نظام سقط، وآخر لم يولد بعد
“تكمن الأزمة تحديدًا في أن القديم يحتضر، والجديد لم يولد بعد. وفي ظلّ هذا الفراغ تظهر أعراض مرضية غاية في التنوع”.
- أنطونيو غرامشي، “كراسات السجن” –
تعيش سوريا الآن مشهدًا قمةً في التعقيد. فبعد سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول المنصرم، في انتفاضة قادتها فصائل من المعارضة المسلّحة، ونتيجةً لتراكم نضالات وتضحيات بذلها كثير من المناضلين والمعارضين طيلة فترة حكم الأسدين، صارت البلاد، بين ليلة وضحاها، في حالة فراغ لم يسبق لها مثيل طوال تاريخها الحديث. فلم يسقط رأس النظام وحده، ولا حتى النظام كلّه، بل تتالت آثار السقوط لتجرف معها عديد من المؤسسات والبنى العسكريّة والأمنيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، لتبقى البلاد في حالة تخبّط، تشتد حينًا وتهدأ حينًا آخر، لكنها تترك شكوكًا ومخاوفًا لا حصر لها في عقول السوريين وقلوبهم إزاء مستقبل البلاد.
إن كان إصرار النظام السابق على رفض أيّ حلّ تسوويّ قد قاد البلاد إلى حالة فراغ لا يُمكن تحديد أبعادها بدقة، بعدما أنهكها في حرب وعزلة استمرت لأكثر من 13 عامًا. فإنَّ سلطة الأمر الواقع التي تحكم البلاد منذ سقوط النظام السابق لم تعمل على ردم هذا الفراغ، بل عمقته بعديد من السياسات التي تتبعها حاليًا، وقد تتضمن إشارات إلى محاولتها الاستئثار بالسلطة، أو فرض رؤيتها للحلّ أقلّه. ففي محاولاته لملء الفراغ الهائل القائم، لم تبدِ السلطات الحالية أيّ رغبةً في لقاء القوى السياسيّة التي كانت تخوض معترك المعارضة منذ عقود مضت، ناهيك عن اعتبارها جزءًا من القوى الفاعلة في المشهد السوريّ، فإلى لحظة كتابة هذه المقالة لم يجر توجيه أيّ دعوة لأحزاب سياسيّة عارضت النظام منذ ثمانينيات القرن العشرين وحتى لحظة سقوطه, لحضور الجلسات الحوارية مع اللجنة التحضيرية لـ”مؤتمر الحوار الوطني السوري” التي يُشاع أن المدعوين إلى المؤتمر سيجري اختيارهم عبرها، وسط غموض وبلبلة حول آلية اختيار الحاضرين إلى هذه الجلسات وحتى من يختارهم وأشكال الدعوة إليها. ومن جهة أخرى، دُعيت عديد من الشخصيات التي كانت في عهد النظام السابق، ولا زالت، تُعرّف نفسها بصفة “مدنية” فحسب، وإن كان ثمَّة علامات استفهام كثيرة تحوم حولها. لعلّ من أبرز السياسات التي تعمّق بها سلطة الأمر الواقع حالة الفراغ التي خلّفها النظام يتجلى في “بيان إعلان انتصار الثورة السوريّة” في المؤتمر الذي أقامته “إدارة العمليات العسكريَّة” في 29 كانون الثاني 2025 بحضور لبعض الفصائل وقاداتها، وفي غياب تامٍ للقوى السياسيّة والمدنيّة، لتعلن 9 بنود غير محددة الآجال، كان من أبزرها: تولية السيد “أحمد الشرع” رئاسة البلاد في المرحلة الانتقالية، وتفويضه بتشكيل مجلس تشريعيّ مؤقت للمرحلة الانتقالية، وإلغاء العمل بدستور
سنة 2012. كذلك عملت السلطة على فرض قراءتها الخاصة للقرار الأممي رقم 2254، محاولةً تجاوز روحيته، فاستبدلت المؤتمر الوطنيّ الجامع بمؤتمر للحوار الوطنيّ، دون أن يكون مصدر شرعية المرحلة الانتقالية ومسيّرها، ويُدعى إليه أفراد لا قوى أو تنظيمات أو تجمعات.
بينما لم تقدّم السلطة الجديدة، حتى الآن، تصوّرًا واضحًا عن رؤيتها إلى الشكل الذي تريده للبلاد في خلال المرحلة الانتقالية، إنما مجرد شذرات تتكرر فيها كلمات مثل “عدالة” و”شورى” و”دولة القانون”، فإنّها ما تزال تتصرف على غير وعود رئيس حكومتها الذي كان قد لّخص مهامها في تسيير أعمال المؤسسات والحفاظ عليها، في حين تتحدث عن قرارات استراتيجيّة أوسع من الفترة التي حددتها لنفسها بكثير، مثل الحديث عن النموذج الاقتصادي للبلاد وإجراء تعديلات على المناهج الدراسيّة. بالإضافة إلى تسريح آلاف من الموظفين تعسفيًا في كلّ أنحاء سوريا المنهكة اقتصاديًا لتخلق أزمة اجتماعيّة جديدة تُضاف إلى كوارث إنسانية لا حصر لها عاشها السوريون طيلة ما يُقارب 14 عامًا.
فإذا كانت بعض الخطوات التي تتخذها السلطات الجديدة منفردةً قد تبدو في الظاهر سدًا للفراغ، فإنَّ أيّ خطوة، تتجاوز تسيير الأعمال الذي تحدثت عنه في أعقاب سقوط النظام، من دون أن تكون هذه الخطوة بتشارك وتوافق سوريّ شامل، قد تزيد من المخاطر التي تمرّ، وسوف تمرّ، بها البلاد في هذه الفترة شديدة الحساسية. وتُعدّ بمثابة مؤشر على أنَّ البلاد تعيش فترة مخاض تشكّل نظام لم يولد بعد، فترة قد تطول أو تقصر بقدر ما تقترب من خيار الانتقال الديمقراطيّ السياسيّ الآمن وبقدر ما تمثّل إرادة السوريين وطموحاتهم.
