الافتتاحية:رؤيٌة إلى مهامنا المرحلية

يقف السوريون الآن، بعد سقوط النظام في كانون الأول 2024، حيثما وقف الإيرانيون بعد سقوط نظام الشاه في شباط 1979، وإن كان ثمَّة وجه تشابه بين بداية الحراك الشعبيّ في البلدين حيث تكاتفت القوى الشعبيّة بمختلف اتجاهاتها السياسيّة، وثمَّة اختلاف جليّ في تطوّرات الحدثين جعل الفارق كبيرًا ما بين مشهد نهاية النظام السوري بانتفاضة مسلّحة لفصيل من فصائل المعارضة، ومشهد نهاية نظام الشاه بثورة شعبية ناجحة تكاتفت فيها مختلف القوى السياسيّة من شيوعيّة وليبراليّة وكرديّة وإسلاميّة، فإنَّ تكرار سيناريو إبعاد قوى الإسلام السياسيّ للقوى الأخرى وتفردهم لاحقًا بالسلطة يشكّل أحد أكبر المخاوف لدى شرائح واسعة من السوريين والقوى السياسيّة التي تمتلك تاريخًا عريقًا في معارضة نظام الاستبداد البائد ودفع أعضاؤها أثمانًا باهظة لهذا الموقف.

لن تكون المهام التي وضعتها قوى وأحزاب المعارضة للمرحلة المنصرمة كافيةً أو دقيقةً في المرحلة المقبلة، لا سيّما مع تغيّر ميزان القوى الداخلية والإقليميّة والدوليّة، ووجود رواسب تفرقة وخلاف بين أطراف عديدة منها منذ انطلاقة الانتفاضة السوريّة في العام 2011. لذلك، لا نرى بديلًا عن رؤية تؤسس لوضع برنامج مرحليّ يجري فيه الاتفاق على خطوط عريضة جامعة لكلّ القوى والشخصيات المؤمّنة بأنَّ لا خلاص لهذه البلاد من سيرورة الاستبداد التي امتدت لعقود إلّا بانتقال ديمقراطيّ.

يقوم الدفع باتجاه الانتقال الديمقراطيّ، في رأينا، على اتفاق القوى السياسيّة على خطوات محددة تساهم في رسم ملامح المرحلة المقبلة على طريق بناء نظام ديمقراطيّ أساسه المواطنة المتساوية . بدايةً بوضع أولويات الفترة الانتقالية، أساسها الاتفاق على أولوية الانتقال الديمقراطيّ على كلّ ما عداه، والترفّع عن كلّ الاختلافات الأيديولوجيّة والفكريّة التي يُمكن أن تُؤجّل إلى مرحلة ديمقراطيّة تسمح بنقل هذه الاتجاهات المختلفة، وحتى المتخالفة، إلى بُنى ومستويات أرفع، وما علينا الآن سوى الحرص على بناء الإطار العام لهذه المرحلة. ونرى أنَّ التنسيق مع القوى السياسيّة وبناء تحالفات واسعة، وواضحة المعالم في الوقت ذاته، للقوى الديمقراطيّة، بدايةً من تفاهمات أو تحالفات مرحليّة فحسب، وصولًا إلى تشكيل كتلة وطنيّة ديمقراطية، يُمكن له أن يعزز موقف هذه القوى ويخلق لها أرضية شعبيّة لتعبيرها عن أحلام شرائح واسعة من السوريين وطموحاتهم في تحوّل آمن.

فالانتقال الديمقراطيّ وفق روحية القرار الدوليّ 2254 ليشمل جميع أطياف المجتمع السوريّ عبر مؤتمر وطنيّ جامع وهيئة حكم انتقاليّ يتوافق عليها السوريون لتدير المرحلة الانتقالية لمدة محدَّدة ، هو صمام الأمان الحقيقيّ لجميع السوريين، بما فيهم القاعدة الشعبية للمنتصر عسكريًا، والضامن لاستقرار سوريا الجديدة التي يتربص بها خاسرون من سقوط النظام، وقلقون من عواقب التغيير واحتمال استفراد الإسلاميين بالسلطة في دمشق، وهي الأساس لسلم أهليّ مستدام – بمعناه السياسيّ – وإطلاق سيرورة إعادة بناء سوريا وهي في أمسّ الحاجة إلى جهود جميع أبنائها.

تقوم أهم الركائز المؤسِّسَة للديمقراطيّة، بالنسبة إلى القوى والمنظمات العريقة أو المستجدة على الساحة السوريّة، على تعزيز المشاركة السياسيّة بكلّ أشكالها، والتمسّك بذهنية نقديّة لا تجعلنا أسرى لحالات الذعر المستشرية ولا ثملين بلحظة انقضاء نظام الاستبداد الديكتاتوريّ. ولنخطو الخطوة الأولى في درب الانتقال الديمقراطيّ الوعر، لا بدّ من تفعيل الفضاء السياسيّ الذي ظلّ حبيسًا طيلة فترة حكم الأسدين، باستيعاب الطاقات الجديدة المتحمسة للعمل، وأصحاب الخبرات السياسيّة والتنظيميّة والفكريّة ممن ابتعدوا عن العمل الحزبيّ والسياسيّ الصريح لفترات متفاوتة. والانتقال التدريجيّ في الأحزاب من عقلية السريّة إلى العلنيّة، فظهور القوى السياسيّة إلى النور في الفضاء العام بأشكال مختلفة يساهم في خلق مناخ تعدديّ مجاوز للانتماءات الضيقة، يجنب السوريين أن ترتبط مصائرهم وأحلامهم بملوك الطوائف.

ستكون هذه العوامل مجتمعةً حجر الأساس لفضاء جديد يقوم على المشاركة السياسيّة وتوسيع الفضاء العام، حجر الأساس في ضمان سلوك سوريا درب الديمقراطية الآمن (أو أقل الدروب خطرًا)، وتجنب الانتقال من سيرورة استبداد إلى أخرى، بعناوين ومضامين مختلفة. فالنظام الديمقراطيّ، أو غيره من الأنظمة السياسيّة، لن يرسي يوطوبيا على الأرض، لكنه، بالتأكيد، سيفتح المجال أمام جميع السوريين للمساهمة الفعّالة في البناء والقضاء على ضروب قلقهم إزاء مستقبل لا يزال مفتوحًا على كافة الاحتمالات.