العدد الثامن والسبعون من جريدة المسار – تموز ٢٠٢٣

  • الافتتاحية: من أجل تشكيل تحالف ديمقراطي سوري عريض.
  • الشراكة بين هيئة التنسيق و “مسد” ضرورة لمستقبل سوريا – فهيم تاشتكين.
  • قراءة سياسية في وثيقة التوافق بين مجلس سوريا الديمقراطية وهيئة التنسيق الوطنية.
  • اتفاق جديد في حقول المعارضة السورية الجرداء – موفق نيربية.
  • ضرورات تجاوز المأزق – يوسف الطويل.
  • هل كانت الحرب الأهلية السورية ضرورة؟ – مازن كم الماز.
  • فكرة التزاوج السياسي لليساريين مع الإسلاميين (المعارضة السورية نموذجاً) – محمد سيد رصاص

الافتتاحية:

من أجل تشكيل تحالف ديمقراطي سوري عريض

في عام 2016 قالت فريدريكا موغيريني، مفوضة الاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية، العبارة التالية أمام وفد من معارضين سوريين: “تزعم الاسلاميين للمعارضة السورية أحد عوائق التغيير في سوريا”. وقبل سنة من هذا القول رأينا كيف ساندت الولايات المتحدة ودعمت التدخل العسكري الروسي في سوريا لما تقدمت المعارضة الاسلامية المسلحة في محافظة إدلب وفي منطقة سهل الغاب وهددت أطراف الساحل وحمص ثم قطعت طريق دمشق- حمص، وهو ماانكشف مؤخراً كيف أن هذا التدخل العسكري الروسي كانت تدفع تكاليفه دولة الإمارات.

على الأرجح أن كلام موغيريني يعبر عن الوقائع السورية في فترة أزمة 2011-2023، ولكنه يخفي أن الولايات المتحدة شجعت الاسلاميين على استلام السلطة في تونس ومصر بعامي 2011 و 2012 مشاركتهم في السلطة في ليبيا واليمن بعد سقوط القذافي وعلي عبدالله صالح، ويخفي أن واشنطن، بالتعاضد مع الأوروبيين والأتراك والقطريين، قد ساندت قيام “المجلس الوطني “الذي تزعمه (الاخوان المسلمون السوريون)في خريف 2011 وهو كان محضراً من أجل تنفيذ “سيناريو ليبي”في سوريا على طراز “المجلس الوطني الليبي”بزعامة مصطفى عبدالجليل الذي كان واجهة محلية للعنف المعارض الليبي ضد عنف السلطة وواجهة لتدخل حلف الأطلسي العسكري بزعامة فرنسية وقيادة من الخلف أميركية وهو ماكان أردوغان يطمح إلى دور الرئيس الفرنسي في سوريا برضا أوباما،ولكن الفيتو الروسي في مجلس الأمن ثم ارسال قطع الأسطول الروسي للبحر الأسود إلى الساحل السوري قد منع تكرار ذلك السيناريو الليبي سورياً.

كلام موغيريني صحيح في وقته وربما  في فترة ما بعد سكوت أوباما على انقلاب العسكر المصري على حكم جماعة الاخوان المسلمين في 3 يوليو 2013، وهو ما أعقبه سقوط حكم الإسلاميين في تونس وصولاً إلى “سيسي تونسي”ممثلاً في قيس سعيد،وأعقبه بداية التنسيق الأميركي- الروسي منذ عام 2013 في سوريا وهو ماعنى تخلي واشنطن عن “مشروع التغيير السوري”الذي كان الرئيس الأميركي باراك أوباما يوحي منذ خطاب 18 آب\أغسطس 2011 بأنه من مناصريه.

هنا يجب تسجيل أن ليبراليين ويساريين سوريين منذ “اعلان دمشق”عام 2005، ومن ثم “المجلس” عام 2011 و “الائتلاف” عام 2012، كانوا متحالفين مع الاسلاميين ويشكلون الغطاء اليساري والعلماني والليبرالي للاسلاميين،وهو مااعترف المراقب العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين السوريين علي البيانوني بأنهم كانوا يحتاجوا ذلك الغطاء.

ولكن وكما تم نزع الغطاء الغربي الأميركي- الأوروبي عن الاسلاميين منذ عام 2013 فإن الأب الشرعي السوري لتحالف الاسلاميين مع الديمقراطيين بفرعيهم اليساري والليبرالي، أي رياض الترك،قد اعترف عام 2018 بأن هذه التجربة التحالفية كانت فاشلة، وهو ما رأينا بعده تقاطرات من ليبراليين ويساريين على “النقد الذاتي”تجاه ذلك واعلان الطلاق من ذلك الزواج.

ربما يكون هذا تحولاً دراماتيكياً في المعارضة السورية،أي ابتعاد الديمقراطيين بفرعيهم الليبرالي واليساري عن الاسلاميين بعد محطات فاشلة في “إعلان دمشق”و”المجلس”و”الائتلاف” استغرقت عقدين من الزمن،كان فيها صوت الرافضين  في “تجمع اليسار الماركسي- تيم”(2007)و”الخط الثالث”(2008) و “هيئة التنسيق الوطنية”(منذ 2011) لهذا التحالف الديمقراطي- الاسلامي ضعيفاً أوليس قوياً وموازياً لقوة الطرف الآخر في المعارضة السورية.

خلال السنوات الخمس الأخيرة رأينا كثيراً ممن كانوا في “اعلان دمشق”و”المجلس”و”الائتلاف”يتجهون نحو اشهار سلاح الخصومة السياسية مع الاسلاميين ويعلنون المراجعة لتلك التجارب مع اتجاه عندهم باتجاه لقاءات وحوارات مع “هيئة التنسيق الوطنية”وباتجاه تشكيل لقاءات مع “مجلس سوريا الديمقراطية- مسد”في “بروكسل “و”استوكهولم”.

بالتوازي مع هذا بدأت في أيلول2020جولات حوارية بين “هيئة التنسيق الوطنية”و”مجلس سوريا الديمقراطية- مسد”، كانت آخر جولاتها هذا العام وهو ماأنتج وثيقة 24حزيران2023.

من ردود الفعل على الوثيقة يتضح رفض لها عند القوميين المتشددين العرب والكرد،وترحيب واسع بها من قبل الطيف الديمقراطي السوري بفرعيه اليساري والليبرالي،مع توجس رافض  لها من قبل الإسلاميين الذين يرتبطون بهذا الشكل أوذاك مع تركيا أردوغان.

يمكن أن يعطي هذا صورة عن جنين مستقبلي، أي “قطب ديمقراطي سوري معارض”في موازاة “القطب الإسلامي المعارض السوري”الذي كان كارثة في 2011-2023 كما كان كارثة في أحداث 1979-1982، ولم ينتج سوى الفشل والخراب والخيبات  وكان كارثة على المعارضة والمعارضين وعلى البلد. والكثيرون  قد قالوا بأن (وثيقة 24 حزيران) “يبنى عليها” من أجل تشكيل “تحالف ديمقراطي عريض” يكون هو المنصة الرئيسية للمعارضة السورية  ولتضم كل الطيف الديمقراطي السوري لمواجهة مقبل الأيام السورية في ظل استقطاب دولي أميركي- روسي سينعكس سورياً   واستقطاب اقليمي حول سوريا  تقف فيه طهران مع موسكو وتأرجح تركي بين موسكو وواشنطن وخاصة في ظل  موافقة تركيا على دخول السويد لحلف الأطلسي التي قام بها أردوغان في قمة حلف الأطلسي الأخيرة في ليتوانيا والتي يمكن أن تقود إلى تباعد تركي- روسي في الساحة السورية.

الشراكة بين هيئة التنسيق و “مسد” ضرورة لمستقبل سوريا

فهيم تاشتكين

“المركز الكردي للدراسات”- 1\7\2023

التقدير السائد في سوريا هو أنه عندما تنسحب الولايات المتحدة من المنطقة، سيتم حل كل من قوات سوريا الديمقراطية والتحالف المحلي الذي أسسه الكرد. ومع ذلك، فإن شراكة الكرد مع العرب والآشوريين والتركمان جزئيًا، وغيرهم من الشعوب الأقل كثافة سكانية، على أساس الدفاع عن النفس والإدارة، بدأت قبل وصول الأمريكيين إلى المنطقة.

أن تُترك بدون بديل يعادل خنقك.

ما يفرض على الكرد في سوريا من قبل جهات مختلفة هو إلغاء البدائل. الشيء ذاته سار أيضاً بالنسبة للأطراف الشريكة للكرد. عندما اندلعت الأزمة السورية، كان المهووسون بطروحات “العثمانية الجديدة” غافلون أيضاً عن رؤية موقع ودور الكرد في المعادلة: “الكرد كانوا الفئة المظلومة من الأمة”. هكذا كانت المعادلة في سوريا أيضاً.

أثناء قيام “الثورة”، كان على الكرد أن يتصرفوا دون أن ينسوا اضطهادهم، لكن بتواضع لحد الاكتفاء بالمساحة الممنوحة لهم. بهذا المنطق الي يتم الترويج له، كان عليهم الانضمام إلى قوات المعارضة، لا إنشاء رؤيتهم الخاصة من خلال بناء إدارة ذاتية. لو أنّهم أدّوا ما طلب منهم، وحجزوا مقعدهم في “مجموعة أصدقاء سوريا”، التي حولت سوريا إلى جحيم من خلال تنفيذ أجندات تركيا، لما كانوا قد تعرضوا لضربات درع الفرات أو غصن الزيتون أو نبع السلام العقابية. لكنّهم لم يروا في هذا العرض بديلاً مناسباً لهم.

كما أن الشراكة التي قدمتها الولايات المتحدة، والتي أدت إلى إطلاق مزاعم “إقامة الدولة الكردية” الصاخبة خلت أيضاً من أي ضمانات أو وجهات نظر سياسية وهي لا تزال كذلك. الوجود الأميركي في سوريا يدور حول كل شيء ما عدا المشروع السياسي الكردي: أمن إسرائيل، وقطع طريق إيران وإبقاء دمشق مشلولة على الجبهات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية، إلخ. لا يوجد التزام أمريكي بمستقبل الإدارة الذاتية الديمقراطية، حسب ما يؤكّده ممثلو قوات سوريا الديمقراطية (قسد) أو مجلس سوريا الديمقراطية (مسد) في المحادثات الخاصة قائلين بأن الشراكة التي قدّمها الأمريكيون لا تحتوي على أي ضمانات لمستقبل الكرد.

كما تغيّر الخيار الذي قدمه الروس بالتوازي مع التحوّل في العلاقات التركية الروسية. من الاقتراح الخاص في أستانا بالإدارة الذاتية الثقافية، وصل الطرح الروسي أخيراً إلى مقولة “تسليم المنطقة للحكومة السورية، سينهي التهديد العسكري التركي تلقائياً”. خرج اجتماع أستانا في 20-21 حزيران (يونيو) الفائت ببيان وصف الإدارة الذاتية “بالانفصالي”. وجاء في البيان الذي وقّعته تركيا وروسيا وإيران رفض “الخطوات غير المشروعة للإدارة الذاتية” و”نهب عائدات النفط. وذهب ممثلو روسيا أبعد من ذلك، متّهمين الولايات المتحدة بـ “دعم المنظمات الكردية لتشكيل شبه دولة” و “منع الحوار مع دمشق”.

في المقابل من وجهة النظر الكردية، فإن البديل لمواجهة عداء تركيا التي كرست مواردها وقوتها ضد الإدارة الذاتية، كان الحصول على مساحة ما من خلال التفاوض مع دمشق بدعم من الروس. لكن تأثير تركيا على مسار أستانا أدّى أيضاً إلى تلغيم هذا الطريق.

تم طرح بعض المبادرات على وقع المخاوف من أن يؤدي السلام بين دمشق وأنقرة إلى خلق جبهة مشتركة ضد مشروع الإدارة الذاتية، منها:

– تم طرح مبادرة من تسعة بنود لحل سلمي لجميع الأطراف المتورطة في الأزمة السورية، لكن لم تثر المبادرة اهتمام أي جهة دولية فاعلة.

– أجريت اتصالات مع دول عربية قامت بتطبيع علاقاتها مع كل من دمشق وأنقرة حول إمكانية استخدام أي منها لنفوذها لصالح الحوار مع الإدارة الذاتية.

– كذلك بدأ حوار مع مختلف جبهات المعارضة السورية بحثاً عن أرضية مشتركة.

جماعات المعارضة الخاضعة لسيطرة تركيا لا تحيد قيد أنملة عن رؤية أنقرة للإدارة الذاتية، فهي ترفض المكاسب الفعلية للكرد بنفس اللغة والأسلوب.

الاستثناء الوحيد على جبهة المعارضة هو هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي.

قدمت الهيئة منذ البداية في عام 2011 رؤيتها لحل القضية الكردية وقامت بالتنسيق مع حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) في العمل السياسي المعارض. وتتألف الهيئة من 13 حزباً بتوجّهات يسارية وقومية.

مع بداية الشراكة بين الولايات المتحدة وقوات سوريا الديمقراطية في الحرب ضد داعش، وتحوّل مشروع المقاطعات الثلاثة المكونة من عفرين وكوباني والجزيرة إلى مشروع فدرالية مرتقبة، حدث الانفصال بين الكرد وهيئة التنسيق التي اعتبرت هذه الخطوات مقدمة للتقسيم. وهذا التقييم أنهى شراكتها مع حزب الاتحاد الديمقراطي.

عندما تأسس مجلس سوريا الديمقراطية (مسد) في عام 2016، تم انتخاب هيثم مناع، أحد الشخصيات البارزة في هيئة التنسيق الوطنية كرئيس مشارك. مناع غادر منصبه احتجاجا على مشروع الإدارة الذاتية. ومع ذلك، التزم الشيخ رياض درار، الذي أقام علاقات مع الكرد في هيئة التنسيق الوطنية، مع مجلس سوريا الديمقراطية، وهو إمام سابق من دير الزور، وعربي يدافع عن مشروع الإدارة الذاتية. وهو معارض قضى 5 سنوات في السجن بسبب حديثه في جنازة الشيخ معشوق الحزنوي الذي اختطف وقتل عام 2005 (على أيدي مخابرات النظام السوري(.

كرئيس مشارك لمجلس سوريا الديمقراطية، يحافظ درار على شراكته مع الكرد. بجهوده عقدت 3 اجتماعات في سوريا و 5 في دول أوروبية خلال العامين الماضيين مع هيئة التنسيق الوطنية. وأخيراً، تم تحقيق الشراكة المستهدفة في منعطف حاسم.

حضر الاجتماع الذي تم فيه الإعلان عن الشراكة بينهما بتاريخ 24 حزيران (يونيو) الرئيسان المشاركان لمجلس سوريا الديمقراطية أمينة عمر ورياض درار من القامشلي والمنسق العام لهيئة التنسيق لقوى التغيير الوطني حسن عبد العظيم ومساعدوه من دمشق.

على عكس الجهات المعارضة المتمركزة في اسطنبول والدوحة والرياض والقاهرة، فإن هيئة التنسيق تتمتع بشرعية أكبر باعتبارها “المعارضة الداخلية”. على الرغم من تعرض أفرادها للقمع، إلا أنهم لم يغادروا دمشق. عارضوا التدخل الأجنبي والتسليح، ورفضوا مساعي قطر وتركيا لتطوير بدائل عبر الإخوان.

البيان الختامي للشراكة يفنّد جميع الاتهامات التي ضمّنتها تركيا في مسار أستانا. يحتوي الإعلان الختامي على تصريحات قوية تؤكد على وحدة أراضي سوريا وسيادتها.

أبرز هذه النقاط هي:

– إنشاء جبهة وطنية من القوى الثورية لأجل سوريا ديمقراطية.

– اعتبار التغيير الديمقراطي السبيل الوحيد للخروج من الأزمة والتأكيد على عدم جواز استبعاد أي طرف من عملية الحل وفقًا لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254.

ومن المعروف أن تركيا تمنع مشاركة الإدارة الذاتية في مسار جنيف. ومع ذلك، على الرغم من استبعادهم في البداية، تشارك هيئة التنسيق في لجنة إعداد الدستور بخمسة أعضاء. اهتم الروس بمشاركتهم في المسار. بطبيعة الحال، فإن الشراكة التي تم تأسيسها تمنح الكرد شريكاً على طاولة لا يمكنهم الجلوس عليها.

– يتشارك الطرفان في ضرورة إنهاء كل التنظيمات الإرهابية، ولا داعي للتذكير بأن هذه التنظيمات تتركز في إدلب وما حولها حيث تشكل تركيا درعاً لها.

– إقامة دولة ديمقراطية تقوم على نظام لامركزي تعددي، ويعني هذا الاتّخاذ من الإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا نموذجاً في كل سوريا.

– رفض الإقصاء والتمييز على أساس الجنسية أو الدين أو المذهب أو الجنس أو الميول السياسية.

– اقتراح “مشروع دولة ديمقراطية ورفض كل المحاولات الانفصالية التي تهدد وحدة سوريا الجغرافية والسياسية”، وهذا البند ردّ على أولئك الذين يتّهمون الإدارة الذاتية بالمساعي الانفصالية.

– التأكيد على ضرورة مغادرة على كل الجماعات والميليشيات غير السورية للبلاد.

– التأكيد على ضرورة “وقف جميع أشكال العنف والعمليات العسكرية”.

– رفض جميع أنواع التغييرات الديموغرافية واتخاذ تدابير لضمان العودة الآمنة والطوعية للمهاجرين واللاجئين. وهنا أيضاً إشارة إلى خطة تركيا لإنشاء منطقة آمنة بعمق 32 كم ونقل اللاجئين إلى المدن التي سيتم إنشاءها هناك. يُنظر إلى هذه الخطة على أنها تدخل في التركيبة الديمغرافية ضد الكرد.

– الثروات الوطنية ملك للشعب السوري. السيطرة على حقول النفط والغاز في رميلان والحسكة ودير الزور تشكل أساس الاتهامات ضد الإدارة الذاتية. وقد ورد في الإعلان أن هذه الثروات ملك لسوريا كلها.

– الدعوة للإفراج عن جميع معتقلي الفكر والنشطاء السياسيين، وتحديد مصير القتلى والمغيبين في السجون.

تؤدي هيئة التنسيق الوطنية دور الترياق ضد اتّهامات “العمالة للخارج”.

محاولات إغواء الهيئة من خلال هيثم مناع تعطي فكرة عن أصالة هذه الكتلة. كتبت بإسهاب عن بعض الحكايات التي شاركها مناع معي في باريس في كتابي عن سوريا. اسمحوا لي أن ألخص بإيجاز:

سفير الولايات المتحدة السابق في دمشق روبرت فورد يلتقي بمناع في حانة بالقرب من محطة قطار سان لازار في باريس في 6 آب 2013، وفي حوزته أجندة لتسليح المعارضة. ينتهي الحوار بـ:

مناع: لماذا لا تتوقفون عن دعم الجماعات المسلحة؟

فورد: “ليس من المصلحة الأمريكية إيقاف الحرب في سوريا الآن”.

مناع: إذن أنا عدوكم لا تنتظر مني صداقة.

تندرج كتلة معارضة رفضت الحرب بالوكالة والتدخلات القذرة في سوريا ضمن فئة “غير المرغوب بهم”، خاصة من جانب تركيا.

على الرغم من محدودية تأثير الشراكة مع هيئة التنسيق الوطنية في الميدان، إلا أنه قد يضيف قوة خطابية للإدارة الذاتية. يمكن لهذه الشراكة أن تكسر الأجواء العامة التي تجرّم الكرد بسبب شراكتهم مع الولايات المتحدة، أو تفتح قناة في دمشق تسمح لإسماع أصواتهم. كانت الشراكات التي أقيمت مع السكان العرب في الرقة والحسكة ودير الزور مهمة للغاية في إدارة المنطقة. ومع ذلك، فإن تأثير هذه الشراكة، التي تطورت على أساس المصالح، على عمليات اتخاذ القرار في دمشق محدود.

التقدير السائد في الإدارة السورية هو أنه عندما تنسحب الولايات المتحدة من المنطقة، سيتم حل كل من قوات سوريا الديمقراطية والتحالف المحلي الذي أنشأه الكرد. ومع ذلك، فإن شراكة الكرد مع العرب والآشوريين والتركمان جزئياً وغيرهم من الشعوب الأقل كثافة سكانية على أساس الدفاع عن النفس والإدارة بدأت قبل وصول الأمريكيين إلى المنطقة. ظهرت قوة عسكرية لا يمكن إنكارها بخبرة تراكمية في الإدارة. في نهاية المطاف، إذا لم تشهد دمشق انجرافاً جذرياً نحو فتح جبهة ضد الكرد بما يتماشى مع توقّعات أنقرة، فهناك حاجة للتعاون مع تيارات مثل هيئة التنسيق الوطنية حتى يتمكن السوريون من إيجاد حل داخلي.

المصدر: موقع غازيتي دوفار

قراءة سياسية في وثيقة التوافق بين مجلس سوريا الديمقراطية وهيئة التنسيق الوطنية

   بتاريخ 24/6/2023 تم التوقيع على وثيقة التوافق بين مجلس سوريا الديمقراطية وهيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي، وهي وثيقة تحمل الكثير من روح المسؤولية الوطنية لإنهاء الاستبداد وإنجاز الدولة الوطنية الديمقراطية اللامركزية، والانتقال من حالة الدولة الاستبدادية إلى حالة الدولة الديمقراطية، والمساواة بين المكونات السورية وكل السوريين، وحماية وحدة البلاد وإخراج كافة القوى الأجنبية منها، وبناء سوريا الديمقراطية دون تدخل خارجي، والتأسيس لبناء جبهة وطنية ديمقراطية سورية عريضة لقوى الثورة والمعارضة السورية تتبنى مشروع التغيير الوطني الديمقراطي.

   بقراءة دقيقة للوثيقة اعتباراً من المقدمة إلى الفقرات الخمس التي تضمنتها الوثيقة يتفق حزبينا مع محتوى الوثيقة من حيث خطها العام من أجل التأسيس لجبهة وطنية معارضة عريضة إلى الانتقال من حالة الدولة الاستبدادية إلى حالة الدولة الديمقراطية، والمساواة بين المكونات السورية وحماية وحدة البلاد ورفض التدخل الخارجي، وبالرغم من أن هذا التوافق يساعد على النضال ضد النظام الدكتاتوري، ويعتبر خطوة نحو الأمام، فإننا نؤكد على ملاحظات ونواقص جدية تضعف هذا التوافق، وتلحق الغبن بالمكونات السورية وبالوطن السوري وسيادة سوريا، وكان لابد من إيرادها في الوثيقة، ومن هذه الملاحظات:

1- من المفيد التأكيد الوارد في الوثيقة على المساواة بين المكونات السورية، ولكن ما يؤخذ على الوثيقة هو عدم ذكر المكونات الأساسية، وعدم التأكيد على ضرورة تمتعها بحقوقها القومية والديمقراطية في الدستور القادم للبلاد لأن من شأن هذا التأكيد أن يؤدي إلى خلق الثقة والطمأنينة لدى كافة المكونات السورية على مستقبلها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن مسألة عدم الاعتراف بوجود المكونات السورية وحقوقها دستورياً هو أحد أسباب الأزمة السورية بالإضافة إلى أنها تشكل جوهر سياسة الإدارة الذاتية ووثائقها، وأيضاً من أهداف كافة الأحزاب والقوى السياسية المنضوية في إطار مجلس سوريا الديمقراطية بمختلف انتماءاتها القومية، ولأن تثبيت هذه المسألة في وثيقة التوافق الآن سيساعد نضال الطرفين مجلس سوريا الديمقراطية وهيئة التنسيق الوطنية في العمل المستقبلي من أجل بناء الجبهة الوطنية الديمقراطية، وإننا إذ نؤكد على قناعتنا هذه فإننا نعيد إلى الأذهان بأننا كنا من مؤسسي هيئة التنسيق الوطنية، وأن الهيئة لم تمانع في الاعتراف بوجود المكون الكردي، وأن وثائقها تؤكد على ضرورة حل القضية الكردية في سوريا بشكل ديمقراطي حيث ورد في الوثيقة الاساسية لهيئة التنسيق الوطنية في حينها وبالحرف /الاقرار الدستوري بوجود الشعب الكردي وحل قضيته حلا ديمقراطيا عادلا في اطارها الوطني العام وعلى قاعدة وحدة البلاد ارضا وشعبا /.

2- وردت في الوثيقة عبارة: ((ويرفض كافة المشاريع والمحاولات التقسيمية والانفصالية التي تهدد وحدة سوريا أرضاً وشعباً)). ونحن من جهتنا أيضاً نرفض مثل هذا التوجه جملة وتفصيلاً إن وجد، ولكننا نرى بأنه لم تكن هناك حاجة أو ضرورة لهذه العبارة لسببين هما:

أ- ليست هناك في سوريا مشاريع تقسيمية بالأساس، كل القوى السياسية السورية وعلى الأخص القوى والأحزاب السياسية الكردية لا تطرح أي تقسيم لسوريا، بل لا يوجد تنظيم سياسي كردي واحد يطرح مثل هذا الأمر، بالعكس من ذلك هي تحارب تقسيم سوريا وتطالب بالحقوق القومية والديمقراطية للشعب الكردي في إطار الدولة السورية الواحدة، وفي إطار حماية الحدود الدولية لسوريا والدفاع عنها.

ب- إن هذه العبارة تخلق حساسية شديدة لدى المكون الكردي لأنه متهم منذ عقود طويلة من قبل القوميين والشوفينيين العرب بأن الكرد يحاولون الانفصال وتقسيم سوريا، خاصة أن هذه المسألة شكلت وتشكل حتى الآن جوهر دعاية الأنظمة التي تعاقبت على الحكم في سوريا وحتى النظام الدكتاتوري الحالي الذي يغذي هذه التوجهات المعادية لنضال الشعب الكردي في سوريا من أجل التمتع بحقوقه القومية والديمقراطية، وتؤثر هذه الدعاية الشوفينية على أفكار وتوجهات العديد من السوريين بما في ذلك العديد من القوى والأحزاب السياسية المعارضة، وهي أيضاً جزء رئيسي من دعايات كل من تركيا وإيران، وحتى روسيا انجرت إلى هذا الموقف من خلال تصريحات وزير خارجيتها، وكان ذلك واضحاً أيضاً في البيان الختامي للاجتماع رقم /20/ لمحور أستانا.

   إن هذه المسألة تثير الكرد السوريين، وهذا الاتهام لهم هو بمثابة سيف ديموقليس لأن مطالبتهم بحقوقهم القومية والديمقراطية ورفضهم للاضطهاد القومي الواقع عليهم يعني بالنسبة للجهات المذكورة وكأن الكرد يطالبون بالانفصال، ومن جهة أخرى فإن هذه العبارة تثير المكونات الأخرى وبخاصة المكون العربي وتضعف ثقته بالمكون الكردي الذي – وبحسب الدعايات المضللة – يظهر وكأنه مكون انفصالي.

   للسببين المذكورين كان الأصح أن يتم التأكيد في الوثيقة على أهمية العمل من أجل وحدة سوريا أرضاً وشعباً مع التأكيد على الدفاع عن الحدود الدولية لسوريا.

3- إن تحرير الأراضي السورية المحتلة من قبل النظام التركي ومرتزقته، وبخاصة مناطق عفرين، سريكانيه، كري سبي، جرابلس، الباب، إعزاز وغيرها من الأراضي السورية ومحاربة سياسة التغيير الديموغرافي واجب وطني على كل السوريين وكان من الواجب إضافته إلى هذه الوثيقة.

4- تزامناً مع المطالبة بالحل السياسي للأزمة السورية كان من الضروري التركيز على الحوار السوري – السوري الذي طالما تعمل من أجله الإدارة الذاتية ومجلس سوريا الديمقراطية وتثبيته في الوثيقة باعتباره المخرج الرئيسي للأزمة السورية.

5- إن اتفاقيات أضنة الأمنية المبرمة بين النظام السوري والدولة التركية تشكل خطراً على وحدة الأراضي السورية وخرق سيادتها باعتبار أنها تسمح لتركيا القيام بعمليات عسكرية على الأراضي السورية، وتعطي لها المبرر أيضاً باحتلال الأراضي السورية، وكان من الضروري تثبيتها في الوثيقة خاصة وأن الطرفين موافقان على هذه النقطة.

6- إن العمل في مجلس سوريا الديمقراطية هو عمل مؤسساتي بالنظر إلى أن المجلس يتكون من العديد من القوى السياسية والاجتماعية، وباعتبار أن وثيقة التوافق هذه بين مجلس سوريا الديمقراطية وهيئة التنسيق الوطنية، وما قد يترتب على ذلك من بناء جبهة ديمقراطية عريضة بانضمام أطراف أخرى من المعارضة الوطنية الديمقراطية هو عمل سياسي مهم، كان يجب أن تعرض مسودة الميثاق على القوى السياسية والاجتماعية المنضوية في إطار المجلس.

26/حزيران/2023                                                                                              الحزب اليساري الكردي في سوريا

الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا (البارتي)

اتفاق جديد في حقول المعارضة السورية الجرداء

موفق نيربية

4 \ 7\ 2023 – جريدة  “القدس العربي”

وقّعت هيئة التنسيق الوطني في سوريا ومجلس سوريا الديمقراطية في الأسبوع الماضي، اتفاق تفاهم مهم، ورد فيه ما قلّ ودلّ، ليس على عادة السوريين والعرب عموماً. قيل في ذلك الاتفاق إنه يهدف إلى التأسيس لبناء «جبهة وطنية ديمقراطية عريضة لقوى الثورة والمعارضة»، تتبنّى مشروع «التغيير الوطني الديمقراطي والتحوّل من الاستبداد إلى الديمقراطية».

على الرغم من صيغة «الجبهة» التي أصبحت عنواناً للفشل، خصوصاً لدى النظام السوري، والتي تذكّر أيضاً بالصمود والتصدّي والكفاحية العالية من دون مردود أو مع مردود معكوس؛ فإن الهدف صحيح جداً في جوهره، وهو المطلوب الرئيس في فضاء المعارضة الوطنية المرهقة بالفشل والهزائم. الأهم كثيراً من العنوان الصاخب، هو تقديم مشروع التغيير، وإنهاء الاستبداد وإقامة دولة ديمقراطية حديثة، ذلك يعني في ما يعنيه أن طريق التفاوض مع النظام مفتوح، ولكن من وجهة نظرٍ معارِضة تماماً، ليست جاهزة للتنازل عن المطلب الطبيعي الذي دفع السوريون من أجله تضحيات هائلة بكلّ شيء والمعتَرف بشرعيّته؛ أو لتعزيز ادّعاءات الأسد بالنصر. ذلك ضروري ويتعارض عن حقٍّ مع أيّ انزلاق متسرّع نحو النظام، نرى بعض مظاهره بين حينٍ وآخر.

يشير الاتّفاق بوضوح إلى «المحافظة على وحدة سوريا الجغرافية والسياسية، ويرفض المشاريع والمحاولات التقسيمية والانفصالية كافة التي تهدد وحدة سوريا أرضاً وشعباً.

كان ذلك جزءاً مسبق التصميم من» مسار ستوكهولم» الذي يعمل بهدوء على الهدف ذاته منذ ثمانية عشر شهراً: معارضة الاستبداد ونظامه، وهدف التغيير والانتقال السياسي. وبناءً على ذلك تمّ التركيز على الإشكاليّات التي طالما عرقلت كلّ مسارات توحيد القوى الديمقراطية، ومنها مسألة المركزية واللامركزية، والهويّة الوطنية و»العلمانية» أو الإسلامية؛ إضافة إلى آليات التوافق المطلوبة في بناء تفاصيل الدولة المنشودة. يشير «اتّفاق التفاهم» إلى شيء مهمّ من تلك النقاط بجرأة ومسؤولية، لا بدّ من الإقرار بهما، لأنه مهما تأخّرتا، فقد سبقتا الآخرين المنهكين تعباً من حجم ومتطلبات ضعف الاستقلال السياسي، موضوعياً وذاتياً، أو ثقل حمولتهم من الشعارات والخطابات. يدمج الاتّفاق بنجاح و”حُسن تخلّص”، ما بين تفكيك تلك الإشكاليّات، وربطها بمعالم أخرى لازمة لا يكفي أحدها دون الآخر، فيتحدّث عن “تحقيق الانتقال السياسي والعدالة الانتقالية، وإنهاء نظام الاستبداد، والقضاء على الإرهاب، والمساهمة بإنجاز التغيير الوطني الديمقراطي، وبناء الدولة الديمقراطية التعددية سياسياً ذات النظام اللامركزي، الدولة الديمقراطية الحديثة، دولة القانون والمؤسسات المنتخبة، وفصل السلطات والتداول السلمي للسلطة”، ليربط ما بين النظام اللامركزي وحكم القانون على سبيل المثال؛ ثمّ ليصل إلى ضرورة مفهوم «الدولة الحيادية تجاه الأديان والمذاهب والمكونات وجميع الفئات الاجتماعية»، ليعالج بنعومة مسألة غلوّ العلمانية والإسلاموية وغلبة العقل الإقصائي معا. 

يشير هذا الموقع إلى الأهمّية العضوية لمفهوم المواطنة الحرة المتساوية، الذي يشكّل قاعدة تلك البنية. ومع تبنّي مفهوم «النظام اللامركزي» وترك تفاصيله لظرف لاحق أكثر جماعية واسترخاءً، يشير الاتّفاق بوضوح إلى «المحافظة على وحدة سوريا الجغرافية والسياسية، ويرفض المشاريع والمحاولات التقسيمية والانفصالية كافة التي تهدد وحدة سوريا أرضاً وشعباً، والعمل على خروج الفصائل المسلحة والميليشيات غير السورية، والقوى الأجنبية الموجودة على الأرض السورية، مؤكدين عدم الاستناد إلى أية جهة خارجية». تلك التعهّدات التي لا بدّ من ذكرها في فاتحة أي عمل وطني متعدّد الأطراف.

خلاف ذلك، طبيعي وصحيح ذلك التأكيد على أن الحل السياسي الوطني للأزمة السورية هو الحل الوحيد، والتركيز على أنه «ينبغي وقف الحرب وإنهاء العنف بأشكاله كافة، والعمليات العسكرية وفي مقدمتها الحلُّ الأمني والعسكري»، مع التأكيد على أن الذي يقود هذا الحلّ المَرَضيّ هو النظام المستبدّ. وبعد طول تصلّب – عن حقّ بالطبع- بأن» يسبق» هذا الإجراء «إطلاقِ سراح جميع معتقلي الرأي على كامل الأراضي السورية، وإلغاء جميع أنواع ملاحقات السياسيين داخل سوريا وخارجها، ومعرفةِ مصير المقتولين تعذيباً، والمغيبين والمختفين قسراً في المعتقلات والسجون، ورفض أشكال التغيير الديمغرافي كافة، والبدءِ باتخاذ الإجراءات التي تكفل العودة الآمنة والطوعية لكل المهجّرين والنازحين داخل سوريا والمهجرين قسراً خارجها إلى مناطق سكناهم الأصلية»؛ يتراجع نص اتّفاق التفاهم إلى المطالبة بأن» تترافق» تلك الحزمة من المطالب مع تطوّر الحلّ السياسي.

يدعم الاتّفاق أيضاً وقف إقصاء القوى «الوطنية الديمقراطية» عن مسار الحلّ السياسي وعمليّته، والقوى التي يمكن أن تكون مقصودة بذلك كثيرة. لعلّ أكثرها أهميّة على الإطلاق مجلس سوريا الديمقراطية نفسه، أحد طرفيّ هذا الاتّفاق. يشكّل هذا الكيان نصف تمثيل الكرد السوريين – أقلّ أو أكثر- إضافة إلى وجوده الماديّ القويّ على الأرض، ودوره المعترف به في هزيمة الإرهاب الداعشي. غياب المجلس عن العمليّة السياسية لا يتناسب مع الإقرار الدولي والإقليمي والمحلّي بأنّ وحدة سوريا هدف أوّل، في ظروف راهنة تنذر بتقسيم غير محمود أبداً. هذا يعني أن من يقصي هذا الطرف يساعد على تكريس تجزئة سوريا، وليس كما يقول ويتّهم. تلك معادلة ميكانيكية قبل أن تكون سياسية، حيث لا بدّ للأطراف التي تمتلك وجوداً قوياً من التمثيل على طاولة التفاوض، غير ذلك عيب في العملية ومسارها وبالطبع في نتائجها وانسجامها، إن وجود الكرد في الصفّ المعارض للاستبداد ذو أهميّة حاسمة، لا بدّ من تجاوز عقباتها، وإذْ لا يُستغرب «الفيتو» والتأثيم المرافق من قبل أطراف خارجية لها معادلاتها الخاصة، يُستغرب مثله من أطراف معارضة تجهد وتلهث لتحقيق أي مكتسب في أجواء كالتي نعيشها الآن، محصّلتها موجة التطبيع مع النظام نفسه، صاحب الجرائم الموصوفة نفسها. وحين التقى في آخر أيام عام 2011 في القاهرة ممثّلون عن المجلس الوطني السوري وهيئة التنسيق الوطنية لصياغة وحدة أكثر تقدّماً للمعارضة السورية، الأمر الذي كان بطلب من الجامعة العربية وأمينها العام آنئذٍ نبيل العربي، توصّل الطرفان إلى اتّفاق واعد، جابهته غضبة مضرية في الغائبين عن تلك العملية في المجلس الوطني من الأكثر صلابة واستعصاءً على الإبداع، أو عناداً على ما كانوا يرونه حقاً أو قطوفاً دانية، من صفوف الإسلامويين والراديكاليين. أفزعت تلك الغضبة بعض موقّعي البيان ومدبّجيه فتراجعوا بسرعة عجيبة عن تواقيعهم.

احتوى اتّفاق القاهرة ذاك الذي كان أول خيبة كبيرة للجامعة العربية من المعارضة، على شحنة أعلى من المعارضة الجذرية، كان من بين حضور توقيعه الموافقين عليه برهان غليون وهيثم المناع، مع وجود هيثم المالح، والأهمّ كان وجود صالح مسلم، الذي كان يمثّل حزب الاتّحاد الديمقراطي، مع تمثيله أيضاً لهيئة التنسيق، ذلك كلّه مع حفظ الألقاب والاحترام طبعاِ. المهم أن ذلك الاتّفاق «الفقيد» قد عاش لساعات فقط، ويذكّر به الاتّفاقُ موضوع المقالة هذه، مع الفوارق بين بعض الأطراف والمضامين. لقد أصبح مقبولاً ومتعارفاً عليه حالياً، أن النقص في تمثيل السوريين في تقرير مصيرهم عيب رئيس – بل عار- وأنّ السبب/ الطرف المفقود أيضاً في هذا الجانب من التمثيل هو القوى والشخصيات الديمقراطية/ الأقرب إلى العلمانية من حيث مضمونها الاجتماعي- السياسي. وتجري محاولات لاهثة، مخلصة لأهدافها الأولى، متعجّلة لقطف التسميات وعقد المؤتمرات من دون كدّ وشغل ورويّة، الأمر الذي يضرّ بالهدف الفائق الأهميّة وسلاسة تحقيقه، بحيث يجمع في أوّله الطرف الديمقراطي المنوّه عنه، ليشمل كل القوى والشخصيّات الوطنية المعارضة بعد ذلك. ولا يمكن من دون هذا وذاك تحقيق شيء. ذلك اتّفاق/ اختراق مهم، ينتظر اتّفاقاتٍ أخرى تُكمل، وأطرافاً أخرى تُكمل، مع صبر وأناةٍ في زمن سريع!

ضرورات تجاوز المأزق

يوسف الطويل

دائما وفي كل مسار التاريخ العربي، كان الفكر في مسار حلزوني ، ينفي ويتجدد ويفرض رؤاه وسياساته ، خاصة مع بدايات النهضة العربية الاسلامية ، وفي مرحلة اعادة انتاجها لذاتها.

يمكن القول بداية : ان هناك أربعة تيارات سياسية يتقلب العقل العربي بينها ، بدءا من الاسلام السياسي ، مرورا بالحركة القومية العربية ،والماركسي ، والليبرالي ، وكانت محصلة الخلاصات الاستنتاجية من هذه التجارب ، هو استمرار المأزق العربي التفكري ، وتدهور شعبية الحقيقة التغييرية ، والارتداد نحو العلاقات ما قبل المدنية ، وسيادة العقلية الاقصائية والتخوينية ، والمراوحة في المكان ، مع تغييرات في مستوى حدية المأزق، والتخفيف منه الى حد ما.

البحث يطول في هذا المضمار ،ولا بد من تسجيل ملاحظات في السياسة العربية الحديثة:

– السياسة العصرية تنفي التخندقات ما قبل المدنية ، وايضا ، شروط استمرار القومية العربية والدين يستلزم اعادة صياغة جديدة للعلاقات السياسية ، وخاصة بين الفرد والسلطة ، كون الحقيقة السياسية هي نتيجة للطابع الاجتماعي للعمل ، والممارسة السياسية التي فرضها العصر تتجاوز في شموليتها اغلب ان لم يكن جميع العقائد ما قبل المدنية ، والتي لا تستطيع ان تجدد بنيتها المفاهيمية والمقولاتية لمواكبة تطور قوى الانتاج الحالي ، وحاجات وشروط نموها .

– مازال العقل العربي في السياسة يعيش في دوامة الثنائيات ، تقدمي / رجعي  ، وغيرها الكثير من الامراض السياسية التي ولدتها البنية الاجتماعية المتخلفة .

لم يهتدي العقل العربي في السياسة للون البني ، حيث مازال مستمرا في تخندقاته

الاقصائية والتخوينية ، والتي تهمش مفاعيل قوى اجتماعية منقسمة ذاتيا ومتشرذمة ، لصالح قوى حيتان المال ، وتجار الازمات ، وقوى الاستبداد السياسي والمالي ( الذي لم يظهر بقوة بعد ) .

فما نحتاجه هو وعي الحقيقة الموضوعية ، ووعي الحقيقة بسمتها العصرية الاجتماعية ، وإنها نتيجة الفعل الجمعي المعرفي السياسي. فإن مأزقنا يقدم لنا  : الحوار الشفاف والمسؤول ، والنابع من الحاجات الملحة لمجتمعاتنا ، وامتنا العربية ،  ، بحيث كل تشكيل سياسي يطرح رؤاه من خلال اطار حواري يكرس احترام الراي الآخر ، والتعبير عن الرأي وحرية المعتقد ، وهذا الحوار هو من مسؤولية النظام العربي الرسمي وكل الفئات المتضررة من المأزق العربي ، والتي لها مصلحة في تجاوز : حالة الترهل ، والتخلف ،والمحافظة ،والاستبداد ، والافقار.

لم يعد العقل يتحمل مغامرات جديدة ، فإنه قد فقد ثقته بكل القوى السياسية الاربعة ، واصبح يتصرف من موقع رد الفعل الغريزي ، كبديلا عن نواظم العمل السياسي وبرمجته ، ودون معرفة الحقيقة السياسية ، فقد اضحى العقل العربي منقسما ، ومترهلا ، ومتخلفا ،وتنتابه امراض عقل هذه البنية الاجتماعية المتخلفة ، الذي كحالة جمعية هو ذاته ذاك العقل العربي المنقسم .

من أين نبدأ ؟ وماهي غائية ممارستنا السياسية ؟ وإلى أين وصلنا على كافة المستويات ؟ وماهي الصيغة الضرورية لانقاذ العقل العربي من مستنقع الرثاء والماضي ؟لتلبية شروط تلبية حاجاتنا ومعالجة اوضاعنا المتراكمة والمترهلة ، وحلحلة قضايانا العربية من موقع الفاعل ، لا من موقع المفعول به ،والمفعول فيه، ولتجاوز الغرائزية السياسية التائهة.


هل كانت الحرب الأهلية السورية ضرورة؟

مازن كم ألماز


لا شك أن النظام السوري لجأ لقمع المظاهرات ضده بعنف و وحشية لكن مع هذا فإن خيار الذهاب إلى حرب أهلية لم يكن قرار النظام وحده، بل كانت هناك قوى لم تستسهل فقط اللجوء إلى السلاح بل دفعت باتجاه ذلك معتبرة أن العسكرة وما تلاها من حرب هي الطريق الأفضل “لتحقيق مصالحها” أي لفرض وصايتها و سلطتها … كانت شهوة السلطة أقوى بكثير من أية مقاربة منطقية للواقع ففي الحروب لا يكفي أن تبادر خصمك بإطلاق النار أو بالهجوم ، فليس من المنطقي أبدًا أن تبدأ حربا” ستخسرها بلا شك … من المرعب أن نصادف قوة سياسية تفكر بهذه الطريقة أو لا تقيم أي وزن لخسائر الناس العاديين لتصل إلى أهدافها …

لا شك أن القوى التي دفعت أو ساهمت بالدفع نحو عسكرة الثورة و تحويلها من مظاهرات و احتجاجات مدنية إلى مواجهات مسلحة كانت لها حسابات متناقضة ، البعض اعتقد أن الخارج سيسارع للتدخل و الإطاحة بالنظام لصالحها و لم تر في العسكرة أكثر من محفز و مبرر لهذا التدخل ، هؤلاء كانوا أساسًا من السياسيين الذين شكلوا مؤسسات المعارضة الرسمية ، و آخرون رأوا في العسكرة الخطة الأمثل بل الوحيدة التي يمكنهم من خلالها تحقيق أهدافهم أو الوصول إلى السلطة … لكن و خلافًا لما وعد به قادة الفصائل المسلحة السوريين الثائرين على النظام لم يقم هؤلاء بحمايتهم بل ما حدث كان العكس، لقد احتمت الفصائل المسلحة بالسوريين من قصف النظام ثم داعميه في وقت لاحق.

تعرضت المناطق “المحررة” أو الخارجة عن سيطرة النظام لعقوبات جماعية و قصف يومي افتقر للدقة على الأقل حتى التدخل الروسي المباشر في وقت متأخر و كان واضحًا منذ البداية أن القوى التي واجهت النظام بالسلاح لا تملك الرد على هذه الإجراءات العقابية الجماعية … أكثر من ذلك ، لم تفعل تلك القوى و من كان يدعمها ما يلزم للإطاحة بالنظام الأمر الذي كان ممكنًا في لحظات عدة قبل إنقلاب ميزان القوى مع ذلك التدخل الروسي المباشر … قبل ذلك لم يمكن لتدخل الآلاف من مقاتلي حزب الله و الميليشيات الشيعية التي دربتها و مولتها إيران ليقلب تلك الموازين أكثر من  تحقيق بعض الانتصارات المحلية التي ساهمت ، مع غياب خطة حقيقية للإطاحة بالنظام إلى جانب الاقتتال و التنافس بين قادة الفصائل المسلحة في تثبيت مؤقت لسيطرة القوى على الأرض.

وخلافًا للمظاهرات و بقية أشكال الاحتجاج الجماهيري كانت العسكرة تعني فقط سيطرة أمراء الحرب في كل مكان و انفلات الهمجية و أيضًا تكلفة بشرية و مادية هائلة دفعت ثمنها أساسًا المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام … و أيضًا ليس صحيحًا أن العسكرة هي الرد الوحيد الممكن على القمع ، لقد تعرض الثوار الايرانيون و العراقيون و البحرانيون و السودانيون ، هذا في السنوات الأخيرة فقط عدا عن تجارب ثورية سابقة أخرى لا حصر لها ، لقمع همجي و قتل المئات بل الآلاف منهم دون أن يلجئوا للسلاح للدفاع عن أنفسهم و محاولة الإطاحة بالنظام الذي يقمعهم بكل تلك الهمجية ، بكل الأحوال لم يكن من الممكن إسقاط تلك الأنظمة عبر اللجوء للسلاح أو حتى التقليل من خسائر الجماهير الثائرة.

رغم كل ذلك لا توجد أية رغبة حتى في الاعتراف و الاعتذار للجماهير التي استخدمت وقودًا للمحرقة رغمًا عن أنفها ، لا يرغب الإسلاميون بالاعتراف بأخطائهم ولا بمسؤوليتهم ولا بدورهم في هذه المحرقة ، و يشاركهم في هذا من اعتقد أن هؤلاء سيقومون بتخليصهم من النظام بينما سيبقى من الممكن التحكم بهم و بأمراء الحرب عبر قوة و نفوذ الخارج المادية والعسكرية التي اعتقدوا أنها ستلعب لصالحهم في نهاية المطاف … لا يقر هؤلاء بالطريقة الساذجة و الاعتباطية و لا الاستبدادية التي اقتيدت فيها الجماهير خاصة الثائرة نحو تلك المحرقة التي لم يكن من الصعب التنبؤ بوقوعها دون تفكير أو تخطيط و بالتأكيد دون استشارتها و موافقتها ، و كان تحويل السوريين خاصةً الثائرين منهم إلى لاجئين آخر خطوة في مسار طويل حولهم إلى منفعلين سلبيين و عاجزين عن أي فعل بعد أن صودر صوتهم و صودرت إرادتهم و بدلًا من أن يحرر السوريون أنفسهم بأنفسهم كما كان يفترض أصبحوا مضطرين للاعتماد على غيرهم من سادة العالم و الإقليم وأغنيائه ليس فقط للتخلص من النظام وغيره من أمراء الحرب بل حتى في أبسط تفاصيل حياتهم ومعيشتهم.

فكرة التزاوج السياسي لليساريين مع الإسلاميين

(المعارضة السورية نموذجاً)

محمد سيد رصاص

“وكالة نورث برس”- 25\6\2023

كتبت جريدة “نضال الشعب”(العدد206،آذار /مارس1979)،الناطقة باسم الحزب الشيوعي السوري(المكتب السياسي)،الكلمات التالية في تقييم الثورة الايرانية التي كانت قد أسقطت نظام الشاه بالشهر السابق:”قاطرة هائلة للتاريخ تفتح أبواب المستقبل بعنف،ليس في ايران وحدها…وإذا كان الدين قد لعب في ايران دوره المطلوب،مع الشعب ضد المستبدين به،فماالذي يمنعه من أن يسهم في معركة كهذه في العالم العربي المنكود بأمثال الشاه؟”..

بالتأكيد كانت عين النص على منظر ثورة يتزعمها رجل دين يتحالف معه حزب توده الشيوعي ويساريون أكراد مثل عبدالرحمن قاسملو سكرتير الحزب الديمقراطي الكردستاني في ايران  ويساريون مزجوا الماركسية والاسلام مثل مسعود رجوي قائد منظمة مجاهدي خلق. ورغم ادراك الفرق بين اسلام طهران واسلام دمشق فإن نص العدد206 هو مسكون بالهم السوري، وهو في الوقت نفسه يدخل في موجة عمًت يساريي المشرق العربي حتى مصر غرباً رأت “امكانية التزاوج بين الاسلام واليسار”،وكان كتاب حسين مروة حول النزعات المادية في الفلسفة الاسلامية قد صبً الكثير من الماء في تلك الطاحونة ،وهي موجة سياسية- فكرية لم يقف وقتها بالضد منها في سوريا سوى الأستاذ  الياس مرقص والدكتور نايف بلوز.

كان هناك شيء إضافي يدفع بهذا الاتجاه عند الحزب الشيوعي(المكتب السياسي) هو أن فكرة المزج بين الماركسية والتربة الثقافية المحلية، والتي أساسها الأقوى هو التراث الاسلامي،كانت في تفكير الحزب ولو بشكل مضمر منذ الانشقاق عن السوفيات وخالد بكداش في عام1972،أوعلى الأقل عدم مصادمة البيئة المحلية من قبل الشيوعيين، وكان هذا من أكثر الأفكار التي استخلصها السجناء الشيوعيين الذين اعتقلوا عام 1959 نتيجة معارضة الحزب للوحدة السورية- المصرية.

على الأرجح أن هذا كان في تفكير رياض الترك مع بدء الصدامات بين الاسلاميين والسلطة السورية بدءاً من مجزرة مدرسة المدفعية بمنطقة الراموسة قرب حلب التي ارتكبها في يوم 16حزيران/يونيو1979 “تنظيم الطليعة المقاتلة للاخوان المسلمين”الذي أسسه الشيخ مروان حديد في عام1975. في رسالة اللجنة المركزية للحزب (أواخر حزيران) يتم تجنب إدانة عنف الاسلاميين رغم اعترف تنظيم الطليعة بمسؤوليته عماجرى ، مع تأكيد الرسالة على أن ماجرى يومها في الراموسة هو “تعبير عن أزمة عامة في البلد سببها نهج السلطة”مع سكوت ضمني عن الاسلاميين مع رؤية أن  العنف هو أحد مظاهر ونتائج الأزمة  ثم تدعو الرسالة الى “التغيير الجوهري والجذري للأوضاع القائمة” كحل ترى محتوياته في (دستور ديمقراطي تقره هيئة منتخبة من الشعب – الحريات العامة في التحزب والتجمع والاعلام- فصل السلطات وخضوع السلطة التنفيذية للتشريعية – ابعاد الجيش عن السياسة).كان هذا الذي ورد في الرسالة هو محور سياسة الحزب في مضامين السياسة وفي رسم السياسة العملية حتى اعتقالات شهر تشرين الأول/أوكتوبر 1980.

عند الاتفاق  بالشهر الأخير من عام1979 على  ميثاق (التجمع الوطني الديمقراطي) كان من الواضح أن هناك أربعة أحزاب سورية يسارية عروبية (الاتحاد الاشتراكي- حركة الاشتراكيين العرب- حزب البعث تنظيم 23 شباط)وماركسية(حزب العمال الثوري العربي) قد مشت مع خط الحزب الشيوعي(المكتب السياسي) المرسوم في  رسالة حزيران 1979بعد ستة أشهر منها مع شيء جديد هو وارد في الميثاق يقول بأن “هذا البرنامج للعمل الوطني..هو برنامج نقدمه مرتكزا لتجمع جبهوي عريض”.

بعد بيان “التجمع ” في 18أذار1980،الذي تضمن مطلب التغيير “الجذري والجوهري” بمحتوياته البرنامجية من دون الاشارة الى عنف الاسلاميين ومع التركيز على عنف السلطة، ذهب عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي(المكتب السياسي)أحمد محفل الى بغداد وحضر “المؤتمر القومي الشعبي”أواخر الشهر المذكور والذي حضرته قيادات من التنظيم السوري لحزب البعث الموالي لبغداد،مثل أمين الحافظ وشبلي العيسمي،وشخصيات سياسية معارضة مثل صلاح البيطار وأكرم الحوراني، وقيادات من جماعة الاخوان المسلمين. كان رياض الترك هو الذي أعطى التوجيه لمحفل بحضور المؤتمر من دون التشاور مع المكتب السياسي للحزب وقيادة “التجمع” وعندما حصل المؤتمر نشرت رسالة داخلية بأن محفل قد ذهب من دون استشارة قيادة الحزب وهذا مر من دون اتخاذ أي اجراء حزبي بحقه. 

في أيار 1980 بدأت تبرز في قيادة الحزب الشيوعي(المكتب السياسي)،عند الدكتور فايز الفواز وغيره، وعند قيادة “التجمع”،مثل الدكتور جمال الأتاسي أمين عام التجمع وأمين عام الاتحاد الاشتراكي،رؤى جديدة بأن التوازنات قد بدأت تميل لغير صالح المعارضة بشقيها الاسلامي والديمقراطي وأن توازن القوى قد بدأ يميل لصالح السلطة وأن هذا يتطلب سياسة  جديدة تقتضي  تجاوز الموقف السكوتي عن نقد سياسات وعنف الاسلاميين فيما كان رأي رياض الترك هو العكس وهو مااستمر في نقاشات اللجنة المركزية في اجتماع أيلول/سبتمبر1980 عندما قال رياض بأن التشخيص صحيح ولكن نقد الاسلاميين هو مثل “رفع السكين على بقرة مذبوحة”وأن هذا سيكون خطيئة سياسية.

لم تنهي اعتقالات الشهر العاشر عام1980 للحزب الشيوعي(المكتب السياسي)هذا الخلاف في الحزب بل أعيد طرح فكرة (الجبهة العريضة) عام1982 وكان سكرتير(لجنة المركز)محمد منير مسوتي (أبوماهر)الذي تولى قيادة الحزب بعد اعتقال رياض وحتى اعتقاله في أيلول1987من متابعي خط (الجبهة العريضة) ومشجعا لأحمد محفل المقيم في باريس على نسج تحالف مع الاسلاميين وبعث العراق وهو ماعارضه الدكتور جمال، فيماكان استناد أبو ماهر  أن هذا وارد في ميثاق التجمع وفي رسالة اللجنة المركزية للحزب في حزيران 1980عن أن أحد احتمالات المستقبل هو تشكيل “تحالف ديمقراطي-اسلامي- شعبي”.

مالت الموازين لغير صالح هذه الفكرة بعد اعتقال أبوماهر وتولي عبدالله هوشة قيادة الحزب وهو كان أكثر انسجاماً مع الدكتور جمال الأتاسي وهو ماوصل الى حدود تشكيلهما لمشروع وثيقة أيار/مايو1998التي أريد منها تحويل “التجمع” من تحالف أحزاب الى حركة سياسية واحدة مع البدء باعتراف أحزابه  ” بالتجمع إطاراً لتمثيلها ونشاطها السياسي”مع الحفاظ مؤقتاً على تنظيماتها مستقلة حتى يوم الوصول الى الحركة السياسية الواحدة.

عندما خرج رياض الترك من السجن في 30أيار1998كان جهده الرئيسي خلال الأشهر اللاحقة هو قتل وثيقة أيار1998وكان رأيه بأن “التجمع”قد أصبح إطارا ً لايصلح لتلبية متطلبات المرحلة القادمة التي كان يتوقع فيها وفاة الرئيس حافظ الأسد بسبب وضعه المرضي وأن المرحلة القادمة تتطلب تفعيل لقاء الديمقراطيين اليساريين مع الاسلاميين في (جبهة عريضة) تضم معهما الأحزاب القومية الكردية، وهو منذ عام1999قد فتح خطاً سرياً من دون علم قيادة الحزب مع المراقب العام لجماعة الاخوان المسلمين علي البيانوني وهذا الخط الذي رسمه رياض (الذي كان مسجونا منذ الشهر التاسع عام2001وحتى نوفمبر2002) للحزب هو الذي الذي دفع بحزبيين للمشاركة في مؤتمر لندن  الذي جمع طيفاً واسعاً من المعارضين السوريين في أغسطس2002 ضمً ماركسيين واسلاميين وعروبيين وليبراليين وأحزاب قومية كردية.

في فترة مابعد الغزو الأميركي للعراق عام2003كان رأي رياض الترك أن القميص الشيوعي لم يعد يصلح لملاقاة “الرياح الغربية”وهو من هذا المنطلق ذهب لتأسيس(حزب الشعب الديمقراطي)عام2005 وفي خريف ذلك العام وأثناء لحظة صدام واشنطن- دمشق قام بدور رئيسي مع البيانوني في تأسيس “اعلان دمشق” بالتشارك مع أحزاب قومية كردية ومع مثقفي “لجان احياء المجتمع المدني”.

هذا التلاقي التحالفي المطروح في رسالة المركزية في حزيران1980،أي “تحالف ديمقراطي- اسلامي- شعبي”،هو تفكير رياض الترك الذي طبقه عام 2005 في “اعلان دمشق”أثناء لحظة صعبة للسلطة السورية وهو تفكيره في تأسيس “المجلس الوطني”عام2011باسطنبول وفي تأسيس “الائتلاف”عام2012بالدوحة،وكان يأمل بأن الأمور عبر التدخل العسكري الخارجي المرفوق بعنف الاسلاميين  سيقود إلى اسقاط السلطة وكان هذا تفكيره بمرحلة مابعد الانفجار السوري عام2011 منذ درعا .

كتكثيف:عند تعليق أحد كوادر الحزب الشيوعي(المكتب السياسي)على قيام مجلس اسطنبول عام2011 كانت الكلمات التالية:”هذا الزواج مع الاخوان المسلمين هو بشهوة رياض الترك منذ عام1980″ . في مقابلة رياض الترك مع جريدة “القدس العربي”في 2أيلول2018 هناك اعتراف ب”فشل الثورة” عندما قال بأن “تيار الاسلام السياسي كان واحدا من الأسباب الرئيسية التي قادت الى الفشل” ولكنه لم يقل كماقال قبل ثمانية وثلاثون عاما ً بأنه لايجوز “رفع السكين على بقرة مذبوحة” بل قال في تلك المقابلة بأن واجبنا في مواجهة الاسلام السياسي ” نقده والاشتباك معه سياسياً وأيديولوجياً “، ولكنه بالتأكيد شعر عام2018 بأن هذا الزواج مع الاسلاميين كان عقيماً ومدمراً ،وهو على الأرجح شعور نور الدين كيانوري أمين عام حزب توده عندما قام الخميني باعتقاله في عام 1983.

لقراءة أعداد جريدة المسار اضغط هنا