العدالة الانتقالية في سورية: بين الواقع والضرورة – المحامي محمد علي صايغ

الصراع الانساني لم يتوقف منذ بدء الخليقة، وكان يطلق عليه قديما كان صراع الخير والشر، لكنه في حقيقته صراع مصالح،

سوادء بين الفراد أو الدول، والغلبة دائما لمن يملك القوة ومقتضياتها. والحروب دائما هي نتيجة صراع المصالح الخفي أو

المعلن، وان حاول البشر تغليف الحروب بشعارات وأهداف لها طابع الدفاع عن النفس أو دفع شرور الطرف الخر أو الحفاظ على الحقوق… إلخ. ومع امتداد الحروب وما تخلفه من انتهاكات ومآسي، ومع انتشار الصراع على السلطة والمساك بها عبر النقلبات وظهور النظمة الستبدادية الشمولية التي أمسكت بخناق الشعوب وتجاوزت بممارستها على

أبسط حقوق الانسان. ظهر مفهوم ما يعرف بالعدالة النتقالية، ثم مفهوم المصالحة الوطنية، كمعالجة لثار ما تخللفه تلك الحروب وتجاوزات الأنظمة التي انتهكت الحقوق واستباحتها.

وغالبا ما تنشأ العدالة النتقالية والمصالحة الوطنية في إطار عملية تحلول أو انتقال، إما من الحرب الى السلم، واما من حكم تسلطي إلى حكم ديمقراطي، أو عقب نزاعات مسلحة دولية أو إقليمية أو محلية، وكمعالجة لثار ما تخلفه تلك الحروب من تجاوزات ومن انتهاكات الانظمة على حقوق الانسان

وتعرف العدالة الانتقالية بأنها مجموعة التدابير القضائية وغير القضائية التي يتم تطبيقها لمعالجة ما ورثته الحروب من انتهاكات جسيمة لحقوق الانسان. ول باد عند تناول العدالة النتقالية من التعرف على وجهات النظر أو المقاربات لتسوية جرائم الماضي. وتبرز في هذا المجال ثلث مقاربات:

الأولى: تتمسك بالقصاص العنيف: وترى أن سقوط النظام المستبد أو النتصار في حرب فرصة ثمينة للخذ بالثأر من رأس النظام وأعوانه الذين قاموا بأعمال البطش والتنكيّ، وبالتالي الطاحة برموز النظام السابق واجتثاثهم والثأر من كافة مرتكبي الجرائم بحق الشعب.

الثانية: تدعو الى نسيان الماضي: ويتمسك أصحاب هذا الرأّ بالدفع إلى تأسيس مرحلة جديدة ونسيان الماضي كليةد، بغية

إرساء سلم مجتمعي يشارك فيه طبقات المجتمع جميعها، وتوفير مبالغ طائلة وجهود مضنية في حال اللجوء للعدالة النتقالية التي في النهاية لن تتوصّ إلى عدالة كلية وقد تطال جزئديا أشخادصا ارتكبوا النتهاكات، وأشخاصا قد يكونوا أبرياء غرر بهم أو يدفع بهم على سبيّل الكيد. هذه النظرة تتمسك بالحاضر ونسيان الماضي الذي قد يؤول فيما بعد إلى

.تدهور المستقبل

الثالثة: تتمسك بسياسات الحق والعدل: ويعتبر أصحاب هذا الاتجاه بأن سياسات الحق والعدل هي البديّل العملي لسياسات

القصاص العنيف والنسيان، عن طريق تقديم حزمة متكاملة لتقويم سلوك أجهزة الدولة، ولعادة النظر في الجرائم التي ارتكبت سابقا، والعمّل على محاسبة من ساهم في جرائم الماضي من دون الخلل بالقانون، والعمّل على تجاوز القيود القانونية التقليدية التي تقف عائقا أمام تحقيق العدالة، ومن هنا نشأت فكرة العدالة النتقالية.

ومع استمرار الصراع السورّ لما يقارب الأربعة عشر عاما، بدأ بمظاهرات سلمية احتجاجية مطالبة بالاصلاح في بنية الدولة وأجهزتها القائمة على الفساد والاستبداد والاستئثار بالثروة والسلطة، والدعوة الى مجتمع ديمقراطي تعددّ تداولي تحت سقف

الوطن الواحد وضمن شعار “واحد.. واحد.. الشعب السورّي واحد”، ونتيجة للعنف المضاد من النظام الذّي قوبلت به الحركة الاحتجاجية السلمية تحولت بالتدريج الى العسكرة، وتدخلت أطراف إقليمية ودولية في دعم طرفي النزاع لاذكاء الاحتراب

الداخلي وفقا لجندات متعددة ومتصادمة، حلولت الوطن إلى كرة نار ملتهبة أحرقت الخضر واليابس، ليصّل عدد القتلى إلى مئات الالالف والمهجرين إلى الملايين، هذا عدا المفقودين والمغيبين قسرديا، وتحويّ الصراع إلى حرب بالوكالة عصفت

بالبلد خدمة لمصالح دولية واقليمية منذرةد بتشظي المجتمع، بعد أن تحلول الصراع إلى صراع دولي مباشر تتفاعّل معطياته على الارض السورية.

ولقد أصبح جليا من مسار الحرب وتفاعلتها إرادة القوى الفاعلة كانت تعمّل على إطالة أمد الصراع ومنع انتصار طرف

على آخر إلى حين حصول توافق دولي لحّل القضية السورية. وكان التجاه العام بأن الانتقال السياسي عبر القرارات الدولية

هو المظلة التي يمكن أن تحد أو توقف شللت الدم والدمار، وتمنع تقسيم الوطن، والنقسام في النسيج الجتماعي بالمجتمع، وتهيئ الرضية لمرحلة انتقالية ترسي دعائم النتقال من الستبداد الشمولي إلى العدالة النتقالية تمهيددا لتأسيس

سورية المستقبّل لجميع أبنائها.

ولا شك بأن تطبيق العدالة النتقالية لا يمكن أن يتم إلا بانتهاء النزاع أو سقوط النظام البائد، كما أننه لا يمكن أن تتم

المصالحة الوطنية من دون توافق وطني عبر حوار وطني شامّ حول حقيقة النزاع وآليات الانتقال السياسي ومرتكزاته واصلح بنية الدولة ومرجعياتها، والرؤية الواقعية للعدالة النتقالية تجنيب المجتمع السورّي من عمليات النتقام أو الثأر أو كّل

ما يغذّي عوامّ الكراهية والحقد، ومن دعا لوقوع جرائم جديدة في المستقبّل. ويجب أن يدرك الجميع أن الحوار والتفاوض بشأن

التحلول الديمقراطي هو الضمان لعدم تعرض الوطن إلى العنف بالمستقبّل، وأن يدرك الجميع أيضا أن تأسيس مستقبّل سورية

يتعلق بقدرتهم على تجاوز الماضي ودخول الجميع في شراكة وطنية حقيقية تبعد شبح الماضي ولا تنساه، وتجرّ التسويات والمصالحات، ولا تلغي الذاكرة الجمعية للجرائم والانتهاكات الحاصلة التي ينبغي توثيقها وأرشفتها وتخليد ذكرى ضحاياها.

ومن هنا، فَان تطبيق العدالة النتقالية في سورية يجب ان يتجه الى المحددات المعيارية الأتية:

-1 إذن تطبيق العدالة النتقالية يجب أن يأخذ دللت ونتائج ما آلت إليه الوضاع في سورية واختلل التوازن بين طرفي

الصراع على الأرض، إذ أن القصاص من مرتكبي الجرائم جميعهم والفظاعات من طرفي النزاع أمر غير واقعي نظرا

لضخامة عدد المرتكبين من جهة، ولأن هؤلاء الاشخاص وكياناتهم ومؤسساتهم ستعمّ على إفشال تطبيق العدالة النتقالية

وتقف حجر عثرة في نسف جهود قيامها، وقبّل ذلك نسف الجهود للوصول إلى حّل سياسي توافقي عبر مؤسسات دستورية، ينهي مأساة الحرب والحتراب القائمة، وقد يتحلول بعض المجرمين بدافع الخوف من أن يطالهم القصاص العادل

إلى قنابّل موقوتة يعمدون إلى تفجيرها لعادة إنتاج الصراع بأشكال متعددة مرة ثانية. وبذلك، فَان الاحتكام إلى القانون بأثر

رجعي لمحاسبة جميع مرتكبي الانتهاكات قد يكون له نتائج كارثية لا يمكن التنبؤ بمخاطرها وآثارها ومآلتها.

-2 أولوية المصالحة الوطنية في تطبيق العدالة النتقالية، فسنوات الحرب الطويلة خلفت جروحا عميقة في وجدان المجتمع السوري

، وأحدثت شروخا في النسيج الوطني، ووضعت الافراد والكيانات في مواجهة عدائية بين مؤيد ومعارض. فتنامت الاحقاد ودوافع الانتقام والثأر، مما يقتضي تشكيّ هيئة عليا مستقلة للعدالة والمصالحة تضم ممثلين عن جميع القطاعات المجتمعية
) قضائية، قانونية، أكاديمية، إعلامية، أمنية وعسكرية، صحية، مجتمع مدني
(… لها شخصيتها الاعتبارية

واستقللها الادارّي والمالي، والسعي إلى إعادة بناء الثقة وضمان مشاركة جميع التكوينات الثنية والدينية والمذهبية من أبناء الشعب السورّي، وضمان حقوقهم المشروعة ضمن إطار الهوية الوطنية الجامعة.

-3 إن تطبيق العدالة الانتقالية يحتاج إلى سنوات يتم عبرها بناء مؤسسات العدالة الانتقالية، باحَداث هيئة قضائية مستقلة

تتولى النظر في الانتهاكات الجسيمة بعد إجراء عملية إصلح قضائي شاملة، بما يضمن الكفاءة والنزاهة والعدل، وانشاء لجان لتقصي الحقائق بشأن النتهاكات وكشفها للرأّي العام، وخاصة الجرائم والمجازر الجماعية التي تيعتبر جرائم ضد النسانية واحالة مرتكبي تلك الانتهاكات إلى الهيئة القضائية الجنائية، ورفع الدعاوى بمواجهة المتورطين بالجرائم المختلفة

وجرائم الحرب من الجانب ومن كافة الجنسيات بطلب محاكمتهم أمام المحاكم الدولية. وهذا يتطللب إشراك الضحايا والاستماع إليهم، وانشاء مكتب خاص لتوثيق كافة مراحّل الانتهاكات، واحداث صندوق التعويض وجبر ضرر المتضررين من ذوّ الضحايا والجرحى بوجه خاص.

-4 القرار بمدنية الدولة السورية والحفاظ على مؤسساتها واصلحها، واعادة تشكيّ المؤسسات المنية والعسكرية، وضمان خضوعها للسلطة المدنية، بما يضمن احترام سيادة القانون، وحقوق النسان، والحريات العامة، وعدم التمييز، والمساواة في الحقوق على أساس المواطنة المتساوية والعيش المشترك لجميع تكوينات الشعب السورّي، واطلاق العمّل الحزبي واغلاق

قاعدة الحظر السياسي، وتوسيع دور الجمعيات والمنظمات المدنية ومؤسساتها واخراجها من تبعيتها للاجهزة الحكومية نظرا

إلى أهمية الدور الذّي يمكن أن تلعبه هذه المنظمات في رصد النتهاكات ومتابعتها وتزويد لجان تقصي الحقائق بالمعلومات والبيانات الداعمة لعملها.

-5 التأكيد على وجود ترابط بين العدالة الانتقالية والتحلول إلى الدولة الديمقراطية، وهذا يتطللب وجود إرادة سياسية للانتقال السياسي مقدمة لا بد منها لتطبيق العدالة الانتقالية، بما يسمح بتعزيز دولة المؤسسات، وترسيخ سيادة القانون، وتجاوز

سلبيات الماضي واكراهاته، ومعالجة آثار الحرب ومخلفاتها وانعكاسها على التنلوع المجتمعي الوطني والديني، والحتكام الى العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص بين الجميع بعيددا عن المحسوبيات والامتيازات الخاصة، وفي جو من الحريات الدستورية والقانونية.

تطبيق العدالة النتقالية والمصالحة الوطنية يكتنفها عديد من المعوقات ينبغي العمّل على تجاوزها. وأهم هذه

المعوقات:

-1 عدم وجود وحدة جامعة للنسيج الوطني السورّ المتنلوع، معززةد باستقرار سياسي على كامّ الخريطة السورية، إذ ل بد من انتقال سياسي آمن يلولفر الرضية الملئمة لتطبيق العدالة النتقالية والمصالحة الوطنية، وتوفر الرادة الوطنية السياسية للدخول في عملية توافق سياسي جامع يتحدد من خلله المرجعيات اللزمة التي ستستند إليها آليات العدالة والمصالحة المجتمعية.

-2 عدم وجود الثقة بين بعض الطراف السورية، وخشية أطراف أخرى من وصول سيف العدالة إليها، إذ سيحاول كّل منهما )وخاصة الطراف العسكرية والمنية( عبر أشخاصهم وكياناتهم نسف جهود العدالة النتقالية نظدرا إلى تورط كثيرين

بالنتهاكات سواء بالاعتقال أو الاحتجاز غير القانوني أو القتّل خارج القانون.

-3 إشكالية وضع دستور جديد للبلد، وخاصةد إذا تدخلت أطراف دولية أو مرتبطة بها في صناعة الدستور، بالعمّل على ترسيخ مخططات التقسيم أو تثبيت نفوذ القوى القليمية والدولية على الرض السورية، تدخّل معها البلد في دوامة الصراعات الداخلية البينية أو تدفع نحو حالت الثأر والنتقام.

-4 عدم وجود مرجعية قانونية موثوقة التي ستحكم عمّ المحاكم ولجان الحقيقة، إضافة إلى فساد الجهاز القضائي وترهله.

-5 الفساد المعمم في بنية الدولة والمجتمع الذّي أباح النهب العام العشوائي والمنظم، سيقف حجر عثرة في وجه أّي عملية محاسبة أو مصالحة، وضد أّ انتقال سياسي يعمّ على ترسيخ مبادئ العدالة وارساء نظام قانوني جديد بما يتصادم مع مصالح المافيات القتصادية والسياسية وأصحاب النفوذ والسلطة.

وفي كّل الاحوال،فان العدالة النتقالية والمصالحة الوطنية ستفرض نفسها بعد سقوط النظام المجرم. ولان عقارب الساعة

لا يمكن أن تعود الى الوراء، فَان الازمة السورية وبعد ما يقارب الربعة عشر عاما من الكوارث العسكرية والاقتصادية

والاجتماعية وتدمير البنى التحتية قد أحدثت متغيرات عميقة ومعقدة في تركيبة المجتمع وبنيته، وان الهروب من تطبيق

العدالة والمصالحة سيفتح الباب واسعا على حالت الانتقام والثأر، وقد تجر إلى حالات من العنف بمستويات وأساليب جديدة يمكن أن تدخّل البلد في صراع أهلي وفوضى ل يمكن التكهن بحدودها ومنتهاها، إذا لم يتأسس التغيير الديمقراطي المن الذّي يكفّ سيادة الدستور والقانون واجراء انتخابات برلمانية ورئاسية حرة وذات مصداقية ويؤسس للمواطنة المتساوية، و يعمل

بسرعة على إطلق هيئة العدالة النتقالية التي تضمن العدالة والشفافية والنزاهة، وتؤسس لمرحلة جديدة في تاريخ سورية بعد معاناة مريرة ومآسي مفجعة ألمت بالشعب السورّي العظيم