؤتمر العام بصياغة وإقرار قانون انتخاب حديث وعصري، يتم عبره انتخاب رئيس للدولة السوري وانتخاب أعضاء مجلس الأمة أو البرلمان السوري. هذا هو الاستحقاق الذي يلبي طموحات الشعب ويلاقي المطالب الأممية والعربية وهو الذي يمنح الشرعية للحكم الانتقالي في سوريا.
